مسرحية " البيانـو "
لنهاد سيريس

الشخصيات:
بديعة: امرأة في الأربعينات. ناضجة وجميلة.
عمران: رجل في الخمسين.
عبد: زوج بديعة، في الخمسين.
سلمى: الخادمة.
المشهد الأول
( نحن في صالون بيت بديعة الفاخر ولكن يبدو انه قد جرى تقليل الفرش بعض الشيء أو قد تم بيعه. هناك بيانو والعديد من الاكسسوارات غالية الثمن: هاتف، تلفزيون، ستيريو، فيديو، أواني فضية وغيرها. على الجانبين، أبواب ومنها باب الشقة)
(جرس الباب)
( تأتي خادمة ريفية المنشأ وتتجه نحو باب الشقة وتفتحه. نرى عمران وبيده جريدة . انه على ما يبدو قادم لشراء البيت المعروض للبيع في الجريدة لهذا نراه يتفحص البيت بدون مغالاة.)
الخادمة:نعم..؟
عمران: مرحبا.
الخادمة: مرحبتين..
عمران: في امكانية أشوف البيت.. حسب الإعلان في الجريدة..؟
الخادمة: مشان تشتريه؟
عمران: بالضبط.
الخادمة: تفضل رتاح دقيقة لبين ما تجي الست.
عمران: الله يزيد فضلك.
( يدخل عمران. تدله الخادمة على مقعد فيجلس وهو يتطلع إلى ما سيشتريه. تتجه الخادمة نحو أحد الأبواب وتطرقه وتنادي.)
الخادمة: ستي.. ياستي.
ص.بديعة: نعم يا سلمى.
الخادمة: جاية حدا مشان البيت.
ص.بديعة: دقيقة وحدة.
( تقوم الخادمة بأي عمل لكي لا تترك عمران بمفرده. بعد قليل تأتي بديعة من تلك الغرفة. ولكنهما يعرفان بعضهما فتحدث المفاجأة.)
تقف في مكانها من المفاجأة هو يقف غير مصدق. تخرج الخادمة.)
بديعة: عمران..؟
عمران: بديعة؟
( تصافحه، هي محرجة. تدعوه للجلوس.)
بديعة: تفضل ارتاح.. (تنظر إلى الجريدة) تفضل..
( يظل واقفاً مثلها. تصر.)
عمران: مفاجأة.. أنا تفاجأت.
( تظل تشير له فيجلس. هي تلقي نظرة سريعة إلى مرآة لتتأكد من أناقتها وجمالها.)
بديعة: وأنا كمان.. بعد زمان..
عمران: اي والله.. بعد زمان يابديعة.
بديعة: فين كنت هالغيبة..؟ كل هاد في الخليج؟
عمران: اي نعم.. في الخليج.
بديعة: خمسة وعشرين سنة في الخليج؟.. في نفس البلد؟
عمران: عشر سنين في السعودية.. وعشر سنين في دبي.. والباقي في ابو ظبي.
( تجلس. يستمر التكلف والابتسامات.)
بديعة: طولت.. بتشرب شي؟.. (لا تنتظره، تنادي) سلمى!
عمران: قهوة إذا سمحتي.. اي والله طولت شوي.
بديعة: شوي وبس..؟
( تدخل الخادمة)
الخادمة: نعم ياستي.
بديعة: فنجانين قهوة.. (له) بلا سكر؟
عمران: بلا سكر.
بديعة: تنين قهوة بلا سكر ياسلمى.
الخادمة: حاضر ياستي.
( تخرج الخادمة. تتأكد من اناقة ثيابها لأنه لا ينظر إليها.)
بديعة: وايمتى جيت؟ قصدي، قررت ترجع خلص والا رح ترجع.. قصدي لهنيك؟
عمران: رجعت خلص.. (يضحك) ما حاج؟
بديعة: لأ حاج طبعاً.. الله يلعن الغربة.
عمران: انتي السبب.
( يظل يحدق بها، هي متفاجئة لهجومه، تسوي ثيابها ثم شعرها لتخفي حرجها.)
بديعة: هيك صار.. أنا ماكنت متصورة.. انو.. يعني..
عمران: ماكنتي متصورة أزعل؟
بديعة: يعني.. على كل حال شايفتك انت منيح كتير.
عمران: إش كنتي متصورة؟
( تنهض فينهض.. الحركة ضرورية أثناء المواجهة الكلامية.)
بديعة: أنا باعرف انك كنت زعلان.. بس نصيب.
