يخيل إلي
انه أصبح من الضروري ان نتحدث في
تفاصيل الكتابة وخاصة في النص
الدرامي الذي أصبح في حالة لا
بأس بها من التطور. فالكاتب
السوري قطع شوطاً بعيداً في
تقنيات الكتابة الروائية وأيضاً
على صعيد الرواية التلفزيونية (حسب
تعبير أسامة أنور عكاشة). ومصطلح
"الرواية التلفزيونية" لم
ينضج بعد رغم انني استخدمته لوصف
نص مسلسل " الثريا" ولكن لا
بأس ان نستخدمه للدلالة على
النصوص التي تكتب للتلفزيون
والتي تستفيد من تقنيات الرواية
الأدبية واتساعها وبناء
شخصياتها والمستويات المتعددة
للقراءة وغيرها.لم يعد المسلسل
التلفزيوني يكتفي بضيق القصة
الأدبية ولا بالصراع الدرامي
المسرحي المحدود، فالرحابة التي
تتيحها تعدد الحلقات والامكانية
غير المحدودة للكاميرا المحمولة
تجعلان من الضروري تنويع
الأشكال الأدبية التي يستفيد
منها نص المسلسل لكي يستقيم. من
هنا تأتي الأهمية القصوى
للرواية الأدبية لكي يضعها
الكاتب الدرامي نصب عينيه حين
يشرع في الكتابة.
من المعروف ان
الرواية الأدبية تعيد رسم
الواقع المتنوع والواسع. انها
ترسم البيئة مضمنة ثقافتها
والانشطة الاجتماعية والسياسية
والاقتصادية. كما انها تقدم كماً
كبيراً من الشخصيات التي تملأ
هذا الحيز. ليس من الضروري ان
يكون هناك قطبي صراع فحسب بل
اننا نتابع في الرواية كل
الشخصيات وهي تناضل من أجل
الوصول إلى أهدافها فتتقاطع
الطرق وتنبني شبكة معقدة من
العلاقات والصراعات والتصالحات.
هنا يأتي دور الرواية الأدبية
لتقدم أهم خصائصها للرواية
التلفزيونية، ألا وهو صوت
الشخصية الذي يميزها عن باقي
الشخصيات. ان صوت الشخصية يحدد
مكانها في هذا النسيج المعقد.
انه مثل الاحداثيات التي تحدد
توضع نقطة ما في الفراغ العام
وبدون هذه الاحداثيات تفقد
النقطة خصائصها (ووجودها) مثلما
تفقد الشخصية سماتها وبالتالي
مبرر وجودها.
ان صوت الشخصية
يظهر جلياً في شبكة العلاقات
التي تحكم النص الدرامي. ومثلما
تحدد شبكة العلاقات هذا الصوت
فإنه بدوره يساعد في بناء تلك
الشبكة. وكما أشرنا فإن الشبكة
مصنوعة من مستويات مختلفة، من
اجتماعية وطبقية وسياسية
واقتصادية وثقافية وغيرها، فإن
صوت الشخصية الخاص محكوم ومحدد
بهذه المستويات. ان نقطة تقاطع
هذه المستويات تحدد تماماً مكان
الشخصية في فراغ الرواية
التلفزيونية وتوصفها، ونعود إلى
الهندسة فنقول، بما ان نقطة
التقاطع هي نقطة بإحداثيات
محددة لا تتكرر (وإلا فإنها
تنطبق وتنتج عنها نقطة واحدة في
نهاية المطاف) فإن الشخصية
الروائية هي نتاج لتقاطع واحد في
شبكة العلاقات لا تتكرر وإلا نتج
عنها أكثر من شخصية واحدة
ومتشابهة بشكل غير مبرر فنضطر
إلى حذفها.
ان صوت الشخصية في
الرواية التلفزيونية موضوعي
وخارج عن ارادة الكاتب لأنه نتاج
لتقاطع مستويات موضوعية خارجة
أساساً عن إرادته. اننا نطلق على
الصوت صفة الموضوعية لأنه (أي
الصوت) تاريخي وبالتالي محكوم
بالمكان والزمان، ولهذا السبب
بالتحديد نوافق على اطلاق اسم
الرواية التلفزيونية على
المسلسلات التي تحتكم إلى
التاريخ (إلى الموضوعية) في بناء
الشبكة وفي بناء الشخصيات ورسم
أصواتها. انها غير اعتباطية وغير
متشابهة. انها تختلف في التفاصيل
الدقيقة حتى ولو تشابهت في
الخطوط العريضة. نأخذ مثالاً على
ذلك من مسلسل " خان الحرير
الجزء الثاني" وبالتحديد محور
الرفاق البعثيين. ربما كان هذا
المحور محوراً واحداً ولكنه (تاريخياً)
ينقسم إلى ثلاثة تيارات مختلفة
الأصوات في زمن المسلسل، أي ان
لها مواقفاً مختلفة من الأحداث :
تيار احمد ورفاقه وهو تيار محبط
ومتألم، وتيار سلوى المنسجم مع
الواقع، وأخيراً تيار الضباط
البعثيين الموجودين في مصر وقد
عبر عنهم النقيب عمر. لقد كان لكل
تيار صوتاً خاصاً استخدمه في
الحوار مع التيارين الآخرين،
وللحقيقة أقول بأن هذه الأصوات
ليست من اختراع الكاتب بل انه
جاء بها كسمات للتيارات التي
كانت سائدة في تلك الفترة التي
يعالجها المسلسل، ولذلك نطلق
عليها، كما قلنا، صفة التاريخية.
