رواية
"الصمت والصخب"
لنهاد سيريس
كان
الطقس شديد الحرارة. لاحظت ان الشرشف تحتي كان مبتلاً تماماً. شعرت بهذا قبل أن أفتح عيني. من
شدة الحرارة كنت أتنفس بصعوبة بينما كان العرق يتجمع في نقاط تسيل على رقبتي. رفعت
يدي ومسحت المنطقة فوق الشفة حيث اعتدت على وجود العرق إذ يتجمع هناك في نقط صغيرة
ودقيقة. استدرت إلى طرفي الأيسر ونظرت إلى الساعة المعلقة على الجدار فوق النافذة.
كان الضوء القادم من النافذة مبهراً إلا أنني استطعت أن أميز عقارب الساعة. كانت
الثامنة والنصف بينما الضجة في الشارع توحي وكأن النهار قد انتصف.
خلعت
قميصي الداخلي المبتل وأطلقت زفرة. زفرة توحي بأنني أتأفف فقد كان علي أن اشتري
مروحة. تأففت من نفسي لأنني طلبت مراراً النقود من أمي وعوضاً عن أن أشتريها كنت
آكل بها وأشتري التبغ. فضلت أن ابقى مستلقياً. دلقت قنينة الماء على رأسي وصدري
العاري فشعرت بالانتعاش. هذا الأمر تعلمته من لمى. كانت أيضاً تبلل المنشفة بالماء
ثم تأتي بها فتمدها على جسدي العاري برهة فأشعر بالبرودة ثم كانت تسحبها بإصبعين
من كل جانب فتمر على كامل صدري ثم وسطي حتى قدميّ. كنت أشعر ببرودة منعشة قبل أن
يسخن الماء الذي يبلل المنشفة. وكنت أيضاً أنتعش فتستجيب لمى أوكنت أصطنع البلاهة
فلا أظهر معرفتي بما كانت تشتهي بلعبة المنشفة هذه فأتركها تستسلم لي بدلال.
إنها
الثامنة والنصف وأصوات الخارج تصل إلي بدون تنسيق. كانت الأصوات تأتي على شكل ضجيج بينما مكبر
الصوت يرفع صوتاً لعيناً يلقي شعراً حماسياً غير مفهوم ثم يتوقف ليعطي بعض
التعليمات. كانت معاني الكلمات تضيع لأن مكبر صوت آخر يضج بأغانٍ حماسية. بينما
كان تلاميذ المدارس يرددون كلمة "عاش.. عاش"
لماذا
لا أملك ستارة على النافذة تحجب عن عيني ضوء النهار المبهر بل اكتفيت بلصق ورق
أبيض على الزجاج؟ أمي أعلنت أكثر من مرة أنها على استعداد لأن تخيط لي واحدة
ولكنها طلبت مني أن أقيس أبعاد النافذة. وعدتها بأنني سأحضر شريط قياس، أي متراً
ولكنني لم أجد من أستعير منه هذه الأداة التي تسحب الشريط بفعل نابض بعد الانتهاء
من القياس. مرة، طلبت مني أمي أن أقيس أبعاد النافذة بخيط طويل ولكنني لم أفعل.
سوف
أجر المكتبة يوماً فأسد بها النافذة لأرتاح من الضجيج والضوء.
شقة
لمى أكثر سخونة من شقتي لأنها ليس فيها سوى نافذة واحدة تطل على الجهة الجنوبية
أما سريرها فأعرض ولا يزقزق مثل سريري. أما الحمام فتقع بجانب المطبخ أي في الطرف
الآخر من الشقة التي تحتوي على غرفتين، واحدة للنوم وهي ذات النافذة الوحيدة بينما
الأخرى للمعيشة وتقوم مقام موزع واسع إلى غرفة النوم من جهة وإلى المطبخ والحمام
من الجهة الأخرى. بينما شقتي فيها ثلاث غرف مستقلة، أنام في واحدة وأعمل في واحدة
واستقبل ضيوفي من الأصدقاء في الثالثة. كل الغرف فيها نوافذ حتى المطبخ له باب إلى
بلكونة صغيرة. شقتي يغمرها ضوء النهار وتلعب فيها تيارات الهواء ومع ذلك أشعر فيها
بالحر وأتعرق بغزارة. أستيقظ وأنا أسبح بعرقي. يغمر الضوء الشقة وكذلك ضوضاء الشارع
ومكبرات الصوت فعمارتنا تطل على شارعين فيهما عدة مساجد ومؤسسة عامة ومدرسة. وكلما
اشتكيت لأمي من الحر والضجيج تقول لي إن شقتي تقع في منطقة ناطقة. لا أعلم لم تطلق
على منطقتنا صفة النطق وأعتقد أنها تقصد أن المنطقة مرغوبة وعليها رِجْل أو انها
ملتقى لعدة طرق. منطقتنا ليست ناطقة بل صارخة بسبب الضجيج الهائل الذي يملؤها
ويخترقها ويخترق سمعي ويبدد هدوئي. شقة لمى أكثر هدوءاً بل إنها تعتبر ساكنة.
بالكاد تسمع فيها أصوات خطوات الساكنين. شارعهم لا تمر فيه السيارات والمآذن بعيدة
وسكان العمارة لا ينجبون الأطفال. حتى سريرها لا يزقزق. متعة. أما هنا فعلي أن
أغلق النوافذ لأصد الضجيج فأحترق بلهيب الصيف الصحراوي.
تمنيت
لو كانت لمى هنا لكنت طلبت منها أن ترطب المنشفة ثم تمسكها بإبهاميها وسبابتيها
وتمررها على جسدي العاري. ولكنها ليست هنا بل في فرنها الخاص. عندما أنام في شقتها
تحتار كيف ترطب جسدي. تراها تذهب الى الحمام كل فترة فتقف تحت الدوش ثم تعود دون
أن تجفف نفسها. تلتصق بي لتنعشني وهي تبكي لأنني أشعر بالحر ولأنني لن أطيق شيئاً
وخاصة المداعبة في تلك الحالة الجهنمية ولأنني سوف أرتدي ثيابي قبيل الفجر وأهرب.
نهضت
في التاسعة إلا خمس دقائق. عندما نهضت خفت الضوضاء دون سبب مقنع. أعتقد أن الإنسان
يشعر بالضجيج بشكل مضاعف وهو في وضع أفقي. لهذا السبب اعتدت على النهوض من الفراش
فور استيقاظي. عندما أنهض يزداد اهتمامي
بأشياء البيت. أشاهد الفوضى، ثيابي الملقاة على الأرض، على السرير أو على المقعد.
أنظر الى نفسي في مرآة خزانة الملابس. أذهب الى الحمام وأغلق الباب على نفسي
فيتراجع الضجيج. الحمام هي أقل المناطق ضجيجاً في شقتي لأنها تشبه الصندوق المغلق.
عندما يصل الضجيج الى مستواه الأعلى أهرب الى الحمام. في شقة لمى أشتهي سماع صوت
تنفس أحد ما. في شقتي لا أسمع صوت تنفسي.
في
الحمام أعمل جرداً لما فعلته في اليوم السابق. منذ مدة يصيبني الغم والاستياء من
نفسي لأنني لا أفعل شيئاً. اليوم السابق كان مثل الذي قبله ومثل الذي قبل قبله
ومثل الذي قبل شهور. لم أعد أعمل شيئاً. لم أعد أكتب ولم أعد اقرأ ولم أعد أفكر.
فقدت منذ فترة متعة العمل. لهذا السبب تعكر مزاجي اليوم أيضاً وأنا في الحمام
لأنني لم أفعل شيئاً في الأمس. كنت أحرص في الماضي على عمل أي شيء لأكتسب متعة
الإنجاز في صباح اليوم التالي. متعة العمل تجر متعة الإنجاز. متعة تخلف متعة
وهكذا. سلسلة يحركها فعل العمل. أما وقود هذا الفعل فليس لدي أي فكرة عنه لأنني
فقدته في مكان ما وزمن ما ولا أعلم كيف أستعيده. ليست لدي إمكانية لاستعادته.
الفعل أصبح من الماضي أما الحاضر فقد تحول الى حالة من الاكتئاب أو الاستياء من
النفس تصيبني حالما أدخل الحمام. لو كان بيدي لظللت نائماً موفراً على نفسي جلسة
المحاسبة اليومية هذه ولكن الضجيج القادم من الخارج يدفعني إلى الاستيقاظ.
الضجيج.
من فعل ضج يضج القبيح. لم أجد في اللغة العربية فعلاً بهذا القبح. أفضّل عليه كلمة
الصخب. أكتب هذا وكأنني أبحث عما يجعله حميمياً. سوف أستخدم الكلمتين معاً في
قصتي، ثم علي أن أحدد معناه من خلال وصف حلم شاهدته مرةً. كنت في مسرح أرتدي بدلة
سوداء وربطة عنق خمرية وكان العازفون قد احتلوا كراسيهم وراحوا يضبطون إيقاع
آلاتهم الوترية. لم يكن قائد الاوركسترا قد دخل بعد فارتفعت أصوات ضبط الإيقاع. كل
الآلات تصدر أصواتها دفعة واحدة بدون تنسيق أو لحن يجمعها. ضجيج عال وقبيح من آلات
موسيقية لن تلبث بأوامر قائد الفرقة ان تصدح بأعذب الألحان. ولكن قائد الفرقة لن
يدخل ويستمر الضجيج دون توقف و دون فترات فاصلة. اللحن هو الصوت بينما الضبط هو
الضجيج وأحاول سد أذني بيدي حتى يكاد رأسي ينضغط من الجانبين. ظللت الليلة كلها
أحلم بالضجيج وعندما استيقظت أخيراً كانت أذناي تؤلمانني ورأسي ثقيل بينما غرفتي
غارقة في ضجيج الشارع.
خرجت
من الحمام دون أن أحلق ذقني ودخلت المطبخ. شربت كوباً من الحليب البارد وأنا ألعق
المربى من المطربان. نظرت إلى العمارة المقابلة لعمارتنا. كانت النساء المحجبات يقفن على بلاكين بيوتهن
أو على نوافذها وهن يتطلعن إلى الشارع بصمت. لم تبق امرأة أو طفل إلا وخرجت تنظر
بكسل إلى الأسفل. اقتربت من باب البلكون بحذر وفتحته فصدمتني شدة الصخب. كنت ما
أزال بسروالي الداخلي فلم أكن قد ارتديت ثيابي بعد. خرجت محتمياً بستارة البلكون
وبيدي كوب الحليب الفارغ. نظرت إلى الأسفل جهة الشارعين اللذين يتقاطعان في زاوية
عمارتنا فرأيت المشهد العجيب. كان الشارعان ممتلئين بالحشود وهي تتماوج وتتدافع بينما المئات من صور الزعيم تتحرك
كأمواج البحر فوق رؤوس الجماهير.
ارتديت
ثيابي وخرجت من البيت. أردت الهرب من الحر والضجيج إلى الخارج، ولكن هذا الخارج
كان الجحيم نفسه.
عندما
وصلت إلى أسفل الدرج انكشف امام عيني المشهد كله، فقد كانت جموع الجماهير تغطي
مدخل البناية وكان الصراخ على أشده، إذ كان يتسرب إلى ممر البناية فيتضخم بسبب
الفراغ المحصور بين الجدران والسقف. وقفت على الدرجة الأولى مفكراً كيف بإمكاني
دفع تلك الكتل المتراصة والمتدافعة والضاجة للخروج إلى الشارع. في الحقيقة فقد
تملكني خوف مفاجئ يشبه الخوف الذي يتملك أحد السابحين بعد ان يصبح وجهاً لوجه امام
سمكة كبيرة ومتوحشة.
كان
في الممر بعض الشبان من حاملي صور الزعيم وقد أشعلوا السكائر وراحوا ينفثون الدخان
من أفواه وقحة وقد استندوا إلى الجدران الباردة. كانوا، فيما يبدو، قد هربوا من
الجموع رغبة منهم في الاستراحة في الفيء وتبريد بشراتهم. راحوا ينظرون إلي بسخرية
فقد كانت وقفتي على الدرجة الأولى مثيرة للسخرية. اضطررت للتقدم وحين أصبحت قريباً
منهم اندفع إلى الداخل سيل بشري كان أصحابه قد فقدوا توازنهم بسبب الضغط الهائل من
الجمهور في الخارج وسقط البعض على الأرض. هذا الأمر لفت انتباه الشبان فتركوني
وشأني فقد راحوا يهزأون من هؤلاء ولم يمض سوى بضع ثوان حتى اندفع رجلان من
المنظمين الذين يرتدون الثياب ذات اللون الخاكي ويضعون على سواعدهم إشارات حمراء
وراحوا يدفعون الناس إلى خارج البناية. كان الشبان قد استقاموا في وقفتهم مما جعل
مهمة المنظمين أكثر سهولة فأمسكوا بهم وراحوا يدفعونهم إلى الخارج.
جرى
كل شيء على بعد خطوة واحدة مني. نظر إلي أحد المنظمين بعينين حمراوين وكاد يمسكني
ليشدني ومن ثم ليدفعني أمامه ولكنني مددت ذراعيّ أوقفه. لقد حسبني أحد هؤلاء الذين
تسربوا من المسيرة. لم يبعد ذراعيه ولم يسحبهما بل وقف وكأنه قد تجمد، حتى أنه لم
ينطق بما أراد الاستفسار عنه بل لاحظت تعابير وجهه تسألني فقلت له:
- هنا منزلي.
- هل تسكن هنا؟
- نعم.
- ولماذا لست في المسيرة؟
- أنا لست موظفاً ولست
منتسباً الى أية نقابة.. إنني الكاتب فتحي شين.
هذه
المعلومة جعلته أكثر عدوانية. قال بشراسة:
- البطاقة. أبرزت له البطاقة
فراح يدقق فيها. كان زميله قد انتهى من إخراج جميع من كان في الممر فاقترب منا.
أخذ منه البطاقة وراح يقرأ المعلومات عن شخصي بصمت. قال الأول بشراسته نفسها:
- خائن حقير، فقلت شكراً.
أعاد إلي الثاني البطاقة وهو ينظر إلي كمن ينظر إلى قذارة ثم استدارا ورحلا، ومن
أجل ان يخرجا راحا يدفعان الجموع بفظاظة. بلعت الإهانة ووقفت هادئاً وصامتاً.
لاحظت أنني لم أعد أطيق الضجيج المتضخم فاقتربت من الجموع المتراصة والهادرة، وما
إن خطوت خطوة واحدة إلى الخارج حتى جذبني الجمهور ثم راح يدفعني بعيداً عن مدخل
بنايتي.
