انه طبيب
قلوب الفنانين والكتاب والشعراء.
هؤلاء الذين يصابون بعلل في
صدورهم في وقت مبكر. من التدخين
والكسل الجسدي والحساسية
المفرطة. في لحظة سريعة يفقد
الواحد ثقته العالية بالنفس
وينهار روتين حياته الذي يحافظ
عليه كأنه يموت بدونه. في تلك
اللحظة يأتي دور الدكتور
تميزيان.انه
جاهز أبداً. طبيب قلوب أصحاب
الحساسية المفرطة. يرن الهاتف في
عيادته، التي اعتاد ان يقيل فيها
فلا يذهب إلى بيته للراحة. عليه
هذه المرة ان يفحص قلباً آخر
أتعبه الحزن والغضب السريع
والتوتر الذي لانهاية له. ولأن
الدكتور تميزيان شاعر بدوره
فإنه يعرف تمام المعرفة أحوال
مريضه الجديد الذي اشترك معه قبل
ايام في أمسية شعرية أو في نشاط
ثقافي في جمعية النهضة الأرمنية
التي يديرها.
إنه حارس قلوب
الكتاب والشعراء، وبما أنه شاعر
فإنه يعرف دواءهم أكثر من غيره.
النظرة المطمئنة والابتسامة.
كان كل واحد منا
ينتظر دوره للمرور عليه. لم يعد
الأمر مخيفاً، بل باباً للدعابة
والضحك. يقول: متى سأراك؟ فنضحك.
كان جاداً، فالصف طويل، وكل يدخل
إلى عيادته بدوره، على قدميه أو
مستنداً إلى كتفي رفيقيه أو يذهب
ليراه في غرفة العناية المشددة.
ولكن لا يجب أن
يصل الأمر إلى هذا الحد، فبعد
الأمسية الأدبية، على الضيف أن
يغيب لنصف ساعة في عيادة رئيس
جمعية النهضة الثقافية ليستمع
إلى قلبه. لا أحد يعلم، فقد يكون
في حاجة إلى عناية خاصة. ولماذا
الخجل والوجل، فالطبيب شاعر
أيضاً وسيتناقشان في الشعر
الحديث وبهموم الأدب أثناء
المعاينة. صاحب الحساسية
المفرطة يناقش بينما زميله
يستمع إلى دقات قلبه. إنها حالة
نموذجية للمعاينة، الا وهي ان
يناقش الشاعر في قضايا شعره الذي
يشغل عمره. كل يناقش في فنه.
الفنان التشكيلي والموسيقي
والروائي والمسرحي والسينمائي.
في تلك اللحظة يغوص الدكتور
تميزيان في عقل وقلب الفنان.
انها رحلة غريبة
التي كان يقوم بها طبيب القلوب.
يقول شعراً: (رحلة
غريبة/ لكن... كيف، وإلى متى سأسير/
وأدفن في ركضي أعزاء لي/ واحداً
تلو الآخر/ ليس تحت التراب/ بل في
أعماق روحي... )
في جمعيته
الثقافية كان له هم من نوع خاص
رغم عموميته. ان يبني صداقة بين
العرب والأرمن. بين الثقافتين
العربية والأرمنية، حتى إنه اسس
داراً للنشر سماها دار الصداقة.
ولم يكن يشرب نخباً إلا من أجل
الصداقة. إنه طبيب القلوب
والصداقة. شاعر الطب الذي يطمئن
كل شعراء الدنيا ليكتشفوا فيما
بعد أنه كان يخفي حزنه عنهم.
(حزين هو الإنسان/
وأنا أيضاً حزين/ حزين هو ابني/
ومن المحتمل، ان يولد حفيدي
أيضاً/ حزيناً...)
وفي انتظار الدور
للدخول عليه يأتينا الخبر
المدوي. طبيب القلوب يأتيه
الخريف مبكراً. في زحمة الهواجس
ينسى المرء انه يمكن ان يسبقه
طبيبه. كان مشغولاً بطمأنتنا على
قلوبنا وبالابتسام في وجوهنا
وبإشغالنا بالصداقة بينما
الخريف كان يزحف إليه.
يبدو أنه كان
يعلم، فقد كتب (الخريف ما
احتضنني مرة/ بشوق لا متناهٍ/ إلى
هذا الحد! )
مات طبيب القلوب
بصمت، بينما كان طوال الوقت
يحاول أن يخفف من صراخنا وعويلنا
على قلوبنا.
هناك حكاية. في
إحدى المرات، أخذت الأم طفلها
إلى طبيب مختص بأمراض الأطفال.
كان يبكي باستمرار. وبقلق
الأمومة رجحت ان ابنها مريض.
وعندما دخلت على الطبيب حاملة
ولدها، اكتشف اصفرار وجهها
وهزالها، فقد كانت الأم هي
المريضة وليس ابنها، ولم يكن
لديها وقت للشكوى أمام بكاء
طفلها المدلل.