قراءة خريفية في رواية "مجاز العشق"
لنبيل سليمان
مقالة: نهاد سيريس

هناك وحدة بنيوية وانسجام بين الجسم الروائي وبين المقولات والأفكار المبثوثة في السياق. ان الرواية عالم متخيل يحمل مقولات وأفكاراً ومعلومات. وتصبح البنية العامل الأساس اللازم لإخراج الجانب النظري من ذهن الكاتب إلى عالم الوجود كرواية. فرواية " نجمة أغسطس" لصنع الله ابراهيم تم بناؤها بشكل يوازي هيكلية سد أسوان، بينما قام (أومبرتو إيكو) باستخدام المقولات الانجيلية اللاتينية كمفاتيح للدخول والخروج من متاهة مكتبة الدير في رواية "اسم الوردة" وذلك لحل لغز حوادث القتل الغامضة بين الرهبان.

ولكن الأمر يختلف بشكل جذري في رواية "مجاز العشق" لنبيل سليمان، فمنذ الصفحات الأولى نجد ان الكاتب لم يعمل، بالشكل الأمثل، على الجانب التخييلي لروايته مفسحاً المجال للمعلومات والمقولات والمقتطفات القرآنية والأفكار لتنوجد في الرواية بشكل نظري عار ٍ، وعلى حساب الجسم الروائي المتخيل بنيةً واسلوباً وحواراً.

فؤاد صالح كاتب يعيش في دمشق (جاء اليها من اللاذقية) نراه يجاهد من أجل كتابة رواية. لا نعرف أي شيء عن عالم تلك الرواية أو أبطالها ولكننا، طوال الوقت، نظل مشغولين بموضوعاتها. اننا لسنا امام رواية داخل رواية، أو حكاية داخل حكاية، فكل ما كان يهم الكاتب (أي نبيل سليمان) هو ايجاد ذريعة لاستعراض مقولات ومقتطفات ترتبط بهمٍ نظري سياسي. لذلك سوف نهمل وجود رواية ثانية بل سنتذكر دائماً ان هناك كاتباً (يجاهد) لكتابة رواية ما.

صنع الكاتب شخصية بطله وهو يراقب نفسه. انه كاتب مشغول بأمور الثقافة يسعى لكتابة رواية ولكنها تبدو وكأنها بعيدة المنال. تتردد في ذهنه أقوال أو مقتطفات تتلاءم وهمومه العامة حتى انه ينسى ملاحقة أمر معين، له وقع مهم، وهو الزلزال الذي يحدث في الصفحة الأولى من الرواية ولكن القارئ لا يلتقط ان الحديث يجري عن زلزال إلا بعد حين. بينما يكتفي بجملة قرآنية يرددها عدة مرات خلال عدة صفحات (إذا زلزلت الأرض زلزالها). كان يمكن للكتابة عن اهتزاز الأرض وخروج الناس من بيوتهم وتزاحمهم على درج البناية ان يفيد في بناء عالم الرواية. ان بناء جسم الرواية مفيد أكثر من ترداد الجملة القرآنية عدة مرات.

هذا الأمر نلمسه في أكثر من مكان في الرواية حتى في بناء شخصياتها. يتعرف البطل على امرأة تمتلك بوتيك في دمشق. هذه المرأة لها اسم (فاتن طروف) ولكنها تبقى اسماً، اسماً يتردد باستمرار. لقد صنع الكاتب شخصية امرأة ولكنه ابقاها في حدود اسم يتردد رغم اللقاءات العديدة التي جمعت البطل بها. هذا الأمر يجعل القارئ يدور في محيط الشخصية ولكنه لا يتصورها. لا يحبها. ان بناء عالم الرواية يبقى في اطار نص لا يحيل إلى تخييل. قد نعرف ان فاتن طروف فلسطينية فيأتي ذكر أوسلو هكذا باستياء بتدخل مباشر من الكاتب.

هناك شخصيات أخرى من المفترض انها لعبت دوراً رئيساً في حياة البطل مثل نوال الشيخ ولكنها تظل أيضاً اسماً يتردد. بسطر واحد وصف لنا الكاتب قضية نوال التي (شلحت) البطل بعد قصة عشق ثم تحولت إلى اسم يذكر طوال الرواية.

الكاتب يحب ترداد الأسماء ويفضلها على بناء علاقات تتطور في جسم الرواية. يتعرف البطل على صبا العارف صديقة فاتن طروف التي تسافر إلى قبرص لملاقاة زوجها. تختفي فاتن ولكنها تظل تتردد في الرواية بكثرة. اقامة علاقة مع صبا سهلة جداً مثلما كانت اقامة العلاقة مع صديقتها (بدون دراما) وتجري الرواية هكذا، بدون احداث ولا شيء متوقع يغرينا بالقراءة اللهم إلا موضوع تلك الرواية التي يكتبها البطل.