بعد
مائتي متر أصبح الرصيف أقل ازدحاماً. وقفت على درجة لإحدى الصيدليات ورحت أتفرج
على الجمهور. كانت مظلة الصيدلية تحجب الشمس عني ثم أن نسمة لا أعرف من أين تأتي
كانت تجفف عرقي فاستطاب لي المقام وجعلت أراقب شخصاً متحمساً بشكلٍ زائد. كان
محمولاً على الأكتاف رغم وزنه الثقيل يهتف لما يقرب من مائة وخمسين شخصاً فيصفق
هؤلاء ويرددون ما يهتف به. لاحظت وجهه المعرّض لأشعة الشمس الحارقة. كان العرق
يغطي وجهه المحمر وكانت عروق رقبته نافرة ومشدودة مثلما كان فمه المفتوح على
الآخر. كان يصرخ بالشعارات. لم يكن يلقيها بل كان يصرخ بها بصوت قوي تصدره حنجرة
فولاذية مصنوعة لهذا الغرض.
هناك
أشخاص ولدوا لينتسبوا إلى الحزب الحاكم الذي يحب تنظيم مسيرات مثل هذه. أشخاص
مؤهلاتهم الجسمانية مفصلة ليقودوا الجماهير. هذا واحد منهم. لو كنت أنا الذي يصرخ
هكذا لكنت فقدت صوتي بعد ربع ساعة، أما هذا الرفيق والذي أتوقع انه ظل يصرخ منذ
بداية المسيرة حتى الآن فإنه ما يزال يمتلك قوة حنجرته وصلابتها رغم الصراخ
المستمر. ثم إن رفيقه الذي يحمله على كتفيه طوال الوقت لا بد أنه يمتلك جسداً
متيناً قادراً على حمل خمسة وثمانين كيلو غرام لمدة طويلة، ولاحظت أن الرجل
المحمول حين كان يهتف ويصرخ فإنه كان يستعين بيديه ليتوازن لأنه كان يتحرك لتخرج
الهتافات أقوى ما باستطاعته. هذه الحركة تزيد العبء على الحامل، وإذا أضفنا الحر
والجو الخانق، لأن رأس الحامل هو بين فخذي المحمول السمينتين، وإذا أضفنا الضوضاء
وصوت التصفيق وأصوات الهتافات المرددة من قبل مائة وخمسين حنجرة فإنني لا أحسد هذا
الرجل الذي وبسبب الزعيم يتحمل المشاق أكثر من أي ثور في هذه الدنيا.
من
زاوية معينة استطعت مشاهدة وجه الرفيق الحامل، فقد كان الموكب قد توقف وصار رجل
الهتافات أمامي مباشرة. أحسست بالخفة وأنا أراقب وجهه القابع بين فخذي المحمول،
وأقول أحسست بالخفة لأنني لم أكن أحمل على كتفي ولا حتى عصفور صغير بل كنت واقفاً
على درجة الصيدلية أتمتع بالظل وقد شبكت ذراعيّ على صدري. هل أقول إنني دهشت أو
استغربت أو تفاجأت؟ فقد كان الرجل الحامل يهتف هو أيضاً. لم يكتف بحمل رفيقه في
هذا الجو الخانق بل وجد أن من واجبه أن يهتف هو أيضاً فالزعيم لن يكفيه هتاف مائة
وخمسين حنجرة في هذا الرتل بل يجب زيادته بهتاف حنجرة أخرى. كان الشعار موزوناً
ولهذا فقد كان المائة والخمسون يصفقون بقوة وهم يقفزون مرددين الشعارات التي كان
يطلقها الرجل المحمول. أما من كانوا يحملون صور الزعيم فقد كانوا يلوحون بها ومنهم
من كان ينط حسب ايقاع الشعار رافعاً الصورة إلى أقصى ما تستطيع يده.
هناك
أمر غريب، ففي بلادي تنظم الشعارات بطريقة الشعر المقفى. وأعتقد ان للحزب مركز
دراسات خاصاً به لصياغة وإنتاج الشعارات وفق ضرورات المرحلة. الجماهير، عندنا،
تربى على الشعارات الموزونة. في كل فترة هناك شعار يتم ترداده واليوم بالذات وقبل
لحظات سمعت شعاراً جديداً تمت صياغته لجعل الناس يحمدون الله لأنه خلقهم في عصر
الزعيم. يبدأ الرجل المحمول شعاره كما يلي: "ميم ميم يا زعيم" فيردد
الحشد الذي يتبعه: "ميم ميم يا زعيم".. ماذا يقصد بالميم هذه؟ يرددون
الجملة بمتعة شديدة ما دامت مقفاة. في بلادي يحب الناس الكلام المقفى والسجع
والأشعار الحماسية الموزونة. هاهم، انظروا اليهم كيف يرددون كلاماً لا معنى له سوى
أنه يحتوي على قافية. والنتيجة، إذا أراد الحاكم ان تحبه الجماهير عليه ان يؤسس
فوراً مركزاً لإنتاج الشعارات الجديدة الخاصة به شرط ان تشبه الشعر فنحن قوم نحب
الشعر، حتى أننا نحب ما يشبه الشعر، وربما نكتفي بالسجع بغض النظر عن محتوى
الكلام. ألم يقولوا إن عصر الجماهير هو عصر الشعر؟.. والعكس صحيح، فالشعر يتم
توجيهه نحو الجماهير بينما النثر الذي أكتبه الآن يتوجه نحو الفرد. لهذا السبب لم
تكن شعارات الثورة الفرنسية تصاغ شعراً، رغم وجود "ميرابو"، بل صيغت
نثراً عبر كتابات جان جاك روسو. النثر يتوجه إلى العقول والأفراد بينما الشعر
يتوجه إلى الجماهير ويوجهها وليس غريباً أن يبدأ انحسار الشعر في الغرب أولاً.
الشعر يصنع الحماسة ويذيب الشخصية بينما النثر يصنع العقل والفردانية والشخصية.
أخيراً، أريد أن أذكّر، بأن بلادي ما تزال تعيش عصر الجماهير ولذلك فإن الكلام
الموزون والشعارات المقفاة هي ضرورة قصوى في حياتنا أما مؤلفاتي وكتاباتي النثرية
فهي أوهام شخص خائن وحقير كما نعتني بذلك قبل قليل الرجل باللباس الخاكي.
نعود
إلى المائة والخمسين الذين كان يقودهم الحامل والمحمول، فقد تحرك الموكب وراحت تلك
الكتلة البشرية الضاجة تتحرك مبتعدة عن مكمني الذي على درج الصيدلية. اقتربت
مجموعة كبيرة من تلاميذ المدارس الثانوية الذين كانوا يرتدون بدلات موحدة شبه
عسكرية تسمى الخاكي. كانوا أكثر صخباً من المجموعة الأولى وكان يقودهم شخص محمول
هو الآخر على كتف أحد المتطوعين، أو ربما كان الحامل مدرباً على ذلك وأنا أميل إلى
هذا الاحتمال. كان القائد يطلق الشعارات عبر مكبر صوت يدوي يعمل على البطارية.
كانوا يرددون نفس الشعارات ولكن بطريقة أوضح، ومرد ذلك ربما لأنهم من التلاميذ
المتعلمين، فقد كانوا يلفظون الشعار بشكل صحيح وكلماته غير مدغومة: "عظيم
عظيم يا زعيم".. وأريد هنا أن أصف الصخب إذا كان بالمستطاع فعلاً وصفه، فقد
كان مكبر الصوت الذي كان يهتف من خلاله قائد التلاميذ هو الثالث من مجمل مكبرات
الصوت التي كانت تصم أذنيّ في تلك اللحظة، فبالإضافة إليه كان هناك مكبران معلقان
في الأعلى كنت أسمعهما وأنا في المنزل، أما الآن فأحدهما يبث الأغاني الحماسية والثاني
يتحدث من خلاله أحد المذيعين من أصحاب الأصوات الجهورة والحاسمة والتي تزرع
الحماسة والحب للزعيم في قلوب الجماهير.
كان
الصوت ينادي الجماهير "أيها المواطنون.. أيها المواطنون"، ثم يروح يصف
محبة الجماهير للزعيم أو للقائد ومحبة الزعيم لشعبه. كانت الجماهير، حسب رأيه، جزء
بسيط من هذا العالم الذي يعشق الزعيم، فهناك أيضاً الشجر والطيور والغيوم والله،
حتى الحجر والتراب يخشعان حين تدوسهما أقدام الزعيم. قال المذيع أيضاً إن الزعيم
سوف يقود الشعب إلى النصر المبين.
أحب
أن أعقد مقارنة بين الخطاب الذي يقدمه المذيع طوال المسيرة من خلال مكبرات الصوت
العالية وبين التعليق الرياضي أثناء مباريات كرة القدم المنقولة على التلفزيون،
فكلا المعلقين يقولان كلاماً لمجرد الكلام. لمجرد أن يقولا شيئاً إلى الجمهور
العريض وجعله متحمساً إلى أقصى درجات الحماسة. التشابه هنا هو في إثارة حماسة
الجماهير ولكن الاختلاف بينهما كبير، ففي حين يصف المعلق الرياضي ما يراه على أرض
الملعب نجد المذيع في مسيراتنا يصف شيئاً غير موجود ويوهم الجماهير بوجوده. المعلق
الرياضي يأخذ بعين الاعتبار وجود فريقين متنافسين بينما في مسيراتنا لا وجود إلا
لفريق واحد أوحد. فريق مطلق وعليه يجب إلغاء كل فردانيات الأفراد الذين يشكلون
الجمهور وجعلهم عبارة عن نقاط في السيل الهادر الذي يصنعه هذا الجمهور. إن كل
فردانية هي خطر محدق بسلطة الزعيم وما تشكيل الجمهور إلا إلغاء لهذه الفردانية، ثم
إن تشكيل السيل البشري في المسيرة ليس فقط عبارة عن جمع للنقاط وجعلها تسيل في
اتجاه معين، بل إن مهمة المذيع في مكبر الصوت المساعدة على تشكيل السيل النفسي
والفكري للجمهور. فعندما يقول إن البشر والحجر والشجر تحب جميعاً الزعيم فهو يخاطب
داخل كل نقطة (كل فرد) من الجمهور وجعلها تؤمن، في تلك اللحظة، بما تسمع، بعيداً
عن أي منطق وتلغي بالتالي أي تمايز في التفكير وفي الشخصية وفي الهوى بين أفراد
السيل البشري هذا وتجعل السيل العاطفي الهادر يتوجه فقط نحو الزعيم.
الصخب
الذي تصنعه الهتافات ومكبرات الصوت في مسيراتنا ضروري لإلغاء التفكير. والتفكير
نقمة. إنه جريمة، بل خيانة للزعيم. وبما أن الهدوء والسكينة يدفعان المرء للتفكير
فإن جر الجماهير كل فترة إلى مسيرات الصخب هذه ضروريٌ لغسل أدمغة الناس وجعلها لا
تقع في جريمة التفكير. وإلا، ما معنى كل هذا الضجيج؟ إن محبة الزعيم لا تحتاج إلى
تفكير، فهي بديهية كما أن الزعيم لا يطلب منك ان تعدد الأسباب التي تدعوك لمحبته.
عليك أن تحبه لذاته لأنه موجود فحسب، وأي تفكير في السبب قد يجعلك –لا سمح
الله- تتوقف عن المحبة يوماً، لأنك قد تجد
صدفةً أن عينيه ترمشان باستمرار حين يتكلم وأنت، ومنذ الصغر، لا تحب هذه العادة
فتقل محبتك له وهذه في الحقيقة خطيئة كبرى.
لقد
فاتني ذكر سبب هذه المسيرات رغم أن إخراج الجماهير إلى الشوارع لا يحتاج إلى أية
مناسبة، فالذرائع دائماً موجودة، فالزعيم يحب المسيرات ويتم تحديد يوم معين تنزل
فيه الناس إلى الشوارع في المدينة المعينة ليتسنى للزعيم متابعتها على التلفزيون.
لا يجب أن يتم ذلك في جميع المدن في يوم واحد. فإذا كانت المناسبة، كما هي هذه
المرة الذكرى العشرين لوصول الزعيم إلى السلطة، فيجب ان تبدأ المسيرات قبل يوم
الذكرى بأسبوع وان تنتهي بعده بأسبوع. على كل مدينة أن تخرج في يوم معين ليتسنى
للتلفزيون تصوير المسيرة وعرضها حية ومن ثم أرشفتها. ويقال إن نسخة من المادة
المصورة تذهب إلى أرشيف قصر الزعيم ليعود لمشاهدتها في أوقات الفراغ.
إذن،
فنحن في موسم احتفالات الذكرى العشرين لاستلام الزعيم السلطة ولا أكثر من ذلك،
والمسيرة مستمرة بينما أقف على درجة إحدى الصيدليات التي تحميني مظلتها من أشعة
الشمس المحرقة، والضجيج على أشده بينما صور الزعيم ترتفع فوق رؤوس الجماهير.
لاحظت
إلى يساري حركة غير عادية، فقد كان ثلاثة من الرفاق من أصحاب البدلات الخاكي
يهرعون إلى مدخل إحدى البنايات دافعين الناس الذين يصادفونهم في طريقهم. وما إن
دخلوا البناية حتى خرج منها بعض الشبان من تلاميذ المدارس الثانوية بطريقة تشي
بأنهم كانوا يهربون. كانوا خائفين واستطاعوا الذوبان في سيل الجمهور بسهولة. وقف
البعض يتفرج على ما كان يجري داخل البناية فاقتربت لألقي نظرة، وبسبب توهج الشمس
في الخارج كانت الرؤية داخل ممر البناية غير واضحة في البداية ولم أميز سوى صراخ
عنيف من قبل شخص يتعرض للضرب المبرح. اقتربت من المدخل لكي تتضح الصورة أكثر. كان
الثلاثة ينهالون بقبضاتهم على أحد التلاميذ بينما كان يحاول صد اللكمات لحماية
جسده. كان يعرف كم سيكلفه إن قام برد اللكمات لهم دفاعاً عن نفسه. انهار الشاب على
الأرض فراحوا يركلونه بأحذيتهم الثقيلة. وفي لحظة، وبعد أن انقشعت الغشاوة عن عيني
تماماً، شاهدته ينظر إلي بعينين متألمتين ولكنهما متوسلتان. كيف أصف هذه النظرة؟
كان يطلب مني التدخل لإنقاذه ولكنه لم يكن مقتنعاً بإمكان أي شخص ليس من الرفاق أو
من غير العسكر أن يفعل شيئاً. كان قد فقد أحد أسنانه وكان الدم يسيل خارجاً من فمه
ليلوث وجهه ورقبته ثم ثيابه والأرض التي كانوا يمرغونه عليها. ظل ينظر إلي بثبات
في حين كان يتلقى الركلات على كامل جسده.