وللدلالة على ذلك نذكر بأن كل
الوثائق التي ترصد تلك المرحلة
تتحدث عن تسريح الضباط المسيسين
والاحباط (دون الكراهية) الذي
أصاب هؤلاء، ثم التأريخ لبدايات
الحركة الناصرية من خلال تيار
سلوى، وأخيراً التيار الثالث
الذي جمع التيارين السابقين على
أهداف سياسية عقلانية متميزة
كانت لها الأثر الكبير على
مجريات الأحداث، فيما بعد، في
الحياة السياسية في سورية.
على صعيد آخر
يستمر صوت الشخصية في التمايز
حتى في داخل التيار الواحد أثناء
الحوارات ونرى ذلك خصوصاً حين
حاول سليمان اقناع حسان بالزواج
من سلوى فظهر الاختلاف في النظرة
إلى المرأة، أو الفارق بين ربيع
وسلام، أو التمايز بين نعيم
ومقيم ومراد.. الخ.
ولكن كيف نفرق صوت
الكاتب ضمن هذا الحشد من الأصوات
في الرواية التلفزيونية؟
نعرّف أولآ صوت
الكاتب بأنها قناعاته الخاصة
سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو
اقتصادية أو غيرها، وهي في
الواقع الأفكار التي كان يؤمن
بها حين جلس ليكتب النص، والتي
قد تظهر وتقال على لسان إحدى
الشخصيات أو أكثر أو أنها لا
تظهر بتاتاً. لقد جرت العادة ان
نبحث عن صوت الكاتب بين أكثر
الأصوات ايجابية وعمقاً ودقة،
أقول جرت العادة ان يتم ذلك بسبب
الافتراض بأن الكاتب نرجسي
ويريد ان يظهر بأفضل شكل. ولكن
الكتابة التاريخية (الموضوعية)
ترفض هذه العادة وهذا التبسيط في
البحث عن صوت الكاتب، لأن
البطولة في مرحلة زمنية ما، إذا
ما أخذت بشكل موضوعي، قد تكون
لتيارات لا تتطابق آراؤها
بالضرورة مع معتقدات الكاتب.
لهذا الأمر نرى الكاتب، في مثل
هذه الظروف، يكتفي بصنع نموذج
لشخصية الضمير التي يقدم من
خلالها محاكمته لما يجري على
الرغم من انهزام أفكاره التي قد
تحملها شخصية مهزومة بدورها
أمام بطل المرحلة.
ان الاعتناء
بأصوات كل التيارات وتقديمها
بحيادية هو من أساسيات الرواية
التاريخية (الموضوعية) الأدبية
منها والتلفزيونية. وهذا الأمر
بالتالي، يوقع القارئ أو
المشاهد في حيرة من أمره حين
يريد تحديد صوت الكاتب داخل
الرواية. ان تقديم معتقدات الخصم
بشكل مغلوط وهزيل ليتم إظهار
الطرف الصديق على أنه الصحيح
والبطولي غير مقبول في الرواية
التاريخية، ولقد أوقع هذا الأمر
العديد من متابعي مسلسل خان
الحرير في سوء التقدير لأنهم
شاهدوا خصومهم كبشر من لحم ودم
يقولون أموراً منطقية ومقنعة
وشاهدوهم في ظروف يمكن ان يتعاطف
معهم المشاهد، فتحديد من أية جهة
تشرق الشمس لا علاقة له بمزاج
وموقف عالم الفلك ولا برغبات من
يتمتع بدفء أشعتها.
لقد قطعت الرواية
الأدبية والتلفزيونية، كما
قلنا، شوطاً بعيداً في فهم معنى
التاريخية، فلم يعد الكاتب يكتب
بيانه السياسي والاجتماعي فحسب
على شكل رواية، ولكن الأمر لم
يستو بعد كما يجب فلا زالت
ايديولوجية الكاتب تسيطر على
الكثير من الأعمال حتى الآن ولا
زالت نظرية "الأدب
والآيديولوجيا" الساذجة هي
المتحكمة سواء في هذا الكثير من
الأعمال الابداعية أو في النظرة
النقدية لها. إن إظهار الخصم
الآيديولوجي للكاتب وكأنه وحش
كاسر أو جبان رعديد هو طفولية
أدبية مضى زمانها إلى غير رجعة
وهذه دلالة على نضج الحركة
الأدبية والدرامية في سورية.