عمران: نحن كنا منحب بعض. حقي أزعل.. حقي أضل زعلان لحد هلق.. حقي والا لأ؟
بديعة: حقك ياعمران.. خلينا ما نحكي.. لكن خلينا نحكي، انت لازم تتفهم موقفي.. كان وضعي صعب.
عمران: عظيم.. لازم نحكي. أنا من هداك اليوم ما حسنت أفهم ليش فضلتي عبد علي..
بديعة: كنت مضطرة.
عمران: لأنو كان غني؟
بديعة: كنت مضطرة..
عمران: لأنو كان غني ما هيك؟ بس أنا وهوكنا أصدقاء. انا اللي عرفتو عليكي. حبيتوا بعض من قفاي؟
( كانت تجاهد لتقول شيئاً ولكن دخول الخادمة ينقذها.)
الخادمة: القهوة ياستي.
بديعة: حطيها يا سلمى.
( يعودان للجلوس، تضع الخادمة لكل منهما فنجانه حيث يجلس ثم تخرج. كانا ينتظرانها لتخرج ليتابعا.)
بديعة: اشرب قهوتك ياعمران.
عمران: بعدين.. سالتك إذا كنتوا حبيتوا بعض.
بديعة: ما باعرف ياعمران.. هداك الوقت ما كنت باعرف شي.. كنت صغيرة.
عمران: أنا كنت باحبك. كنت بافتخر فيكي.. بكل سذاجة قررت أعرفك على أحسن صديق إلي.. على صديقي العزيز عبد..
بديعة: انت كنت تحكي لي عنو دائماً.. ما منكون مع بعض إلا وسيرتو معنا باستمرار.. إلا وهو تالتنا.
عمران: كنت بافتخر فيكي وفيه.
( تنهض فينهض.)
بديعة: انت شخص أحسن مننا تنيناتنا.. كنت أحسن مني ومنو.
عمران: كنت ساذج وغبي.. عرفت صديقي الوحيد على حبيبتي.. بتتذكري؟ جيت علىالموعد وجبتو معي. كنا منتقابل في حديقة عامة. انتي جيتي متأخرة. كنت قايل لك اني رح احاول أجيب رفيقي عبد حتى أعرفكن على بعض. رحنا بعدين قعدنا في شي كافتيريا. أكلنا بوظة.
بديعة: صحيح، أكلنا بوظة.
عمران: في الموعد اللي بعدو كنا لوحدنا، قلتي لي انو ما كتير عجبك وأنا قعدت أعدد لك محاسنو.
بديعة: قلت لك بوقتها انك ألطف.
عمران: قولي لي الحقيقة من فضلك، كنتي عم تقولي الحقيقة والا .. كنتي..؟
بديعة: كنت عم أقول الحقيقة وحياتك.
عمران: لكان امتى بلش يعجيك؟
( تحاول التهرب.)
بديعة: بعدين.. بعدين.
عمران: بس صرتوا تتقابلوا من ورا ضهري.
بديعة: ما إسمها مقابلات.. بصراحة كانت صدف.
عمران: شلون يعني صدف؟
بديعة: يعني صرنا نتقابل في الشارع أو جنب بيتنا.
عمران: هو اللي كان يظبط الحالة حتى اتبين صدفة؟
بديعة: ما باعرف.
عمران: أرجوكي قولي لي.
بديعة: وإشو فائدتها هلق؟ صار اللي صار. إش رح تستفيد؟
عمران: لحتى الآن ما فهمت شلون صار اللي صار.. عندي رغبة شديدة انو أفهم.. أرجوكي. هالموضوع خلاني أسهر ليالي بحالها وأنا عم افكر شلون بغبائي خليتك تروحي من ايدي.. لعنت نفسي مئات المرات.
بديعة: واتعذبت؟
عمران: كتير.. لذلك أرجوكي تقولي لي.. رايد أعرف، هالشي رح يريحني، على عكس ما بتتصوري.
بديعة: يبدو كان عبد عم يظبط اللقاءات حتى اتبين انو صدفة محضة.
عمران: (بسخرية) برافو.. وانتي كنتي بتعرفي انو عم يظبط.. وما قلتي لي.
بديعة: هادا خطأي.. كان لازم أصدو من البداية.
عمران: وزارك في البيت؟
بديعة: مين.. عبد؟ هداك الوقت؟ (نتوقع انها ستقول لا) أظن زارنا في البيت.