أمضيت
عشرين سنة وأنا أحاول ألا أتدخل في أمور الرفاق، بل أعمل على تجنبهم ولكن رؤية
عيني الشاب المتوسلتين جعلتني أحسم أمري وأغير عادتي. اقتربت منهم وأمسكت بذراع
أحد الرفاق فتوقف عن الركل فتوقف الآخران بينما ظل الشاب يتلوى من الألم ويبصق
دماً. قلت للذي كنت أمسك ذراعه:
- ماذا فعل الولد؟
- ومن أنت؟
- أريد أن أعرف ماذا فعل.
تركت
ذراع الرفيق وكان هذا خطأي في تلك اللحظة، فسرعان ما بدأ الثلاثة يحاولون اكتشاف
مكانتي ليعرفوا الطريقة التي عليهم التعامل بها معي. كان علي الاستمرار في امساك
الذراع والضغط عليها عوضاً عن إفلاتها. تركوا الشاب يتلوى وأحاطوا بي. من أجل أن
أصحح خطأي ثبتّ في مكاني ولم أتراجع. طلب مني أحدهم إبراز بطاقتي فتجاهلته. في
بلادي عليك ان تظهر أكبر قدر ممكن من الغموض لتتجاوز مثل هذا الموقف، وإن كنت
جريئاً بإمكانك الادعاء بمكانة ما لكي تحصن نفسك. قررت أن أحيط نفسي بشيء من
الغموض فمن عادتي ألا أدعي ما لست فيه. قلت:
- أريد تفسيراً مقنعاً لما
كان يحدث.
- هل تريد تفسيراً؟
- نعم، قلت، أريد تفسيراً
مقنعاً. فقال نفس الرفيق والذي كان قائد الآخرين:
- إنه خائن، فقد حاول الهرب
من المسيرة. أليس هذا سبباً مقنعاً؟
- كان بإمكانك محاسبته عوضاً
عن ضربه. فتدخل الثالث:
- ومن تكون حضرتك؟ كانوا حتى
تلك اللحظة غير قادرين على حل لغزي. كانوا حذرين في التعامل معي. قلت:
- مواطن.
عندها زال ارتباكهم وتبسم
أحدهم بسخرية. عادوا إلى مكانهم الطبيعي:
- مواطن؟ سأل الثاني وهو يجهز
نفسه للانقضاض علي. قال القائد وهو يمد يده إلي:
- البطاقة.
أخرجت له البطاقة ومددتها
إليه. التقطها بسرعة ثم أشار إلى الآخرين ليلحقا به ومشى مبتعداً.
- ماذا جرى؟ سألت، والبطاقة؟
فقال دون ان يستدير:
- تعال إلى المقر لتستردها.
خرجوا.
كنت حانقاً بسبب تورطي معهم، ولكن الشاب كان يتلوى وهو ينزف. اقتربت منه وقرفصت
إلى جانبه ورحت أعاين وجهه. نظر إلي ولكن بامتنان هذه المرة. حاولت رفعه فقد كان
يحتاج إلى إسعاف إلا أن شابين كانا بين المجموعة التي تجمهرت على باب البناية
اقتربا فشكراني ثم أخذاه مني وخرجا به. حصلت منه على نظرة امتنان أخرى قبل أن
يغيبوا. أحد الصبية نبهني إلى نقطة دم كانت على ياقة قميصي فلم أهتم بها ثم خرجت.
ابتعدت
إلى الشوارع الجانبية هرباً من الحشود والضجيج. كانت الدكاكين مغلقة والحركة خفيفة
إلا من بعض الذين استطاعوا التسلل من المسيرة، يسيرون وبأيديهم صور الزعيم فقد كان
عليهم ان يسلموها في الغد إلى المنظمين. سرت مسافة طويلة بدون هدف واضح فلم أكن قد
قررت بعد إلى أين أذهب، إلى بيت أمي أم إلى بيت لمى، آخذاً بعين الاعتبار انني لن
أجني اية فائدة إن ذهبت فوراً إلى المقر لاسترداد بطاقتي فالشخص الذي احتفظ بها لن
يعود إلى هناك قبل المساء. ثم إنني لم أسأله أي مقر يقصد، مقر الحزب أم مقر
المخابرات، فإذا كانت المخابرات، فأي جهاز منها؟ سؤال حاولت عدم إشغال ذهني
بالإجابة عليه بسبب رغبتي بالهرب من كل ما يمت بصلة إلى المسيرة وما جرى فيها.
قررت
الذهاب إلى أمي فبيتها يقع في نفس الطرف من المدينة أما للذهاب إلى بيت لمى فقد
كان علي أن أعود من حيث أتيت وأجتاز الشوارع المليئة بالحشود إلى الطرف الآخر وهذا
ما كنت أهرب منه بالفعل.
رحل
أبي قبل خمس سنين مخلفاً وراءه أرملة لطيفة ومحبوبة في الخمسين من عمرها وابناً
وابنة. الابن هو أنا واسمي فتحي وقد بلغت الحادية والثلاثين قبل ثلاثة أشهر من
الآن، وفي هذا الفصل لن أتحدث عن نفسي بل عن أمي رتيبة خانم وأختي سميرة التي
تصغرني بخمس سنين لأنني متوجه في هذه اللحظة إلى بيت أمي لذلك يجب علي التحدث عنها
قبل أن يصادفها القارئ.
كان
أبي هو المحامي الشاب الذي تقدم لخطبة الصبية رتيبة المدللة عند أهلها. كان قد مضى
على تخرجه من الجامعة أكثر من خمس سنين دون أن يظفر بعروس مناسبة. كان محامياً
شاطراً وكان سياسياً مشاكساً. كان معروفاً بمشاكساته للحكومة وللمعارضة في آن
معاً. وكمحامي شاطر كان يخترع الأوصاف الغريبة التي يصف بها أعداءه الألداء مثل "
حكومة القرود – رجال الحكومة الذين يأكلون أكثر مما ينتجون – الحكومة المحكومة
بالنفي من القلوب – رجال الحكومة الذين يسيرون على أربع " وغيرها من الأوصاف
التي كانت تضحك الوزراء وتغضبهم في آن معاً. أما رجال المعارضة فقد كان يصفهم
بأوصاف ألطف لأنه كان رجلاً ليبرالياً مثل " الزاحفون نحو السلطة الصناديد –
المعارضة المعروضة للبيع – ابصق علي ولكن ضعني في السلطة – المعارضة المتوكلة على
الله – المعارضة العارضة للأزياء " وغيرها.
كان
المحامي الشاب قد حشد حوله الأعداء بسبب مقالاته المحشوة بمثل هذه الأوصاف والتي
كان ينشرها في صحيفة محلية معظم قرائها من المشتركين من رجال الأعمال. وبسبب كثرة
أعدائه وندرة محبيه لم يستطع الزواج رغم ان جدتي كانت جادة في البحث عن عروس تناسب
محامياً مشاكساً، وعندما كانت تجد له واحدة كان أهلها يرحبون بالعريس ليوم واحد
فقط ثم كانوا يعتذرون بعد أن يأتيهم "التقطيع" والنصائح من أعداء أبي من
كلا الطرفين. وقبل أن يصيبه اليأس جاءته جدتي بآخر مرشحة للزواج، إنها رتيبة الأخت
المدللة لأحد تجار المدينة (فقد كانت يتيمة الأب) والتي بالإضافة إلى أنها كانت قد
ورثت عن أبيها المرحوم ثروة محترمة، كانت إنسانة مرحة إلى أقصى الحدود. كان الضحك
والمرح والقصف وعدم الاهتمام بأمور الدنيا المقلوبة رأساً على عقب أهم ما يميزها،
وهذا بالتحديد ما كان يبحث عنه العازب
المشاكس. ذهب المحامي عبد الحكيم على الفور إلى أخيها وتعرف عليه وأخبره
بأمور أعدائه من الحكومة ومن المعارضة على السواء مستبقاً تقطيع أعدائه هؤلاء فطلب
التاجر، وهو الذي أصبح فيما بعد خالي مفيد، من المحامي المشاكس، وهو الذي أصبح
أبي، أن يأتي له بقصاصات الصحيفة التي تحوي مقالاته اللاذعة فأمضى الليل وهو يقرأ
تلك المقالات التي كان من المفترض ان تثير قلقه، وفي اليوم التالي أخبره بالموافقة.
لم يكن خالي مفيد من هواة المشاكسة مع السياسيين ولكن الرجل كان جاداً وعاقلاً
وليس مثل أخته التي كانت مستعدة للضحك على أي أمر، وهذا ما جعل الناس يستغربون
موافقته على الزواج بهذه السرعة. وما جعلهم يستغربون أكثر هو أنه صمد أمام حملة
تشويه السمعة التي نطلق عليها في مدينتنا كلمة " التقطيع ". لقد وجد
خالي مفيد في أبي الرجل الذي يصلح لأن يكون زوجاً لأخته التي لا تتوقف عن الضحك
حتى أثناء النوم.
تزوج
العروسان وأمضيا شهر العسل في فندق محترم في أحد المصايف الراقية الذي كان يطل على
أحد الوديان كثيف الأشجار. وهناك اكتشف والدي مواهب عروسه المدهشة، فبعد أن قرأ
لها بعضاً من مقالاته ضحكت قليلاً ثم لم تعد تضحك بتاتاً من هذه المقالات المشاكسة
فقد وجدتها عادية، ثم راحت تخترع لعريسها أوصافاً جديدة لأعدائه السياسيين فوجدها
قيمة جداً فراح يضمها إلى مقالاته. لم يكن ذلك يسلي والدتي فقد كانت تخترع الأوصاف
وهي تتزين أو تتذكر نكتة قديمة مضحكة تجعل والدي يكاد يغمى عليه من الضحك. لقد
وجدت مقالات والدي كلعبة من لعب الأطفال لسذاجتها ونصحته أن يصور هؤلاء السياسيين
بطريقة كاريكاتورية عوضاً عن وصفهم بشتى الجمل المشاكسة وهكذا كان فأصبح مشهوراً
بعد أن قامت نقابة المحامين بإيقافه عن العمل عدة مرات بسببها.
كنت
أنا الثمرة الأولى لهذا الزواج الفكاهي ولكنني كنت أقرب إلى خالي في جديتي وإلى
أبي في حبي للمشاكسة. أما أختي سميرة فقد جاءت نسخة طبق الأصل عن أمها رتيبة خانم
بسبب عدم اهتمامها بأي شيء يحصل مهما كان و نزوعها إلى الضحك. سأشرح لكم هذا الذي
أسميه "عدم الاهتمام بأي شيء يحصل مهما كان"، ففي أحد الأيام ضربت
المدينة هزة أرضية عنيفة جعلت الأبنية تهتز بشدة فناست الثريا بقوة في سقف غرفة
الجلوس التي كانت تجلس فيها أمي وأختي ذات العشر سنوات. كما سقطت بعض القطع
الثمينة من رفوف المكتبة وتكسرت وكاد يسقط جهاز التلفزيون بينما كان يسمع صوت سقوط
الأواني في المطبخ. أسرعت خارجاً من غرفتي محاولاً طمأنة نفسي وأمي وأختي ولكنني
وجدتني الخائف الوحيد في المنزل فقد كانت أمي مستمرة في عملها (كانت تعيد حياكة
كنزة صوفية للمرة الثالثة) بينما كانت تراقب الثريا وهي تهتز بقوة وتبتسم. كان
جهاز الترانزيستور يعمل فقطع المذيع كلامه ليعلن بخوف أن هزة أرضية قد ضربت
المدينة وقد أحست أمي برجفان صوته فانفجرت في الضحك، على هذا الوضع وجدت أمي حين
اندفعت إلى غرفة الجلوس قادماً من غرفتي مصفر الوجه بينما كانت أختي مستمرة في
إنجاز واجباتها المدرسية.
إلا
أن مقالات أبي لم تستمر طويلاً، فقد قام الزعيم، الذي كان ضابطاً عادياً في الجيش،
بانقلابه العسكري الذي أطاح بكل أعداء أبي سواء كانوا في الحكومة أو في المعارضة
وأصبح هو الحاكم المطلق في البلد وأول شيء قام به الزعيم كان إيقاف جميع الصحف عن
الصدور والاكتفاء بصحيفة أو اثنتين تصدران عن الحكومة وتعبران عن وجهة نظرها. ولكن
الرجل المشاكس لم يكن قد فهم ما حدث في البلد كما يجب، رغم أن صحيفته تلك التي كان
ينشر فيها مقالاته قد توقفت عن الصدور، فكتب مقالة بنفس الروح المشاكسة ضمنها صور
أمي الكاريكاتورية ولكن عن الزعيم هذه المرة وأرسلها إلى إحدى صحف الحكومة وهو
مطمئن البال فقد كانت أمي قد أصابته بعدوى عدم الاهتمام وراحة البال، ولم ينتظر
حتى تنشر المقالة بل راح يقرأها على زملائه المحامين وأصدقائه الذين كانوا يرتادون
نفس المقهى فلم يثر فيهم أكثر من ابتسامات سريعة فقد شعروا بخطورة مثل هذه
المقالات الساخرة والتي تصور الزعيم بهذا الشكل الكاريكاتوري، وكان الحق معهم فقد
كان الشخص المعني هو الزعيم نفسه وليس أولئك السياسيين أصحاب بدلات السموكنغ
البيضاء.
كانت
المقالة قد وصلت إلى المحرر فقرأها فتجمد الدم في عروقه فشعر بالدوار فأرسلها إلى
رئيس التحرير بعد أن ذيلها بكلمة " للتوجيه " فقرأها رئيس التحرير فتجمد
الدم في عروقه هو أيضاً فأحالها إلى الوزير الذي غلى الدم في عروقه هذه المرة بسبب
الغضب فأحالها إلى أحد أجهزة المخابرات فتم استدعاء أبي إلى التحقيق. استمر
التحقيق معه ستة أشهر كاملة، ثم ولكي يريحوه من الذهاب والإياب قرروا أن يحتفظوا
به في أقبيتهم لمدة مماثلة ليخرج بعدها وقد تحول من إنسان مشاكس إلى إنسان مسكين
وليجد نفسه محروماً من المرافعة كمحام في المحاكم لمدة سنتين أخريين. وهكذا، فقد
تحول أبي من الدعابة إلى التجهم وراح يمارس المحاماة كأكثر الناس جديةً وعندما كان
يسمع أمي وهي تلقي إحدى نكاتها وتضحك كان يزفر ويتأسف على أيام زمان. أما في العمل
فقد كان يتجهم ويطلب من الآخرين أن يكونوا جادين.