وأريد هنا ان أشيد بالجهد
التوثيقي الذي بذله دياب عيد في
كتابة نص "حمام القيشاني
الجزء الثاني" حيث خدم أصوات
التيارات السياسية التي رصدها
المسلسل بشكل موضوعي وهذا يصب في
منحى ما أشير اليه في هذا المقال
رغم ملاحظاتي العديدة على
البناء الدرامي للعمل.
أصبح صوت الكاتب
يقدم بطريقة أكثر فنية وأكثر
نضجاً. لم تعد المباشرة تعني
شيئاً للكاتب، حتى أنني أستطيع
القول ان من حسنات الرقابة على
النصوص دفع الكاتب إلى تقديم
صوته بواسطة الرمز أو بواسطة
تشكيل بنية العمل لجعل هذه
البنية تقول الشيء الذي لا
يستطيع الحوار قوله. ان الكم
الهائل من المعلومات المباشرة
التي يتلقاها مشاهد التلفزيون
أو قارئ الجريدة يدفعه إلى
مطالبة الكاتب بتقديم تلك
المعلومات بأكثر الطرق فنية
وكثافة. لنأخذ مثالآ من مسلسل
"الثريا" فعندما أردت إدانة
التعسف الفرنسي أثناء فترة
الثورة السورية ضد الانتداب
فعلت ذلك بطريقة أقرب إلى
المباشرة بواسطة الخطابات وجعلت
بنية العمل تفعل ذلك أيضاً حين
سرد النص قصة برعم الحب الذي بدأ
ينمو بين "ناظم بك" و "ثبيته"
أرملة الضابط الفرنسي. في تلك
اللحظة التي بدأ فيها هذا البرعم
بالتشكل جاء الفرنسيون واعتقلوا
ناظم بك فأضاعوا عليه وعليها
فرصة نمو هذا الحب. كما ان بنية
العمل قالت رأياً اجتماعياً
أحمله دون ان يقوله الحوار وهو
ان ليس صحيحاً ان الفرنسيين قد
جاؤوا ليمدنوا البلد، بل ان
وجودهم أوقف تطورنا الاجتماعي.
ففي حين كان علينا ان ننهض لنزيل
التركة العثمانية المتخلفة في
مجتمعنا (والمتمثلة بالباشا) كان
علينا أولآ ان نهتم باستقلال
الوطن من الفرنسيين فأضاعوا
علينا فرصة اللحاق بركب التطور
الاجتماعي والنهضة في
العشرينيات والثلاثينيات من هذا
القرن.
إذن تلعب بنية
العمل (التشكيل) الدور الأهم
والحاسم في نقل صوت الكاتب. لقد
توصلنا حتى الآن الى أن كاتب
الرواية التاريخية الملتزم
بالموضوعية يقدم معظم التيارات
الفكرية والسياسية والطبقية ذات
الأهمية القصوى في المرحلة
موضوع البحث بحيادية مناسبة. إنه
يسعى إلى عدم إهمال ذكر أحد
التيارات بسبب تحامل آيديولوجي
مسبق. كما أنه يوزع الأدوار بين
التيارات حسب الوثيقة التي بين
يديه محاولآ الاقتراب قدر
الإمكان من السمة الحقيقية لكل
تيار ووضعه في مكانه الصحيح في
بنية نص العمل. ولكن بنية النص من
ابتكار كاتبه، وهذا الابتكار لا
يخلو من موقف ونحن نسميه هنا صوت
الكاتب. إن آراء شخصيات مسلسل
"خان الحرير" هي ملك
أصحابها وليست آراء الكاتب، فلو
كانت كذلك لقلنا بأنه (أي الكاتب)
يناقض نفسه فلا نصل إلى نتيجة.
ولكن الأصح أن نقول بأن الكاتب
شكل العمل بهذا الشكل الذي
تابعناه عليه، وابتكر تلك
البنية ليقول شيئاً محدداً
وليسمع صوته بطريقة فنية.
إن قراءة هذه
البنية وفك رموزها واكتشاف
مفاتيحها توصلنا إلى اكتشاف صوت
الكاتب وتحديده. وبما أن لكل نص
طبيعة منفردة على صعيد البنية
فإنه يحتاج إلى دراسة منفردة
يجري فيها تفكيك بنيته للوصول
إلى معرفة صوت الكاتب الذي يرتاح
في ثناياها، وهذا ما قد نفعله في
مقال قادم.