عمران: وكان محضر حجة.. والا..؟
بديعة: قال انو كان مارر من جنب بيتنا. ببساطة كنت حاسة عليه عم يكذب، لكن.. كنت صبية ومعتزة بنفسي.. كان اعجاب شبين فيني بزيدني افتخار بنفسي.
عمران: واحد منهم كان يحبك.. مو بس قضية إعجاب.. قصدي أنا كنت أحبك..
بديعة: بالضبط.
عمران: وكنتي مبسوطة على حالك.. اتنين راكضين وراكي؟
بديعة: متل ما قلت لك.. كنت صغيرة وكنت مبسوطة.
عمران: كان عمرك اتنين وعشرين سنة.
بديعة: اتنين وعشرين سنة يعني صغيرة.. مو متلي هلق، رايحة على الخمسين.
عمران: ليش ما حكيتي لي.. ليش؟
بديعة: كنتوا رح تتقاتلوا لو عرفت. مشان هيك ما حكيت. بعدين، لازم تعرف شغلة مهمة، أنا كنت أحبك إلك.. معو كنت مبسوطة على حالي متل ما شرحت لك.
عمران: أنا متأكد أني أنا اللي كنت أحبك.. من ناحيتك، وبعد اللي صار، اتأكدلي انك ما كنتي بتحبيني.
بديعة: اسمع مني وكون مرتاح.. أنا كنت بحبك إلك.
عمران: إذن ليش ما حكيتيلي إش كان عم يخطط عبد؟
بديعة: هيك.. القدر.
عمران: صديقي سرق مني حبيبتي وهي عم اتسمي هالشي قدر.. هادا اسمو خيا...
بديعة: (تقاطعه) سميه قدر.. نصيب. أحسن للكل.
عمران: ولأني ما عم أحاكمك.. رح اسميه نصيب متل ما بتريدي. وبعد ما أجا لبيتكم مرة مرتين وكان يسميها صدفة، إش صار بعدين؟
بديعة: طلب مني ما أجيب سيرة إلك حتى ما تفهم الموضوع غلط. صدقتو.. فعلاً فكرت انو ما لازم تعرف. شي كان عم يدفعني بقوة حتى ما أجيب سيرة إلك.
عمران: وكنتي تكذبي علي.
بديعة: أرجوك بلا كلام جارح.. أنا بس كنت أسكت على لقاءاتنا أنا وعبد حتى ما تفهم الموضوع غلط. وأهم شي كنت مفكرة انو طلعاتنا أنا وهو مؤقتة.
عمران: باعتذر.. قصدي عم تكذبي علي لأنك كنتي مضطرة اتغيري كتير من الوقائع حتى ما أعرف.
بديعة: شلون يعني؟
عمران: يعني لما أسألك إش عملتي البارحة كنتي تقولي ما عملت شي.. مع انو تكوني طلعتي انتي وعبد.. هادا يعني انك اضطريتي تكذبي علي.
بديعة: بهذا الشكل صح.. كنت عم أكذب. بس الهدف هو عدم إزعاجك.
عمران: مفهوم.. وكان يجيب لك هدايا؟
بديعة: في كل مرة.. أوعى تنزعج.
عمران: صار اللي صار متل ما عم تقولي.. أنا رايد أعرف الوقائع لا غير.
بديعة: ماشي الحال ياعمران.. ومشان الوقائع.. الجواب نعم، كان يجيب هدايا.
عمران: متل إيش؟
بديعة: مجرد هدايا.. زجاجة عطر.. شكلة شعر.. جزدان، وردة حمرا.. إلى آخرهِ..
( كأنه يتعذب.)
بديعة: شايفتك مزعوج، أرجوك خلينا نقعد نشرب القهوة وننسى اللي صار.. لأنو صار اللي صار. انت جاية مشان البيت؟
عمران: خلينا في موضوعنا، بعدين منحكي مشان البيت. وكنتي تفرحي بالهدايا.. مو هيك؟
بديعة: تقريباً.
عمران: تقريباً والا بالضبط؟
بديعة: نوعاً ما..
عمران: بس كنتي اتحبي الهدايا. أنا ما كان معي مصاري أشتريلك هدايا. هو كان معو مصاري.
بديعة: في البداية المصاري ما كانت على بالي.. كنت باحبك إلك.
عمران: على كلٍ، رغم كنت فقير، أنا اللي اشتريت لك شكلة الشعر وجبتلك الوردات الحمر، مو هو.
بديعة: آه.. صحيح.. فعلاً. أنا آسفة، اختلط علي الموضوع.
عمران: مافي مشكلة.. هداك الوقت كنتي تحبي تروحي على السينما.. كان ياخدك على السينما؟
بديعة: أخدني على السينما.