ولكن
الحياة التي لا تفقه بالسياسة قد تصرفت مع أبي بجدية كبيرة حتى مات، عندها ودعته
بأكثر المواقف إثارة للضحك، فقد قمنا بدفنه في مقبرة جديدة لا تحتوي على أية نقاط
علام، وفي نفس اليوم دفن إلى جواره أكثر من ميت وكانت إحدى المتوفين راقصة شهيرة
لها الكثير من الزميلات والمعجبين. ومن أجل أن تكتمل مزحة الحياة فقد نسي
التُرَبيّ أي من القبرين هو لأبي وأيهما لتلك الراقصة، كما أن النقّاش الذي قام
بنقش شاهدة أبي كان هو نفسه الذي طلب منه أحد أصدق المعجبين بالراقصة نقش شاهدة
قبرها، وقد جاء في نفس اليوم وبنى القبرين ووضع عليهما الشواهد ولكن بتعديل طريف فقد
وضع شاهدتي الراقصة على قبر أبي ووضع شاهدتي أبي على قبر الراقصة وأصبحنا كلما
زرنا المقبرة نقرأ الفاتحة على قبر الراقصة بينما راح العشرات من معجبيها وعشاقها
السابقين وأيضاً الكثير من زميلاتها يأتون بالزهور والرياحين إلى قبر أبي ويجلسون
قربه ليذرفوا الدموع على راقصتهم الراحلة. وقد استمر هذا الخلط عدة أشهر حتى صبيحة
أول أيام عيد رمضان حين رافقتنا أمي وأختي إلى المقبرة وهناك اكتشفت سميرة، التي
تمتلك قوة ملاحظة قوية، الخطأ فتم تصحيحه.
حمدت
الله على أن أمي كانت في المنزل، فقد كنت أعلم أنها قلما تخرج صباحاً ولكن فكرة
ألا أجدها فاضطر إلى التسكع في الشوارع من جديد أخافتني حقيقة، فالمواصلات كانت
مقطوعة بسبب المسيرة وكنت قد سرت على قدمي مسافة طويلة لكي أصل إلى منزلها. فتحت
لي أم محمد الباب فوجدتها تستقبلني بحفاوة، فأم محمد هذه هي خادمة أمي التي وجدتها
لها بعد أن توفي أبي. إنها تستقبلني دائماً بترحاب شديد وفي الفترة الأخيرة أصبحت
تقبلني على خدي وتضغطني على ثدييها لتعبر لي عن سعادتها بمجيئي. عندما تكون أمي في
المنزل لا تدعها ترفع صوتها لذا فهي تتحدث همساً، أما عندما آتي وأجد أم محمد
بمفردها فهي لا تتوقف عن الكلام وبصوت مرتفع ولذلك فإنني أهرب وأطلب منها أن تبلغ
أمي السلام حين تعود. إنها الآن تحدثني بصوت خافت بعد أن جرتني إلى المطبخ.
استفادت من حضوري فأشعلت سيكارة وراحت تدخنها، فأم محمد تحب التدخين مثلما تحب
الشكوى باستمرار من نصيبها الأسود، وأمي لا تحب كلا العادتين لذا فوجودي يجعلها
سعيدة.
- أين تجلس أمي؟
- إنها في غرفة نومها.
- ماذا تفعل هناك؟
- تتزين وهي تشاهد التلفزيون.
- التلفزيون، لا تقولي انها
تشاهد المسيرة؟
- بل تشاهد المسيرة على
التلفزيون. أنت تعلم جيداً أنها تحب متابعة المسيرات لأنها على الدوام تجد فيها ما
يضحك. قبل قليل نادتني لتريني منزلك الذي ظهر على الشاشة.
- ما هذا المزاح؟ هل أستطيع
الدخول عليها؟
- امكث معي قليلاً يا فتحي
فأنا أريد أن أطلب منك طلباً بخصوص ابني محمد. انت أستاذ كبير ولديك معارف ما شاء
الله.
- ما به ابنك محمد؟
- أريدك أن تجد له عملاً في
البلدية.
- ولكنني لا أعرف أحداً في
البلدية.
- هل هذا معقول يا فتحي، فأنت
شخص معروف وصورك تظهر في الجرائد، من المؤكد أن رئيس البلدية قد شاهد صورتك أكثر
من مرة؟
- من قال لك هذا الكلام؟ ثم
إنني من المغضوب عليهم هذه الأيام ولن يستمع أحد إلي. مضى زمن طويل منذ أن نشروا صورتي
لآخر مرة، ثم أضفت راغباً في طمأنتها، عل كلٍ لا تقلقي سأتكلم مع أحد الأصدقاء من
أجل ابنك محمد ولكنني لا أضمن أن يتم توظيفه في البلدية. رفعت عينيها إلى السماء
وقالت تدعو لي:
- ربي يرزقك ابنة الحلال..
هيا اذهب إلى رتيبة خانم فلديها خبر سعيد من المؤكد انها ستقوله لك.
تركتها
وخرجت من المطبخ الذي أصبح غارقاً في غمامة من دخان سكائر أم محمد. اجتزت الصالون
الصغير ثم عبرت الممر الطويل الذي تصطف على جانبيه غرف النوم والحمامات. غرفة نوم
أمي هي في نهاية الممر. سمعت صوت المسيرة التي كان ينقلها التلفزيون نقلاً حياً فنقرت
على الباب.
كانت
أمي جالسة على السرير تنتظر لكي يجف الدهان الأحمر على أظافر قدميها. كانت ترتدي
بيجاما قطنية بلون زهري بينما ملأت رأسها بلفائف الشعر البلاستيكية الملونة. كانت
بجلستها هذه تستطيع مشاهدة التلفزيون دون عناء. فتحت لي يديها على اتساعهما لتستقبلني
دون أن تتحرك فاحتضنتها وقبلتها ثم جلست على أحد المقعدين الملفوفين بقماش الساتان
المزهر حيث أشارت ثم راحت تنفخ على أظافرها المدهونة.
إنها
أرملة في الخامسة والخمسين من عمرها ولكنها تحب الحياة كفتاة في العشرين. تحب ان
تبدو جميلة وشابة ومرحة وتصر على أن أمور الدنيا ليست بذات أهمية. ماذا تساوي أمور
الدنيا لكي نهتم بها؟ إن أكبر مصيبة تلقتها في حياتها كانت وفاة والدي، هذا الحدث
الذي أحزنها كثيراً وجعلها تلزم البيت ستة أشهر (ليس بداعي قضاء العدة الشرعية)
مهملة مظهرها، الذي أجدها الآن وهي جالسة على السرير، تهتم به. ولأنني لا أحب أن
أجد أمي تهتم بأمور الحياة ومشاكلها ولا أحب أن أراها حزينة وكئيبة فقد قررت حينها
أن أترك البيت لأعيش في شقتي الخاصة. وما إن كشفت لها عن نيتي حتى تحمست أمي
للفكرة فاشترت لي الشقة، ولكيلا تبقى وحيدة
فقد أحضرتُ لها أم محمد لكي تؤنس وحدتها وتخدمها.
علاقتي
مع أمي فريدة من نوعها فأنا أزورها يومياً وأجلس لأتابعها وهي تهتم بمظهرها كأي
رجل يتابع امرأة يتفهم حاجاتها الغريزية، فأنا لا أوجه لها أية ملاحظة في هذا
الشأن. ربما اعتدت توجيه ملاحظة بين وقت وآخر لسميرة ولكنني لا أفعل ذلك مع أمي
كما أنها لا تتدخل في شؤوني. سألتني مرة إن كنت أنوي الزواج من لمى فقلت لها إنني
حين أود ذلك فإنني سأخبرها، ومن وقتها لم تعد تسألني متى سأتزوج أو لماذا لا أفكر
بالزواج. سميرة تتدخل في هذا الأمر وأكره القيام بزيارتها في بيتها لأنني أعرف
أنها ستسألني لماذا أحب البقاء عازباً. حتى أنها تتمنى لي زوجة أجمل من لمى وحتى
الآن لا أفهم لم تتمنى لي ذلك. لماذا في العادة تتمنى الأخت لأخيها زوجةً أجمل من
تلك التي يحبها؟ سميرة تزوجت تاجراً وهي سعيدة بسذاجته المفرطة. تزوجت من ابن شريك
خالها مفيد بعد ان استقل عن أبيه وافتتح لنفسه وكالة لبيع آلات الخراطة الصناعية.
حدث ذلك قبل سنة من وفاة أبي. علمته في البداية كيف يهتم بثيابه وعندما تمادت في
تعليمه أوقفها عند حدها. أصبح هو يطالبها بأن تتشبه به، ولكي يعيشا في وئام فقد
توقفت عن الإيحاء له بما يجب أن يفعله وأصبحت توحي له بأنها تقلده حتى في سذاجته.
سميرة على درجة كبيرة من الذكاء في حين أن زوجها يفتقر إليه ولكي تجعل زواجها
ناجحاً تخلت عن الذكاء، إلا أنها لم تتخلّ عن حبها للفكاهة وعدم الاهتمام بالدنيا
لأنهما من أهم أسباب نجاح زواجها، فقد أحب زوجها النكات التي كانت تحكيها له فكان
يضحك حتى يمسك خاصرتيه أو ينقلب على ظهره. أما موهبة "التطنيش"، وهي
مفردة أمي في عدم الاهتمام، فقد ساعدتها على تحمل سذاجة زوجها. إنني أتوقع أن
يخلفا بعد سنوات طفلاً متخلفاً عقلياً.
أعود
للحديث عن أمي فأنا أجد في ذلك متعة فائقة. قلت إنني اعتدت زيارتها يومياً فهي
الوحيدة التي في زيارتي لها يزول كربي وأنسى همومي. أجلس حيث تكون، في غرفة الجلوس
أو في غرفة نومها، وأتابعها وهي تقوم بالاهتمام برونقها فيما نتحدث بدون انقطاع.
تجعلني أهتم بأخبار صديقاتها وأين يشربن القهوة والى أين يفكرن في الذهاب برحلة
ما، ثم تسرد علي تفاصيل غريبة عجيبة عن حياة صديقاتها العائلية ثم تسألني رأيي عما
يجب أن ترتدي عندما ستخرج معهن في زيارة هذا المساء وغيرها من الأمور النسوية.
عندما تجدني أستمع إليها بدون حماسة فإنها لا تتأخر في إطلاق تعليق طريف فأضحك.
أما اليوم فقد كان التلفزيون يعمل وهي جالسة على السرير وقد سحبت ركبتيها إلى
الأعلى لتتمكن من النفخ على أظافر قدميها وبين الفينة والأخرى كانت تلقي نظرة إلى
الجهاز الذي يعرض المسيرة. لم نكن صامتين بل كنا نتحدث، كانت تقول وهي تشير إلى
المسيرة:
- لقد ظهرت بنايتك وبالتحديد
بيتك قبل قليل.
- نعم، قالت لي أم محمد.
فقالت بتهكم:
- أم محمد ليست وطنية لأنها
لا تخرج في المسيرات.
- نعم، هكذا يسمون من يتخلف
عن المسيرات.
- ولكنك لم تكن على البلكون
حين ظهرت شقتك، يا خسارة، فأنت منذ زمن بعيد لم تعد تظهر على التلفزيون. قلت لأم
محمد كان عليك أن تقف على البلكون لتحيي الجماهير.
- سوف أعود الآن وأفعل ذلك.
ابتسم
كل منا لنكتة الآخر. لاحظتُ كم كانت صور الزعيم كثيفة في المسيرة، فقد كان كل واحد
من الجمهور يحمل صورة كما أن الصور القماشية كبيرة الحجم معلقة على الأبنية حتى أن
واجهة الفندق الوحيد في الساحة قد تغطت بلوحة مرسومة بالألوان للزعيم. كيف لم أشعر
بكثافة الصور حين كنت في المعمعة؟ يبدو أن الشاشة تظهر الأمور التي لا يراها المرء
في الواقع بشكل أفضل لأنه ينظر من خارج الحدث. سألتني:
- لماذا يهتفون: عظيم عظيم يا
زعيم؟
- لأنه عظيم. نظرت إلي
متفاجئة وهي تسأل:
- ماذا؟
- لأنه عظيم حسب التعليمات.
اطمأنت إلى أنني لم أتغير فأطلقت إحدى تصوراتها الكاريكاتورية:
- لو أنهم يهتفون سمين سمين
يا زعيم لأنه سمين حقاً.
- لا يجب أن يرى الناس عيوب
الزعيم.
- البدانة ليست عيباً ولكن
الهتاف سيكون أكثر واقعية، ثم إنني أحب الرجال البدينين، للأسف فقد كان والدك
نحيفاً فلم أكن أجد مكاناً لأدغدغه فيه.
- يسعدني أن والدي كان نحيفاً
وأورثني لياقته.. هل حقاً تتمنين لو كان سميناً؟
- أتمنى لو كان مثل الزعيم،
أعتقد أن الزعيم يحب الدغدغة.
- وكيف عرفت ذلك؟
- عندما يضحك يضم ذراعيه إلى
جنبيه، هكذا يفعل من يضحك عندما يدغدغه أحد ما.
- يجب أن تنتبهي، فنكتة حول
الزعيم يكلف صاحبها ستة أشهر عرفي.
- هذه ليست نكتة بل اكتشاف.
هل سيلقونني في السجن لأنني اكتشفت أن الزعيم يتعرض للدغدغة باستمرار؟
- إن أي نكتة أو معلومة تضر
بهيبة الزعيم ووقاره يعرض صاحبها للاستدعاءات أو ربما للأحكام العرفية.
- ولكنني أحبه، انظر إلى
صورته.. له وجه طفولي محبب إلى النساء.
كان
التلفزيون يعرض مشهداً من المسيرة تظهر فيه غابة الصور. لقطة أفقية موجهة إلى ما
فوق رؤوس الجماهير بمتر واحد حيث آلاف الصور المثبتة على ألواح من المعاكس لها
مقابض من الخشب. سألتني:
- لماذا يحملون كل هذه الصور
برأيك؟
- لأن على المواطن ألا يرى
شيئاً آخر غير وجه الزعيم. أينما استدار عليه أن يواجه صورة الزعيم.