قبل ذلك تحيرنا طريقة الكاتب في صنع المكان. اختار نبيل سليمان مدينة دمشق لتكون مسرحاً لروايته. وأنا أستغرب اصرار الكاتب على الذهاب الى دمشق عوضاً عن جعل روايته تدور في اللاذقية. دمشق في "مجاز العشق" لا وجود لها. انها أي مكان وبالتالي اللامكان. هذا نابع من كون الكاتب يعرف دمشق كزائر وليس كإبنٍ لها. عدة أماكن يرتادها البطل في المدينة ولكنها تبقى أيضاً مجرد أسماء ومن غير الممكن ان تفضي إلى بناء عالم المدينة الذي هو بالتالي عالم الرواية. الشيراتون، الهافانا، بوتيك فاتن، مكتب شهاب الوزير، احدى المكتبات، وزارة الثقافة وغيرها من نفس الدرجة (لاحظوا ذلك) واشارة سريعة إلى باب توما الذي تغيرت معالمه باقامة مطاعم في بيوته العتيقة.

هذا المكان الذي من المحال ان يكون مكاناً روائياً يدفعني مرغماً لمقارنته بعالم مدينة دمشق الروائي كما صنعه في رواياته بحميمية كل من خيري الذهبي وفواز حداد. انه عند نبيل سليمان قشرة هشة. كلمات تتردد لا تصنع صورة ثلاثية الأبعاد كما نجدها عند خيري وفواز بل انها عندهما تفوح وتنضح وتداعب شغاف القلب أيضاً. في روايته الأولى "ينداح الطوفان" يصنع نبيل عالم قريته بجدارة. كانت هناك شخصيات لا تنسى. في ينداح الطوفان، كتب نبيل رواية حقيقية رغم انه كان مشغولاً بالتنظير " للأدب والآيديولوجيا ".

إذن لماذا راح يهمل كاتبنا هذين العنصرين المهمين في صنع جسم الرواية؟ لقد صرح مرة ً انه أفاد كثيراً من انجازات الرواية الحديثة في كتابته الروائية الجديدة. ولكن هذه الإفادة غير معقولة إذا قارنا ما فعله أومبرتو ايكو في "اسم الوردة" وزوسكيند في رواية "العطر". وتهمني مقارنة نبيل سليمان بأومبرتو ايكو فكلاهما جاء من النقد الأدبي، ففي حين صنع هذا الأخير فضاءاً روائياً قائماً بذاته في "اسم الوردة" فشل نبيل سليمان في صنع مثل هذا الفضاء وبقي مرتبطاً بذهنيته النظرية. يمكن ان نفهم ما يجري إذا افترضنا ان دماغ الكاتب، حين يكتب روايته، ينقسم إلى قسمين، قسم يعنى بالتخييل وقسم يعنى بالتنظير. ان مشكلة نبيل هي ان القسم الثاني يطغى عنده على القسم الأول وهذا الأمر يظهر جلياً في موضوع الرواية التي قلنا ان بطله في "مجاز العشق" يجاهد في كتابتها وهو بالتحديد قضية المياه، فيقف (نبيل) حائراً أمام المادة التي جمعها عن موضوعه دون ان يتمكن من استثمارها في بناء روايته أو رواية بطله.

في رواية "العطر " لزوسكيند تصبح تلك المادة العنصر الأساس للبناء الروائي. تصبح أيضاً المحرك المولد للأحداث في الرواية، أيضاً في متابعة نزعة القتل عند البطل. في تأسيس الحبكة وفي النهاية العادلة للبطل. كل شيء كان مرتبطاً بالعطر وخاصة الأمكنة (مصانع العطور التي عمل فيها البطل) والدافع للقتل. أما في "مجاز العشق" فكل الأمكنة والأحداث لا علاقة لها بالمياه التي كانت تشغل ذهن البطل. لقد اختار نبيل أحداثاً عادية جداً. مغامرات عشقية سهلة التصميم يقوم بها البطل فؤاد صالح وينجح فيها دون جهد يذكر. أمكنة عادية يرتادها المثقفون. اهتمامات يومية تلائم شخصية الكاتب وتشابه حياته اليومية. ان الذي أوقع نبيل في ذلك هو اختياره معالجة مستهلكة جداً ليؤسس عليها روايته وليطرح بها قضية المياه في الشرق الأوسط، وهي ان يكتب بطله، الذي يعيش حياة مثقفين عادية، رواية، وجعل قضية المياه موضوعها. جعله يبحث عن مصادر لروايته فاضطرته تلك المعالجة لتقديم ما جمعه من مادة عن المياه على طريقة المثقفين الثرثارين، ألا وهو السرد المباشر. حتى انه قدم المادة بصيغتها الوثائقية (انظر خاصة فصل: بداية، من صفحة 80 وحتى 89) على حساب الحوارات التي بقيت عبارة عن مشاكسات بعضها كان ثقيل الدم.

جريدة الكفاح العربي 7/9/1999

TOP

Copyright © 1999 - 2000 Nihad Sirees All rights reserved