عمران: كم مرة؟
بديعة: مستحيل اتذكر.. إشو هالسؤال؟
عمران: لازم أعرف يا بديعة.. سؤال مهم بالنسبة إلي.
بديعة: خايفة عليك تتعذب أكتر.
عمران: بالعكس.. اتعذبت بما فيه الكفاية.. أجا الوقت اللي لازم بقا ارتاح.. أعرف كل شي وأرتاح. طيب رح اسألك بطريقة تانية وانتي جاوبيني أرجوكي.. أخدك على الفيلم الهندي "جنكلي" ؟ لشامي كابور؟
بديعة: أخدني على فيلم جنكلي.
عمران: كم مرة؟
بديعة: شلون يعني كم مرة؟..
عمران: كم مرة يعني كم مرة.. بوقتها، هالفيلم شافوه الناس أكتر من مرة.. أخدك مرتين تلاتة، اربعة؟
بديعة: أكتر من مرة، بس مابقيت أعرف عدد المرات.
عمران: أنا أخدتك مرتين على فيلم جنكلي.
بديعة: انت اللي أخدتني مرتين والا هو؟ كنت مفكرة هو.. هلق اتذكرت.. شفت الفيلم خمس مرات.
عمران: هادا يعني أنا أخدتك مرتين وهو تلات مرات.
( تحاول التذكر.. يختلط عليها الشخصان في ذلك الوقت.)
بديعة: مين أخدني على فيلم " الخطايا" لعبد الحليم حافظ؟
عمران: اسألي نفسك.
بديعة: بدأت أخربط بينك وبينو. الأفضل انغير الموضوع.
عمران: كنت باتمنى أكون أنا الوحيد اللي محتل ذاكرتك.. الحب، يعني الاستئثار بالذاكرة.. وعدتك انو ما أزعل ويكون حديثنا عادي.. يعني للمعرفة وبس. أنا يا بديعة اللي أخدتك على فيلم الخطايا.. وبريد اذكرك أكتر.. بوقتها بكيتي في الفيلم، خصوصي لما عماد حمدي طرد عبد الحليم وفهمو انو هو مو ابنو. عطيتك محرمتي وصرتي تمسحي دموعك فيها وخليتيها معك. بعدين آخدتها منك مشان احتفظ فيها للذكرى لأنها امتصت دموعك الطاهرة.
( موقف مشحون.. )
بديعة: واحتفظت فيها؟
عمران: طبعاً.. انتي صنعتي ذكرياتي الأولى، هالمحرمة كانت اتذكرني بكل التفاصيل.
بديعة: أنا آسفة.. (تكاد تغص) خلينا نتوقف.. ما عدت أحسن استمر.. رح أكون صريحة معك. هالذكريات صارت اتسبب لي ألم.. متل تأنيب الضمير.. أو الشعور بتصرف أخرق عملتو لما كنت صغيرة وغبية.. خلينا نحكي بالبيت، بعد شوي رح يرجع عبد.
عمران: امتى بيرجع في العادة؟
بديعة: الساعة تنتين ونص.
( ينظر في ساعة يده، يطمئن.)
عمران: بكير لسه.. بكير كتير. أنا ماني رايد أقابلو، رح أمشي قبل ما يوصل، بس لازم نحكي يا بديعة. طول ما أنا في الخليج كنت عم أخلي عقلي يتصور انو أنا وانتي متقابلين.. متل هلق، وجهاً لوجه وعم نحكي.. كنت أحلم بهالشي.. مو بس أحلام عادية.. أحلام يقظة كمان. كنت طول الوقت اتصور نفسي عم أسألك عن الحقيقة.. إش صار بالفعل، لأني كنت قاعد عم أخطط لحياتنا سوا.. عم أشتغل ليل نهار حتى أحسن آخدلك بيت محترم بالإيجار وأحسن أفرشو.. وفجأة انهارت كل أحلامي.. صديقي خطف مني حبيبتي وخطيبتي.
( هي محرجة.. تتمنى ان تنشق الأرض وتبتلعها.)
بديعة: ما باعرف إش أقول..
عمران: على كلٍ ما في ضرورة تتألمي.. كل اللي بدي ياه هو انو أعرف إش صار.. أنا كنت عم اتألم لأني ما كنت عارف شلون صار اللي صار.. إذا عرفت يابديعة رح أرتاح. انتي معي، ما هيك؟
بديعة: (لا تريده ان يتألم) أنا معك ياعمران..