- ألا تكفي صورة كبيرة واحدة
يحملها عدد من الرفاق؟
- حسب رأي الزعيم فإنها لا
تكفي.. إن رؤية أي شخص لا يحمل صورة ولا يهتف باسمه تجعل الزعيم قلقاً. إن ما
يطمئنه حقيقة رؤية الجميع يحملون صوره. على المليون شخص أن يحمل مليون صورة. هذا
مطمئن. إنه يعتقد أنه بهذا الشكل يضمن محبة الجماهير.
أصبحت
الكاميرا ترصد مجموعة من الشبان تهتف وهي تتقافز في دائرة حين حصل تدافع وصراخ
وأصبح مركز الدائرة متوتراً وصار الشبان يبعدون بعضهم عن نقطة معينة من المركز.
يبدو أن أحدهم كان قد سقط وراح الآخرون ينبهون بعضهم بعضاً إلى ذلك، إلا أن
التدافع كان على أشده فتحركت نقطة المركز من مكانها وهذا يعني أن الذي سقط يتم
الآن دهسه بالأقدام وما لبث البعض أن تعثر بجسده وسقط بدوره وحصل هرج ومرج وتدافع
أقوى فاضطر المخرج إلى تحويل الكاميرا. انشغل بالي فجأة. تصورت أنه ربما قُتل ذاك
الذي سقط في البداية وفي حال استمر التعثر والتدافع والوطء فإن أكثر من شخص سيموت
في هذا الحر غير المحتمل. فهمت أمي سبب قلقي فقالت بسخرية:
- إنه الموت من أجل الزعيم..
لا تقلق، فهذا شرف عظيم.
- شاهدت الرفاق قبل أن آتي
إلى هنا يضربون أحد الشبان ضرباً مبرّحاً لأنه كان يحاول الهرب.
تأكدت
أمي من جفاف الدهان على أظافرها فنهضت وجاءت لتجلس على المقعد الآخر. فكرتُ بأنها
ربما تكون بائسة عندما تهتم بنفسها إلى هذا الحد. وأنا نفسي أرى ذلك تعويضاً عن
شيء ذهب ولن يعود. بدأت اهتمامها بنفسها بعد ترملها بستة أشهر، وهي تتمسك الآن بأن
تبدو أصغر سناً مما هي عليه. وفي كثير من الأحيان تمضي يومها في التجمل ولا تخرج
من البيت على الإطلاق وعندما تنتهي من الماكياج وتصبح راضية عن نفسها يكون الليل
قد حل فتزيله وتذهب إلى النوم. سميرة ومنذ ان صدمت بزواجها أهملت نفسها ولم تعد
تضع الماكياج إلا في حدود المعقول حين يكون عليها أن تخرج من البيت. وفي كثير من
زياراتي إليها وجدتها بدون أي إضافة على بشرة وجهها.
قالت
وقد أصبح التلفزيون في زاوية تصعب فيها متابعتها له:
- أحمد الله لأنني امرأة ولا
يجبرونني على الخروج في المسيرات.
- انهم يخرجون النساء أيضاً.
- نعم، ولكنهم لا يستطيعون
إخراج ستات البيوت من غير الموظفات.
- احمدي الله على أنك لا
تحبين الاهتمام بشؤون الدنيا على الإطلاق.
سألتني
" التطنيش؟ " قلت لها نعم "التطنيش". لاحظتْ اكتئابي، فقالت
وقد أصبح التلفزيون بعيداً عن اهتمامنا:
- وماذا عنك أنت؟
- ماذا عني أنا؟ لا شيء..
- مضى وقت طويل وأنت على هذه
الحالة. لماذا لا تأتيني بنكتة عوضاً عن هذا الصمت الكئيب؟
- تعرفين أنني لا أجيد اطلاق
النكات.
- هل تحتاج إلى نقود؟
- إن منحتني شيئاً فلن أرفض.
- سوف أعطيك بعض المال، ولكن،
هل تكتب؟
- تعرفين أنني ممنوع من
الكتابة في الصحف وكتبي لا يتم الموافقة على نشرها.
- اكتب أي شيء.. تسلى.
- سوف أكتب رواية.. أو ربما
مسرحية.. لم أقرر بعد.
- قرر بسرعة، أنت تكتب نصوصاً
جميلة.
- أنت لم تقرئي لي شيئاً.
- أبوك كان معجباً بكتاباتك..
ثم إن الناس يحبونك فهم يدعونني بأم الكاتب.
- كان زمان.
- لا تكن عنيداً.. سوف أشتري
نصوصك بنفسي. قدم لي رواية جديدة وسأدفع لك ألفي دولار.
- هل هذه نكتة جديدة؟
- أبداً.
- إذن، سوف تكون روايتي
القادمة عنك أنت بالذات.
ضحكت
فبانت حشوات أسنانها، ثم أن أسنانها كانت قد استطالت قليلاً. شعرت ببؤسها للمرة
الثانية. نادتنا أم محمد فانتقلنا إلى غرفة الجلوس لشرب القهوة. هناك شعرت بها
متوترة قليلاً وهذه هي المرة الأولى منذ زمن طويل التي أراها فيها متوترة بهذا
الشكل، فقد تركت مقعدها وراحت تنظر إلى الخارج عبر النافذة. حسبت أن الأمر بسبب
قلقها علي ولكنها عادت للجلوس لتشعرني بأنها على ما يرام. أثناء مرورها بجانبي
داعبت شعري بحركة تتقنها جيداً. قالت بصوت هادئ وجاد:
- فتحي، أريدك ان تتعرف على
شخص يهمني أمره.
- لا بأس.
- ولكني أريد أولاً أن أشرح
لك الموضوع.
- أي موضوع؟
- الموضوع الذي بسببه أريدك
أن تتعرف عليه.
وضعت
فنجان قهوتي لكي أجعلها تشعر بأنني استمع اليها بشكل جيد، أما هي فقد استمرت في
امساك فنجانها وتقريبه وإبعاده عن فمها. تابعت وهي تنظر في عيني:
- انه يريد أن يخطبني منك.
ليس
هناك من خطأ، فقد فهمت ما قالته تماماً ولكنني تساءلت:
- يريد أن يخطبك مني؟
- بالضبط. أقصد أننا سنتزوج،
وبما أنك ابني الكبير فإنه يريد أن يتعرف عليك ليطلب يدي منك. هل قصدي واضح؟ أمك
ما تزال صبية ومرت خمس سنين على وفاة المرحوم والدك وهناك رجل يريد أن يتزوجها.
المسألة واضحة، أليس كذلك؟ قلت وأنا أحتاج إلى وقت لأجد نفسي أين أنا من كل هذا
الموضوع:
-
فاجأتيني يا أمي.
- لو كنت خائفة من ردود
أفعالك لكنت عملت مقدمات.. لكنت لمحت لك منذ البداية ولكنني دخلت في الموضوع
مباشرة. ادرس الموضوع إن كنت تود ذلك ولكن عليك ان تأخذ بعين الاعتبار أنني مازلت
صبية وأنا موافقة على الزواج، بل إنني بحاجة لأن أتزوج. هل تريد أن أحدد الموعد
معه أم أنك تريد وقتاً للتفكير؟
ابتسمت
وأبعدت عيني عنها وعدت لأحمل فنجاني، ففناجين القهوة تساعد على إخفاء ما نريد
إخفاءه. ابتسمت لأن أمي تريد أن تتزوج وهي الآن مرتبكة وتريد موافقتي. لم أقابلها
وهي على هذه الدرجة من الارتباك فقد بان ارتباكها حين سألتني إن كنت أريد وقتاً
للتفكير، فمن هو الذي سيتزوج، أنا أم هي؟ نظرت إليها فوجدت عينيها تنوسان بيني
وبين فنجان قهوتها. في تلك اللحظة كنت أعطف عليها فأنا أحبها كثيراً، وفي هذه
اللحظة بالذات، أحبها أكثر من أي وقت آخر. كنت أريد أن اقول لها أي كلمة أطمئنها
بها إلا أن التلفزيون الذي تركناه مشعولاً في غرفة نومها بدأ يقدم قصيدة لأحد
الشعراء والذي كان يلقيها بنفسه في هذه اللحظة على الجماهير المحتشدة في ساحة
المدينة فشتتني صوته.. سمعت الشاعر يقول بصوته الجهوري: "عظيم الأمة زعيم
الرجال و.." سمعتها تسألني:
- ماذا قلت يا فتحي؟
- من يكون هذا الشخص؟
- هذا الأمر يربكني أكثر..
انه معروف وأظنك تعرفه.
- أعرفه أنا؟
- قلت أظن أنك تعرفه، إنه
السيد هائل علي حسن.
- أعرف شخصاً واحداً بهذا
الاسم.
- هو نفسه.
كان
الشاعر مستمراً في قراءة قصيدته: "القِ عليهم حمماً.. من غضبك.. يا
سيدي".
أجد
أن علي أن أشرح للقارئ من هو السيد هائل هذا لكي يتصور حالتي في تلك اللحظة، فلا
معنى لكلمة الذهول لأنني لم أكن منذهلاً، ولا معنى لكلمة الغضب لأنني لم أكن
غاضباً ولم أكن سعيداً أو حزيناً أو خلافه ففي الحقيقة لم أكن أشعر بشيء لأن السيد
هائل هذا والذي يريد أن يتزوج أمي لا يترك في النفس أي شعور، ليس لأنه بدون أهمية
بل على العكس، لأنه فائق الأهمية، والسبب هو أنني أجد نفسي بعيداً عن محيطه ولذلك
لم أشعر بشيء. إنه مثل أن يسمع المرء أن مليارديراً أميركياً غير معروف قد أفلس أو
أن شخصاً غير معروف قد هبطت عليه ثروة كبيرة. دائماً كنت أشعر بأنني بعيد عن
الاهتمام ببعض الأشخاص ومنهم السيد هائل علي حسن لأنهم كالقدر أو كالعادة المتمكنة
من صاحبها. سوف أشرح الأمر بمثال آخر، يصدف أن يقيل الزعيم مسؤولاً معيناً من
منصبه فتقرأ في الصحيفة الخبر فلا يترك ذلك أي أثر في نفسك وتسرع بقراءة الخبر
التالي. ومثله عندما تقرأ أن الزعيم قد كافأ أحد أعوانه فجعله مسؤولاً كبيراً أو
قام بترقيته إلى منصب أعلى. إن مثل هذه الأخبار وبعد عشرين سنة من حكم الزعيم تجعل
المرء بدون ردود أفعال. لقد أصبحت أية معلومة، حتى لو كانت عن الشخص الذي سيتزوج
أمي، وهو هنا أحد أعوان الزعيم، يشبه ذاك الخبر الذي تقرأه في الصحيفة المحلية ولا
تهتم به.
في
إحدى المرات وبينما كان الزعيم في زيارة إلى إحدى البلدات النائية وبينما كان
محاطاً بعدد كبير من المسؤولين الكبار والصغار، وبينما كان المكان يغص بالجماهير
المحاطين بحرس الزعيم يمنعونهم من الاقتراب منه أكثر من اللازم، وبينما كانت عدسة
التلفزيون المفضلة لدى الزعيم تلتقط كل حركة يقوم بها وخاصة يده اليمنى التي ترتفع
لتحيي الجماهير التي تظهر مبتهجة جداً بهذه الزيارة المباركة لبلدتها المنسية،
أقول وبينما كان كل ذلك يجري على أحسن ما يرام حدث ما لم يكن أحد يتوقعه، فقد تعثر
الزعيم وفقد توازنه وكاد يسقط على الأرض لو لم يمسك به شخص ما كان يقف خلفه صدفة
لأنه لم يكن مسؤولاً معروفاً أو ذا قيمة وأعتقد أنه كان يشغل منصب عضو المجلس
البلدي في تلك البلدة السعيدة.
كان
سعيد الحظ ذاك هو السيد هائل علي حسن. أقول سعيد الحظ لأنه لم يكن يحلم طوال عمره
بنظرة أو بابتسامة من الزعيم فكيف به يحظى بهذا الشرف العظيم بأن ينقذ الزعيم من
السقوط والتمرغ بالتراب أمام أعين الملايين سواء الموجودين منهم في المكان أو
الجالسين في بيوتهم يتابعون هذه الزيارة المباركة على شاشة التلفزيون. كان البث قد
انقطع لعدة دقائق بتصرف حكيم من المخرج فلم يشاهد الناس ما جرى خلالها (وقد تم قص
الشريط لحظة التعثر وتم إتلاف المقطع وطلب من الجميع تناسي الموضوع وكأنه لم يحصل
ولم يعد يذكر أبداً وأنا أغامر بذكره الآن وربنا يستر..) إلا أن من كان هناك ويقف
قريباً من الزعيم، ولم يكن منشغلاً بالهتافات الحامية، شاهد كيف أن عضو المجلس
البلدي المغمور قد سبق الجميع، وخاصة حرس الزعيم الخاصين، فأمسك به من إبطيه بحركة
سريعة وفي الوقت المناسب، فلم تصل مؤخرة الزعيم إلى التراب، ثم رفعه بقوة وبسرعة
وقد احتضن الجسد من الخلف، وعندما تأكد من أن الزعيم قد أصبح على قدميه ابتعد عنه
بوصة واحدة، ولكن دون أن يحرر إبطيه لأنه وبسرعة بديهة لا مثيل لها، أراد أن يكافأ
على فعلته هذه. استدار الزعيم ليكتشف أن من أنقذه من السقوط ومن أنقذ كرامته
وهيبته وأناقة ثيابه، لم يكن واحداً من حرسه ولم يكن ظله الذي يتبعه ويقف خلفه
ويميل حين يميل ويتحرك حين يتحرك، بل كان شخصاً غير معروف بالنسبة له ولم يكن قد
رآه من قبل. كان شخصاً بوجه ريفي عادي ولكن بعينين حادتين وبطموح لا حدود له
للتقرب منه وخدمته. كان شخصاً يبحث عن فرصته وهاهي ذي قد حانت، فقد أحنى رأسه
للزعيم الذي احمر وجهه بسبب التعثر وكأنه يقول له إنه هو الذي أنقذه وهو الذي يطلب
المكافأة الآن. حرر الزعيم نفسه من يدي عضو المجلس البلدي، وفي هذه اللحظة كان ظل
الزعيم يحاول دفع هائل والإيحاء لمعلمه بأنه يتدخل، إلا أن الزعيم رفع يده يوقفه
ثم ربت على ذراع عضو المجلس البلدي وقال له وهو يبتسم بامتنان
"أشكرك..".
عاد
البث التلفزيوني ليرى المشاهدون، وهم في الحقيقة كل فرد في هذا الوطن، الجماهير
وهي تحيي الزعيم وتهتف له ويسقط ضعاف القلوب مغشياً عليهم بسبب الحر والغبار
والجهد الهائل المبذول في الصراخ بالهتافات، كما رأى المشاهدون الزعيم وهو يحيي
الجماهير بيده اليمنى محاطاً بعدد كبير من المسؤولين الكبار والصغار وبعدد أكبر من
الحراس الخاصين الموزعين في كل الأنحاء. ولكن المشاهدين، حالهم حال المحيطين
بالزعيم، لم يعودوا يأبهون لشخص عضو المجلس البلدي، لأن المسؤولين الأعلى منه
والحرس الخاصين قد دفعوه أبعد فأبعد عن الصف الذي يأتي بعد الصف الذي يقف فيه
الزعيم، ولكن قلب السيد هائل الذي أصبح موقعه في الخلفية راح ينبض بقوة وحرارة وقد
ارتفعت نسبة الأدرينالين في دمه، فراح خياله يسرح في عوالم بعيدة عن هذا الاحتفال،
قابضاً بذهنه على صورة الزعيم وهو يبتسم ويقول له " أشكرك..".
انتهى
المهرجان ورحل الزعيم ومرافقوه وحرسه الخاص وكاميرات التلفزيون بسياراتهم المائة
والعشرين بصخب وبغبار كثيف، وعاد الناس إلى بيوتهم وأعمالهم، ثم عقد المجلس البلدي
اجتماعاً فورياً لتدارس نتائج زيارة الزعيم إلى البلدة والمكاسب المحتمل الحصول
عليها من هذه الزيارة، ولكن، ويا للعجب، فقد بدأ جميع أعضاء المجلس بمن فيهم
الرئيس بالنظر إلى السيد هائل نظرة أخرى غير معهودة فيها شيء من الاحترام والتوجس،
ولم يعودوا يسكتونه أو يقاطعونه حين يتحدث، ولم يعد رئيس المجلس البلدي يسكته
بالقوة قائلاً له " اسكت ياه.. إيش هالأكل خرا" بل راح الجميع يستمع
إليه باهتمام، حين راح يعدد المكاسب التي من المحتمل ان تحصل عليها البلدة أو
المكاسب الشخصية التي قد يحصل عليها بعض أعضاء المجلس البلدي ورئيسه، ولم يفوت على
نفسه الفرصة فذكّرهم عدة مرات بأن الزعيم قد ابتسم له وشكره "شخصياً".
بعد
عدة أيام وصلت من العاصمة سيارة مسرعة تثير الغبار الكثيف ، وما إن سمعت أصوات
المكابح الحادة للسيارة حين توقفت بجانب مبنى المجلس البلدي، حتى نزل منها ثلاثة
أشخاص يرتدون ثياباً أنيقة ويبدو على واحد منهم أنه كان قائدهم، ودلفوا مسرعين
أيضاً إلى داخل المبنى، غير آبهين بنظرات الحارس المسكين مسعود الذي كان يدخن
ويسعل ثم يبصق ويدخن. وفي غرفة رئيس المجلس التي دخلوها كالغزاة تردد اسم السيد
هائل علي حسن. وبما أنه كان غائباً في ذلك الوقت لأنه لم يكن قد كلف مطلقاً بمهمات
محددة تستوجب وجوده كما هو عليه حال باقي الأعضاء، فقد أرسل رئيس المجلس كل من خطر
على باله للبحث عنه. وعندما مرت عدة دقائق ولم يجدوه، وكان رجال العاصمة لا يطيقون
الجلوس على المقاعد التي دعاهم الرئيس لاحتلالها، فقد انطلقوا هم أنفسهم وبسيارتهم
المثيرة للضجيج والغبار للبحث عنه، فوجدوه يطعم أحد العجول التي يملكها في الحقل،
فقبضوا عليه ثم ساقوه إلى بيته وطلبوا منه أن يغتسل في الحال ويرتدي بدلة غامقة وربطة
عنق صفراء، ثم قادوه مقطوع الحيل ويكاد يبلل سرواله من الخوف إلى خارج المنزل تلحق
بهم عيشة زوجته وأطفاله الخمسة الصغار وهم يبكون. أما الشارع خارج المنزل فقد كان
ممتلئاً عن بكرة أبيه بالناس الذين دفعهم فضولهم للتجمهر هناك، لعلّهم يحصلون على
تفسير لما كان يحصل، ثم حُشر السيد هائل عضو المجلس البلدي المسكين بين رجلين في
المقعد الخلفي للسيارة وانطلقت بهم مخلفة وراءها زوبعة من الغبار والذباب ومئات
الأسئلة التي طارت في الجو المغبر دون أجوبة.
"
إلى أين يأخذون السيد هائل؟ - ماذا حصل بالضبط؟ - انظروا إلى زوجته عيشة وأطفالها
الصغار كيف يبكون – هل صحيح أنهم يسوقونه إلى أحد فروع الأمن؟ - هل صحيح أنه دفع
الزعيم أثناء الزيارة المباركة وكاد يوقعه؟ - ما هي تهمته بالضبط؟ - لماذا لا
تطلبون من الشيخ سعيد أن يبيّت له استخارة؟ - هل صحيح أنهم أخذوه ليعدموه؟ - هناك
من قال إن السيد هائل مشترك في مؤامرة على الزعيم انكشفت في آخر لحظة، هل هذا
صحيح؟ - هل صحيح أنهم بدأوا بمحاسبة الفاسدين فالسيد هائل، كما هو معروف، يسرق من
المجلس البلدي؟ - مسكينة يا عيشة على هذه الورطة.."
أسئلة
كثيرة طرحت في ذلك اليوم في تلك البلدة النائية ولم يحصل السائلون على أي جواب،
ولم يعد السيد هائل إلى البلدة ليجيب على أسئلة الناس الحيارى، بل إن سيارة أقل
صخباً قد وصلت بعد أسبوعين من العاصمة وتوقفت أمام منزل السيد هائل وخرج منها
رجلان، فأمرا عيشة وأطفالها الاستعداد بسرعة للسفر معهما، وهذا الأمر جعل الناس
أكثر حيرة عن مصير الأب والأم والأطفال، ولم يزل الناس في حيرة حتى شاهد البعض من
أهل البلدة السيد هائل على التلفزيون وهو في أحسن حال، حتى أنهم ذكروا انه كان
يبتسم بمهابة، فماذا حصل له إذاً؟
درس
الزعيم، بصحبة جميع رؤساء الأجهزة الأمنية وحرسه الخاص، الشريط الذي التقط له أثناء
تعثره في تلك البلدة النائية، ليعرفوا ماذا جرى بالتحديد ولماذا تعثر ولماذا لم
يكن ظله خلفه في تلك اللحظة وعشرات الأسئلة التي يحرص الزعيم على طرحها على
مساعديه بعد كل حادث طارئ. كان الرؤساء جالسين منتصبي القامة على طرفي طاولة
الاجتماعات التي يبلغ طولها ستة أمتار، بينما كان الزعيم يتصدر الجلسة في حين راح
المهندسون يعرضون ذلك الجزء من الشريط مرات ومرات على شاشة عريضة نصبت في الطرف
الآخر من الصالة. استنتج الجميع بأن الرجل الظل قد أخطأ بتركه لمحله وأن العناية
الإلهية هي التي انقذت الزعيم من السقوط حين تواجد خلفه شخص سريع البديهة وذي رد
فعل سريع وصائب، والأهم من كل هذا أن ذاك الشخص يحب الزعيم ويتفانى في خدمته لأن
ردة الفعل اللاإرادية التي أتى بها، حين أمسك بالزعيم بهذا الشكل وفي الوقت
المناسب، تثبت نظافته وأهليته، وأنه يمكن الاعتماد عليه كشخص موثوق.
أقال
الزعيم ظله وعيّن شخصاً آخر مكانه ثم طلب أن يتم إعادة عرض جزء التعثر بالحركة
البطيئة بدون توقف، على الشبكة الداخلية للقصر لكي يتفحصها باستمرار أينما ذهب وفي
أي اتجاه نظر، فشاشات التلفزيون مزروعة في كل أرجاء القصر، لا يخلو مكان منها
وخاصة غرفة نومه وفي الحمام حيث ينفرد الزعيم بنفسه فتصفو ملاحظته. وفي الليل،
وبينما كان مستلقياً على السرير يعيد مشاهدة جزء التعثر هذا شعر بأنه يحب هذا
الشخص غير المعروف بالنسبة له. كان أكثر ما لفت انتباهه وجعله يدمن على مشاهدة صور
تعثره وإنقاذه، هي حركة الشخص الذي كان يقف مسترخياً خلف الزعيم، وفجأة بدأ الزعيم
بالسقوط إلى الأسفل عندئذ مد الشخص يديه إلى تحت إبطي الزعيم وراح ينزل معه. حركة
هبوط الشخص مع سقوط الزعيم مدهشة خاصة بالعرض البطيء، وعندما وصل الجسدان إلى
مستوى معين توقف جسد الشخص عن الهبوط ثم التحم الجسدان وبدآ بالصعود بقوة الشخص
نفسه، وعندما عاد الزعيم إلى وقفته السليمة استمر التصاق جسد الشخص بظهره لفترة
ثلاث ثوان ثم انفك عنه وبقيت يداه تحت إبطي الزعيم، عند ذاك صار يشاهد نفسه كيف
استدار إلى الخلف مع استمرار وجود اليدين تحت إبطيه ليرى وجه الشخص. في هذه
اللحظة، وهو ينظر إلى الوجه، انفكت اليدان عن إبطيه وأحنى الشخص رأسه احتراماً.
بسبب تأمله آلاف المرات وبالحركة البطيئة لحركة جسد الشخص ووجهه أصبح يحب الشخص.
وإذا أحب الزعيم شخصاً فكأن ليلة القدر قد نزلت عليه. إن إبطيه مازالا يؤلمانه
بسبب إمساكه له بقوة من الخلف كما أن ظهره مازال يشعر بدفء الشخص الذي التصق به
ولذلك، فهو يحب ان يعرف من هو هذا الشخص ويحب ان يقابله ويكافئه. أعطى تعليماته في
الساعة الثالثة صباحاً وفي الثانية بعد الظهر أدخلوا عليه الشخص وقد حرص على ان
يكون اللقاء في ركن غير رسمي.. على مائدة الغداء تحديداً.
من
عادة الحرس الخاص أو عناصر الأجهزة الأمنية أن لا يبوحوا لأي كان بأي معلومة مهما
كانت في حال قاموا بأخذ شخص ما من بيته في مهمة معينة، وهذا بالضبط ما حصل مع
السيد هائل، فقد كاد يقبل أيدي الثلاثة الذين جاؤوا وأخذوه من بلدته ليعرف إلى أين
يقودونه وما المناسبة وماذا سيحصل له إلا أنهم كانوا يروزونه صامتين بنظرات غير
مطمئنة. من عادتهم الصمت. ثم إن أي كلمة قد تودي بصاحبها إلى المحاسبة، ولذلك فقد
ظل السيد هائل غير عارف ماذا يجري له واكتفى بالارتجاف واصفرار الوجه، وقد كان على
هذه الحالة حين دفعوا به إلى غرفة طعام الزعيم دون أن يعرف أنه بصدد مقابلة
الزعيم. ثم إنه عندما أصبح في الداخل لم يتعرف على الفور على الزعيم الجالس في
الطرف الآخر من المائدة وبثياب عادية وهو يمضغ طعامه، بل حسب انه أحد المسؤولين
العاديين، فبسبب خوفه وضياعه نسي وجه الزعيم ولم يعرفه إلا عندما طلب منه الاقتراب
ثم نهض وهو يمسح يديه وفمه بالفوطة وصافحه مرحباً به وطلب منه الجلوس إلى يمينه
وتناول الطعام معه، فكاد يغمى على السيد هائل من الفرح هذه المرة.
تحادثا
طويلاً أثناء تناول الطعام فعرف الزعيم كل شيء عن السيد هائل، ثم دعاه لشرب الشاي
في ركنه المفضل، وهو عبارة عن غرفة زجاجية مليئة بالزهور والنباتات الغريبة وهما
يدخنان السيكار، ثم طلب الزعيم من مساعديه أن يقودوا السيد هائل إلى إحدى الغرف
المخصصة لمبيت الضيوف ليحظى بشيء من الراحة، وفي المساء دعاه إلى صالة الفيديو
لمشاهدة عدة ساعات من التسجيلات للجماهير وهي تهتف له وتميت نفسها في سبيله.
دامت
الضيافة في قصر الزعيم ثلاثة أيام قاما خلالها بتناول كميات هائلة ومختلفة من
الأطعمة، لعبا معاً بطاولة الزهر، سبحا في المسبح الخاص وجلسا في الساونا وركضا في
الحديقة وتدربا في الصالة المخصصة على الأجهزة الرياضية، وفي المساء كانا يشاهدان
أشرطة الفيديو للجماهير. وفي صباح اليوم الرابع طلب منه المساعدون ان يقابل الزعيم
قبل ان يرحل، وقد قابله هذه المرة في مكتبه فسأله في أي منصب يريد أن يعينه فيه
ليقوم بخدمته على أكمل وجه، فلم يجد السيد هائل في ذهنه، آنذاك، سوى منصب رئيس
الشرطة في بلدته فاستغرب الزعيم من هذا الطلب وشعر بالعطف على تواضع صديقه فرفض
تعيينه بأي منصب يبعد السيد هائل عن العاصمة وعنه شخصياً فعينه رئيساً لأحد الفروع
المسؤولة عن أمنه الخاص.
قلت
لأمي التي كانت تنتظرني لأفتح فمي:
- كيف تعرفت عليه؟
- قصة طويلة، إحدى صديقاتي هي
في الحقيقة زوجة مدير مكتبه. سألتني إن كان لدي مانع في أن أتعرف عليه لأنه طالب
زواج. يبدو أنهم كانوا قد تحدثوا في الأمر قبل أن تعرض علي شرب القهوة.
- وهل قابلتيه؟
- نعم.
- كل الناس يعرفون أنه متزوج
من واحدة اسمها عيشة.
- لقد طلقها، لم تعد ملائمة
لوضعه كمسؤول كبير في الدولة.
- هل يعرف أنني لا أحبهم وهم
لا يحبونني؟
- إنه يعرفك جيداً ويقول إنه
قرأ لك.
- كيف ستتزوجين شخصاً ممن
أساؤوا إلى زوجك المرحوم ويضايقون ابنك ويمنعونه من الكتابة؟
- هذا كان في الماضي، أما
بالنسبة لك فأعتقد أنك ستحصل في المستقبل على دعم قوي و بإمكانك العودة إلى
الكتابة في صحافتهم.
- أرى أنك مصممة على الزواج.
- مازلت صبية ويحق لي على ما
أعتقد.
- ما رأي سميرة؟
- إنها ليست مهتمة.
إذاً،
فأنا الإنسان الوحيد المهتم من كل هذه السلالة. نسيت أمي كيف كانت تصورهم لأبي
وكيف كانت تؤلف النكات عنهم. إن " تطنيشها " جعلها دون أن تعلم تقف في
صفهم. رأيت أن أتّبِع أسلوب أختي فنهضت مستعداً للرحيل. ودعتني حتى الباب الخارجي
وهناك سألتني عن موقفي بعد أن دست في يدي بعض النقود فقلت:
- بإمكانك الزواج من أيٍ كان
فأنت حرة.
- هل ستحضر حفل الزفاف؟
- هل بإمكانك إبعادي عن هذا
السيرك؟
- سيرك؟
- متى تنويان أن تقيماه؟
- حفل الزفاف؟ أراد هائل أن
يقيم حفل الزفاف يوم الأربعاء القادم.
- أي بعد ثلاثة أيام، يبدو
عليه أنه مستعجل، ولماذا يوم الأربعاء بالتحديد؟ لماذا ليس في يوم الخميس؟
- لأنه يريد أن نتزوج في
الذكرى العشرين لإمساك الزعيم بالسلطة.
- لم أتصور أنهم سيحتلون مخدع
أمي في ذلك اليوم أيضاً.
- اذهب واشغل نفسك لتهدئ
بالك، سوف تحضر الحفل لأنك ولدي الوحيد. سوف أموت من الحرج إن لم تحضر. على كل،
سوف أبحث عن أفضل طريقة لتتعارفا قبل يوم الزفاف وسوف أتصل بك بالهاتف.
- هل أحببته؟
- ليس بعد، فهو مجرد خطيب.
مجرد
خطيب!!.. رمقتها فوجدتها تزداد ضعفاً ووحدة. إنها رائعة هذه المرأة فهي تفكر في
الزواج رغم كل هذه التجاعيد في رقبتها ووجهها. وتريد أن تتزوج لتثبت لنفسها أولاً
أنها ما تزال شابة. تمنيت لها السعادة فمطت رقبتها تعطيني خدها فقبلتها ثم خرجت.
كانت
الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة والربع بقليل حين أصبحت في الشارع. مشيت على الرصيف
رغم ان الطريق الإسفلتي كان فارغاً من حركة السيارات متجهاً بشكل غريزي إلى وسط
المدينة حيث جموع البشر تحتل الساحات والشوارع الرئيسية. كانت أصوات المسيرة تصل
إلي من أجهزة التلفزيون في البيوت القريبة فهناك أمر صريح من الزعيم، على من لا
يشارك في المسيرات من ربات البيوت أن يتابعنها على شاشات التلفزيون، لذلك يضطر
الناس لرفع صوت الأجهزة وترك النوافذ مفتوحة لكي لا يتهمون باللاوطنية. كان الشاعر
قد أنهى قصيدته فراح المذيع يصف مشاعر الجماهير ووطنيتها وحبها للزعيم:
"
انظر أيها الزعيم إلى جموع الجماهير كيف تهتف باسمك بقوة وعزيمة لتصل هتافاتها إلى
عنان السماء، وليعانق اسمك النجوم. لو كان في هذا الكون بشر آخرون مثلنا لرأيتهم
يهتفون لك.. لرأيتهم يهتفون ووجوههم متجهة نحو وطننا المعطاء. إنني أرى الجماهير
أيها الزعيم تحمد الله لأنها ولدت في عصرك، عصر الكرامة والحرية.. عصر الزعيم،
فقِدْنا أيها الزعيم إلى النصر.. هكذا تهتف الجماهير.. قدنا إلى النصر المبين...
"
كان
صوت المذيع المبحوح يختلط بأصوات الهتافات وموسيقى الفرق النحاسية التي تعمل لرفع
حماسة الجماهير في المكان مع ما تبثه مكبرات الصوت التي تحيط بالجماهير في الساحات
والشوارع.
منذ
ان استلم الزعيم السلطة تحولت الموسيقى إلى فن وطني. لم تعد فناً للفن، حتى أن المثقفين
الذين اعتاد الناس ظهورهم على التلفزيون وفي الإذاعة راحوا يهاجمون نظرية الفن
للفن. فالموسيقى ليست للتذوق وليست لصقل الروح والنفس ولا للتأمل ولا لرهافة
الأحاسيس بل هي للحماسة فحسب. يقول الزعيم "على الموسيقى ان تلعب دورها في
تحفيز الجماهير" ومن أجل ذلك فقد تراجعت إلى الصفوف الخلفية موسيقى الطرب
والموشحات وحلت محلها موسيقى المارشات العسكرية. الفن الذي نسميه الأصيل غاب في
زحمة المارشات وهدير الطبول وزعيق الأبواق. في الضجيج لا يسمع سوى صوت الفرق
النحاسية العسكرية أما أصوات آلات التخت العربي فتضيع في هذه الزحمة لذلك، فليس
لها مكان في حاضرنا. الكمنجة آلة سخيفة وهزيلة إذا ما عزفت إلى جانب قرع الطبول
وكذلك القانون والناي. الناي أم البوق؟ الناي تافه ورجعي وغير وطني لأنه يدفع
المستمع إلى التأمل والحزن ويلائم صمت القبور، أما البوق فهو يجعل الناس أكثر يقظة
وحماسة. أكثر وطنية لأنهم سيكونون على استعداد للتضحية بالروح والدم في سبيل
الزعيم.
من
قال إن المارشات العسكرية ليست فناً؟.. فتشايكوفسكي الذي يعتبر من أعظم موسيقيي
القرن التاسع عشر وضع مقطوعة سماها "مارش سلافي"، فيها جعل الموسيقى
تتصاعد وتعلو حتى لحظة الانتصار، كما أن تشايكوفسكي ذاته قد وضع سيمفونية
"افتتاحية 1812" وهو العام الذي شهد انهزام نابوليون في روسيا، بينما
عملاق الموسيقى الألماني بيتهوفن وضع السيمفونية البطولية (الثالثة) وأهداها إلى
نابوليون بونابرت، وكل هذه السيمفونيات مبنية على إيقاع المارش العسكري البطولي الذي
يعشقه الزعيم، وعندما علم السفير الروسي بعشق الزعيم (للموسيقى) دعاه فوراً إلى
موسكو وجعل برنامج الزيارة يزدحم بزيارات للبولشوي وغيره من المسارح الغنائية حيث
عزفت له السيمفونية السابعة "سيمفونية لينينغراد" والسيمفونية الثامنة
(ستالينغراد) وكلتاهما لشوستاكوفيتش.
عندما
قام الزعيم بانقلابه قبل عشرين عاماً قام أول كل شيء باحتلال الإذاعة وجعلهم
يقطعون البرامج ويبثون المارشات العسكرية. ان هذه المارشات تذكره بهذا اليوم
المجيد، ولذلك فإن المسؤولين يحرصون دائماً على الترنم بها وهم يسيرون أو ينكبون
على أعمالهم. ترى الواحد منهم يسير بينما خداه ينتفخان وينبسطان على وقع المارشات
التي يسترجعها في ذهنه، ثم تراه يذم شفتيه وينفخ مقلداً البوق.
في
الواقع، إنهم يقلدون الزعيم لأنه اعتاد على الترنم بالمارشات، أما هؤلاء الذين
يترنمون بالأغاني العاطفية المائعة فليس لهم مكان في حاشية الزعيم. ماذا يعني أن
تقدم الإذاعة أغنية تحكي كلماتها عن الحب والهيام؟ هذا كلام فارغ، وهذا يجعل
الجماهير أكثر إحباطاً. إذا كان من الواجب تقديم أغنية عن الحب فيجب أن تكون عن حب
الزعيم. كل المشاعر يجب أن تتوجه نحو الزعيم. كل الحب والعشق والوله والهيام والهوى
والشغف والوجْد يجب أن تكون للزعيم، أما أن يكون كل ذلك لفتاة "شخّاخة"
لا قيمة لها فهذا هو الانحطاط بعينه. أما عن الهجران والفراق والبكاء على الأطلال
والعزّال والموت كَمَداً وغيرها فهي أمور ممنوعة منعاً باتاً لأنها قد تفهم بشكل
غير وطني، مثل أن الفراق هو بين الجماهير والزعيم أو أن الجماهير قد هجرت الزعيم
لا سمح الله، لذلك غابت مثل هذه المفردات عن الأغنية العادية. هناك أغنية وحيدة
سمح بها لتقدم للساهرين بعد الواحدة ليلاً قبل أن ينهي التلفزيون بثه وقد كانت
أغنية "سهران لوحدي" لأم كلثوم ولكن بشرط أن تظهر صورة الزعيم أثناء بث
الأغنية، فالسهر يجب أن يكون من أجل الزعيم ومناجاة طيفه وإلا، فعلى المواطنين عدم
السهر وعليهم الذهاب إلى النوم باكراً بهدف الاستيقاظ في الصباح للانطلاق بهمة
ونشاط من أجل متابعة بناء الوطن تحت القيادة الملهمة للزعيم.
سمعت
صوت سيارة قادمة من الخلف ولكنني لم أستدر فقد عرفت من صوت المحرك أنها تقاد
بطريقة رعناء وهذه صفة شائعة للعناصر. لم يكذبني تخميني فقد ضغط السائق على
الفرامل بقوة فتوقفت السيارة إلى جانبي محدثة صوت صفير حاد. كانت واحدة من
سياراتهم المدنية التي اعتادوا التجول بها بدون لوحات. نزل من مقعدها الخلفي ثلاثة
عناصر يحملون المدافع الرشاشة ويرتدون الثياب المدنية. عرفتهم لأن ذقونهم كانت
مهملة وثيابهم مدعوكة وتفوح منهم روائح التعرق. كان يبدو عليهم وكأنهم قد استيقظوا
للتو من نوم غير مريح. لم أتوقف لأنتظرهم، كما كان يمكن أن يفعل أي مواطن، بل
استمررت في السير فجعلتهم يهرعون خلفي وينادونني.
- توقف.. انت.. عندك!! توقفت
فأحاط بي الثلاثة ولاحظت أن بعض النسوة والأطفال راحوا يسترقون النظر إلينا من
النوافذ. سألت:
- ماذا تريد مني؟ فقال أحدهم:
- تقدم إلى المعلم.
إنه
يقصد ذلك الرجل الأسمر ذا الشوارب الغليظة الذي يجلس إلى جانب السائق. شاهدت
المعلم يتطلع إلي بعينين فاحصتين فاقتربت
منه، بينما أحاط بي العناصر الثلاثة وجعلوني في مركز المثلث. جاءني أمر المعلم من
داخل السيارة. أحد الثلاثة ضغط بيده على رقبتي لكي أنحني أمام النافذة:
-
ماذا تفعل هنا؟
-
كنت في زيارة إلى أحدهم في هذا الحي.
-
ومن يكون هذا الأحدهم؟
-
والدتي.
-
ولماذا لست في المسيرة؟
-
لست موظفاً أو طالباً أو حزبياً أو عضواً في أيٍ من الاتحادات أو .. قاطعني بنزق:
-
البطاقة.
-
أخذها مني الرفاق قبل ساعة.
-
اسمك؟
-
فتحي شين.
رفع
عينيه نحوي وتمعن بي جيداً ثم قال:
-
إذن أنت الكاتب فتحي شين!
-
نعم، إنه أنا.
قال
وهو يشعل جهاز اللاسلكي ويقربه من أذنه:
-
ألا تخجل من نفسك؟
-
ولماذا أخجل من نفسي؟ نهرني أحد الثلاثة:
-
لا ترد على كلام المعلم.
أشار
المعلم بيده فجذبني اثنان من الثلاثة بعيداً عن نافذة السيارة فهو لم يرد أن أستمع
إلى المحادثة التي راح يجريها بصوت خافت. من حركة شفتيه لاحظت أنه ذكر اسمي أكثر
من مرة. بعد ذلك أطفأ الجهاز فقربوني منه. ظل صامتاً للحظة ثم قال دون أن ينظر
إلي:
-
عليك أن تأتي إلى مقر الأمن العسكري في التاسعة مساءً.
أشار
إلى رجاله فتركوني ودخلوا السيارة. سألته قبل أن ينطلقوا:
-
وماذا عن بطاقتي الشخصية؟
-
سوف تتدبر أمرك مع الرفاق بنفسك فيما بعد.
انطلقت
السيارة بحركة مفاجئة وبصفير عالٍ حتى أن إسفلت الشارع قد ارتسم عليه أثر العجلات.
نظرت إلى الأعلى فشاهدت العيون التي كانت ترقب ما يجري ثم تراجعت النساء والأطفال
إلى داخل بيوتهم. قلت لنفسي ما هذا الصباح، فقد تورطت حتى الآن مع الرفاق ثم مع
الأمن العسكري؟
ارتفع
الصخب من أجهزة التلفزيون فقد كانت الجماهير تصرخ بحماسة شديدة لأمر ما. كان
المعلق يصف المشاعر وهو يكاد يبكي من التأثر. شعرت بالأسف لأنني لست في بيت أمي أو
في بيت لمى أشاهد على التلفزيون ما كان يحدث. على فكرة، فأنا لا أملك جهازاً في
بيتي وقد كنت قد تخليت عنه إلى أحد الأصدقاء كهدية زواج ولم أندم قط على ذلك فقد
تخلصت منه لأنني مللت ما كان يعرضه باستمرار، أقصد هذه المسيرات وخطب الزعيم.
سرت
متجهاً صوب الشوارع الممتلئة بالجماهير والتي تقسم المدينة إلى قسمين فقد كان علي
أن أنتقل إلى القسم الآخر حيث تعيش لمى وفي كل خطوة أخطوها كان الصخب يعلو في الجو
وهو نفسه الصخب الذي أسمعه من أجهزة التلفزيون في البيوت. أعتقد أن سبب هذا الصراخ
المفاجئ من قبل الجماهير هو مفاجأة الزعيم لها، فقد اعتاد الخروج إلى الناس في بعض
المرات ودون توقع من أحد فتنتابهم حالة هياج غريبة.
"ألا
تخجل من نفسك؟" لماذا قال لي رجل الأمن العسكري ذلك؟ ومن أجل الإجابة على هذا
السؤال فسوف أتحدث قليلاً عن نفسي قبل أن أصل إلى بيت لمى.
أنا
ولمى نحب بعضنا بعضاً ولكننا حتى الآن لم نتزوج رغم أننا نرغب بذلك. السبب هو أن
لمى ما تزال عالقة في تبعات زواجها السابق، فزوجها حتى الآن يرفض إتمام مراسم
الطلاق رغم مرور سنوات طويلة على انفصالهما. سافر زوجها رجل الأعمال في مهمة عمل
إلى آسيا وعندما عاد شاهدت لمى حلماً جعلها تستيقظ مذعورة. رأته في منامها أنه لم
يكن في رحلة عمل بل كان مسافراً لقضاء شهر عسل هو وزوجته الثانية التي تزوجها
بالسر والتي هي في الحقيقة سكرتيرته الخاصة. عندما استيقظت وجدته نائماً الى
جانبها بعمق بعد أن أرهقه الجنس الذي مارساه. لقد استغربت كيف أنه لم يستطع أن
يكون جاهزاً (رغم غيابه الطويل ورغم كل مداعباتها التي أعرفها وأعرف انها مذهلة
وتجعل الحديد يحن) إلا بعد محاولات طويلة أرهقتهما معاً هما الإثنين. ويبدو أن ما
جرى أثناء ممارسة الجنس جعلها مستغربة وجعل عقلها الباطني يجد السبب الحقيقي
فدفعها لرؤية حلمها ذاك. شاهدته مع سكرتيرته ينعمان بشهر عسل جميل في أحد الشواطئ
الإسبانية. نهضت من الفراش عارية وبحثت في جيوبه عن جواز سفره فوجدته، وفي إحدى
الصفحات وجدت تأشيرة الدخول إلى إسبانيا ممهورة بختمي الدخول والخروج. أما ختم
الخروج من إسبانيا فقد كان بتاريخ اليوم ذاته الذي عاد فيه إلى البيت ومارسا فيه
الجنس. نامت تلك الليلة على كنبة الصالون وفي الصباح واجهته بما عرفت. أنكر في
البداية ولكنه اعترف أخيراً بأنه تزوج بالفعل سكرتيرته لأنه مضطر لذلك فهي ابنة أخ
أحد الرفاق الحزبيين الكبار وهو، بالزواج منها، سيصبح مفيداً له من أجل قضاء أموره
التجارية بسرعة عوضاً عن الغوص في الروتين والمنع والتسويف.
رفضت
لمى أن تكون لها ضرة تشاركها زوجها ثم أنها شعرت بأن زوجها قد غدر بها وطعنها في
الخلف وأنها بدأت تكرهه وأصبح من المستحيل العيش معه تحت سقف واحد، فغادرت المنزل
إلى بيت أهلها في البداية، ثم قامت وبالمال الذي كانت ادخرته في حساب مصرفي خاص،
بشراء منزل في شارع هادئ في الطرف الآخر من المدينة. في نفس العام الذي تحررت فيه
لمى مات أبي وانتقلت للعيش في شقتي الخاصة (التي اشترتها لي أمي) وحل علي غضب
الحكومة.
ففي
تلك السنة، وبينما كنت أستعد في الأستوديو لتسجيل برنامجي الأدبي الذي كنت أقدمه
أسبوعياً على القناة الأولى، دخل علي مساعد المخرج وقدم لي ورقة موجهة إلي من
الإدارة تطلب مني التوقف عن التسجيل والصعود لمقابلة مدير البرامج الثقافية، وهناك
قدم لي ورقة وصلت إليه عن طريق الفاكس من أحد الأجهزة ينتقد فيها برنامجي لأنني لم
آت على ذكر الزعيم ولا مرة واحدة طوال الفترة الماضية. أحسست بأنني على مفترق طرق
فتمهلت في قراءة الملاحظة. رحت أرشف من فنجان قهوتي وأدخن كسباً للوقت، فقد كنت
حريصاً على لقمة عيشي وفي نفس الوقت على سمعتي ككاتب مستقل. كان برنامجي يتحدث عن
الكتب الصادرة حديثاً وكنت ألتقي في كل حلقة بكاتب ليتحدث عن كتابه الجديد كما كان
البرنامج يجري مسابقات في القصة والشعر وقد حظي البرنامج على احترام الكتاب
والمشاهدين على السواء بسبب إصراري على الاستقلالية وعلى تطبيق المعايير بدقة
وحيادية.
سألت
مدير البرامج ماذا يقترح فأجابني بأنه يقترح إجراء مسابقة في القصة والشعر يكون
موضوعها عن الزعيم وإنجازاته فاعتذرت. عندئذ، وبدون أن يطلب أي مبررات للاعتذار طلب مني تقديم استقالتي بحجة أن على
كل برامج التلفزيون ومهما كانت أن تكون أمينة لمبادئ الزعيم وشخصه. كتبت استقالتي
ووقعتها وقدمتها للإدارة ثم نزلت إلى الأستوديو. وبينما كنت هناك أودع المخرج
والفنيين وصلني هاتف من الإدارة يعلمونني فيه بأنهم، وبناء على طلبي، قبلوا
استقالتي. لم يكتفوا بذلك بل أرادوا أن أستقيل من الصحافة والأدب بشكل عام فقد
انهمرت علي المصاعب والعوائق إذ قرروا إغفال ذكر اسمي ومؤلفاتي في كل وسائل
الإعلام الوطنية ثم وصل توجيه إلى لجان الرقابة بعدم الموافقة على نشر أي كتاب
جديد لي حتى ولو كان موجهاً للأطفال، ثم قاموا بفصلي من اتحادي الكتاب والصحافيين
بحجة أنني تخلفت عن دفع الرسوم لمدة سنتين، ثم قاموا بتوجيه بعض الكتاب من الرفاق
بالهجوم على كتبي وعلي شخصياً، ثم أطلقوا علي صفة الكاتب الـ "غير وطني"
لأنني أسأت حسب رأيهم إلى ملهم الأمة وبوصلة
الإنسانية، ووصل إلى علمي أن أحد الكتاب الذين كانوا مجتمعين في مؤتمر خطابي
بمناسبة وطنية، وكان من الرفاق، نهض وهتف يسقّطني فتبعه البعض من أمثاله يصرخون
بتشنج: يسقط يسقط يسقط.
وهكذا
سقطت، ولكنني ربحت لمى التي أصبحت تكره الرفاق وتحب ضحاياهم لأن زوجها طعنها في
الخلف وتزوج خلسة من ابنة أخ واحد منهم من أجل تسيير أعماله التجارية. التقيت أول
مرة بلمى في بيت أحد الأصدقاء من الشعراء وكان بالمناسبة قد رفض كتابة القصائد
التي تمجد بالزعيم فوضع على اللائحة السوداء مثلي، وعندما دخلت لمى شعرنا نحن
الاثنان أننا أتينا إلى بيت الصديق الشاعر لنلتقي. انعزلنا في زاوية ورحنا نتحدث.
سألتني عن أخباري فقد كانت تتابع برنامجي التلفزيوني وقالت إنها قرأت لي كتاباً
واحداً وعندما أخبرتها بأنني متوقف عن الكتابة اهتمت بالأمر وراحت تكثر من الأسئلة
حول الموضوع حتى عرفت لماذا كنت متوقفاً بالضبط، عندئذ طلبت مني أن أوصلها إلى
بيتها حين أرحل فسرنا لمدة ساعتين على الأقدام تحدثنا خلالها عن كل شيء إلا عن
مشاكلها. شعرت بتضامنها معي وفي اليوم التالي زرت صديقي الشاعر مرة أخرى لأسأله
عنها فأخبرني بقصة زوجها التاجر وسكرتيرته ابنة أخ الرفيق الحزبي.
كان
زوجها يرفض تطليقها لأنه يحبها كما كان يدعي، حتى أنه عرض عليها أن يطلق السكرتيرة
إن هي وافقت على العودة، ولكنها رفضت وأخبرته أنها تحبني وأننا نفكر بالزواج حالما
تحصل على الطلاق، فاشتعلت فيه نار الغيرة أكثر وراح يعاند أكثر. وفي أحد الأيام
اتصل بي وأخبرني على الهاتف برغبته في اللقاء. شربنا القهوة معاً في كافيتريا أحد
الفنادق، وكنت أحاول إقناعه بأن ينهي هذه القضية بسلام وذلك لمصلحة الجميع، فما
كان منه إلا أن هددني بأنه يستطيع تدبير أمر سيء لي عند الدولة إذا لم ابتعد عن
زوجته. كان يلمح إلى مقدرة عم زوجته الثانية ولكنني استهترت به وقلت له "طز
فيك وفي الحزب" فهددني بأنني سأدفع الثمن غالياً ثم رحل، وعندما أخبرت لمى
بما دار بيننا ضحكتْ مطولاً ثم ضحكتُ أنا أيضاً ومازلنا نضحك حتى اليوم كلما ذُكر
الحزب بوجودنا معاً.
في
الحقيقة، فقد تم استدعائي أكثر من مرة إلى أحد الأجهزة الأمنية ليتم التحقيق معي
حول الإهانة التي وجهتها للحزب. اعترفت لهم بأنني تفوهت بتلك الكلمة، التي كنت
أكرهها ولا أحب استخدامها ولكنني قلتها، لأن التاجر قد استفزني. كان التقرير الذي
رفعه التاجر غامضاً، فقد كان يلمح دون أن يؤكد بأنني ربما وجهت الإهانة إلى الزعيم
شخصياً وليس إلى الحزب فقط. كانوا مهتمين كثيراً بهذه المسألة، هل كنت أقصد الحزب
فقط أم الزعيم والحزب معاً؟ هناك فرق طبعاً، فإهانة الزعيم قد تودي بالشخص إلى
النوم عشرين سنة في السجن، أما إهانة الحزب فليست جريمة كبرى. أصررت على أنني قصدت
الحزب فقط لأن عم السكرتيرة مسؤول كبير فيه. كنت أذهب إليهم في التاسعة صباحاً،
وهناك كان علي أن انتظر ساعات ليتفرغ لي أحد المحققين وعندما ينتهي واحد كانوا
يحولونني إلى محقق آخر. كل واحد منهم سيضع توقيعه على الملف لهذا فعليه أن يحقق في
الأمر بنفسه، أي من البداية حتى النهاية. كانوا يقولون لي كيف يمكن لكاتب مثقف أن
يتلفظ بمثل هذه الكلمة، والطريف في الأمر أن الكلمة كانت تتردد كثيراً في المقر
حتى أنهم سموني "أبو طز" وكل محقق يحقق في الموضوع هو " المحقق في
طز " وفي إحدى المرات سألني أحد المحققين كيف بإمكانه كتابة الكلمة وعمّا إذا
كانت تكتب بالزين أم بالظاء؟
أعتذر
للقارئ على تكرار هذه الكلمة ولكن " القضية طز " أتعبتني كثيراً رغم
طرافتها. كنت أذهب إلى لمى فور خروجي من مبنى المخابرات. كانت المسكينة تنتظرني
على نار وبالضبط قرب النافذة معرضة نفسها لأشعة الشمس الحارقة، وحالما تلمحني
قادماً كانت تهرع لتفتح لي الباب ثم تظل تعانقني لربع ساعة خلف الباب وهي ترتجف، وعندما
أفلح في الانفكاك منها كنت أقودها إلى السرير وأعريها، وعندما كنا ننتهي تصبح لمى
بمزاج رائق فتسحبني إلى الحمام وهي تضحك فأدعها تغسل جسدي لأنها تحب أن تفعل ذلك
وفي النهاية نعود إلى السرير ونحن مبتلان بالماء لأحكي لها كل ما جرى معي هناك
ونحن نضحك.
كنا
نثأر لحالنا بالضحك، ولكن الضحك ثرثار لعين يكشف أمرنا ويوقعنا في الإحراج. مرة،
كنا في حفل تأبين أحد الأصدقاء الكتاب الذي توفي بعد صراع طويل مع المرض. ذهبنا
أنا ولمى لأننا كنا نشعر بحق بفظاعة فقدان هذا الصديق الذي كانت لمى قد زارته معي
في بيته فقررت الاهتمام به يومياً كممرضة. كانت تمسح جسمه بالكولونيا وتغير ثيابه
وملاءات سريره وتطعمه بيديها، وعندما اشتد عليه المرض واضطررنا لنقله إلى المشفى
العمومي أصرت على البقاء هناك والنوم على مقاعد صالة الانتظار. كانت تستيقظ لتجد
نفسها تبكي وعندما مات اضطررت للمبيت عندها لتهدئتها لأنها لم تكن تقوى على منع
نفسها من البكاء. هذه الإنسانة التي تبكي عادة لمنظر قطة بائسة انقلب مزاجها مائة
وثمانين درجة في حفل التأبين الذي أقامه اتحاد الكتاب بمناسبة أربعين صديقنا
الكاتب.
كان
والد الزعيم قد قتل وهو في الثانية والثمانين إثر سقوط طائرته الخاصة التي كان
يعود بها إلى الوطن بعد قضاء إجازة في مونت كارلو. كانت حادثة مروعة اهتز لها
الوطن كله وفرض الحزن على المواطنين ومنعت الموسيقى والكوميديا في وسائل الإعلام
وأصبح يفتتح كل اجتماع بالوقوف دقيقة صمت على روح "الختيار". وعندما كنا
في حفل التأبين وابتدأ الحفل صعد المقدم وطلب من الجميع الوقوف دقيقة صمت (حسب
الجميع بأنه سيطلب منا أن نقف دقيقة صمت على روح الأديب الغالي فنهضنا حتى قبل أن
ينهي جملته).. ولكنه قال "على روح والد الزعيم".
كنا قد وقفنا حين سمعنا أننا نقف إكراماً لروح أبي الزعيم وليس إكراماً لروح صديقنا. كنت غاضباً فتجهمت. وبما أن الدقيقة تصبح دقائق عدّة إذا ما تعلق الأمر بالزعيم فقد طال بنا الوقوف ولاحظت وأنا مغمض العينين أن لمى الواقفة إلى جانبي ترتجف. حسبت أنها كانت تبكي. نظرت إليها فوجدتها تمنع نفسها من الضحك. كانت محمرة وهي تهتز وقد سدت فمها بيدها. انتقلت عدوى الضحك إلي أيضاً فبدأت أعض بقوة على الجدار الداخلي لفمي حتى أدميته، ولحسن الحظ فقد طالت الدقيقة مائة وثمانين ثانية فقط فطلب منا الجلوس فسجدت لمى بين صفي المقاعد لتنهي دون قهقهة موجة الضحك تلك التي انتابتها فانتهى الأمر على خير.