عمران: إش كانوا يقولوا أهلك..؟
بديعة: عن إيش؟
عمران: عني وعن عبد.
بديعة: اعفيني يا عمران من هالسؤال.
عمران: ضروري تجاوبيني يا بديعة.. اللي محيرني انو امك وأبوكي كانوا موافقين.. كانوا بحبوني، فشلون وافقوا على جيات عبد لعندكن على البيت.. وتروحي معو على السينما كمان.. شلون كان يسمح لك أبوكي؟
بديعة: يعني أقول؟
عمران: طبعاً.. أنا مستغرب.
بديعة: كان أبي بريدك إلك وأمي بتريد عبد..
عمران: (باستغراب شديد) أمك؟
بديعة: نعم، أمي..
عمران: كانت تمدحني، تقول لي يا صهري العزيز.. اتدللني لما أجي لعندكن.. تقول لي اليوم طابختلك ملوخية.. الأكلة اللي كتير بتحبها.
بديعة: امي كانت مع زواجي من عبد.
( يكاد ينهار.. يجلس ويضع رأسه بين يديه. تمر فترة.. هي تتقرض. يرفع رأسه وكأنه يهمس.)
عمران: طيب ليش؟
بديعة: خليني ما أحكي.. ارجوك.
( يعود للنهوض.)
عمران: احكي أرجوكي.. نوريني يا بديعة أبوس ايدك.
بديعة: امي كانت بتحبك كشخص..
عمران: شلون يعني؟
بديعة: يعني ياعمران.. امي كانت بتحبك، بتقدرك.
عمران: خلص.. امك بتحبني وبتقدرني.. وابوكي ما في شك كان يحبني.. ففين العقدة؟ ليش كانت مع زواجك من عبد؟
بديعة: امي كانت بتريد عبد لأنو ابن عيلة.. الله يخليك لا تزعل مني ومن ماما الله يرحمها.. كانت بتريدو إلو لأنو أهلو مليانين.. يعني أغنياء.
( كأنه اكتشف ما يرضيه.)
عمران: إذن لأنو عبد غني وأهلو مليانين..
بديعة: بالضبط.
عمران: ومو بس انتي كنتي تنبسطي على هداياه.. وأمك الله يرحمها كانت بتريدو لأنيه غني؟
بديعة: بالضبط.
عمران: بس أبوكي الله يرحمو كان بصفي.
بديعة: ومشان هيك، وحتى ما يتقاتلوا لمين بدن يجوزوني.. قرروا يتركوني أفكر..
عمران: وفكرتي؟
بديعة: كتير.
عمران: وشلون كنتي تفكري؟
بديعة: يعني شلون كنت أفكر..؟ كنت أفكر.. اخدت فرصة أفكر.
عمران: كنت أجي لعندكن بوقت ويجي عبد بوقت تاني.
بديعة: هيك كان يصير.
عمران: كنت أجي وأشوف نفس الترحيب.. وأمك تطبخ لي الأكلات اللي بحبها وبعدين أقعد ألعب مع أبوكي دق طاولة. نمزح ونضحك.. نقعد لحالنا على الفرندة ونحكي وانخطط لمستقبلنا.
بديعة: نعم.
عمران: كنتوا تودعوني متل ما تستقبلوني.. حتى توقفي معي على الدرج شوية واتوصيني أدير بالي على حالي.
بديعة: بالضبط.
عمران: وإذا غبت يومين على بعض كنتي تتصلي فيني بالتلفون على الشركة حتى تطمني علي وتطلبي مني أعدي عليكن لأنو الماما والبابا مشتاقين إلي..
بديعة: فعلاً.. هادا اللي كان يصير.
عمران: ونفس الشي كان يصير مع عبد؟
( حقيقة مرة تجعلها تتقرض.)
بديعة: خلينا مانحكي ياعمران.
عمران: لازم نحكي يا بديعة.. جاوبيني.
بديعة: هيك كان يصير.
عمران: وامتى خلصتي تفكير؟
بديعة: في الشتا.. لما كنا راجعين أنا وعبد من فيلم" من أجل أولادي" كنت زعلانة كتير على الأم اللي كانت تحاول انقاذ اولادها من الغرق في الفيضان.. كنت بكيانة.
عمران: معناها رحتي شفتي الفيلم مع عبد؟
بديعة: نعم.
عمران: بس أنا عرضت عليكي نروح انشوفو سوا فقلتي لي انك سمعتي عنو انو بزعل وما بدك تشوفي هيك أفلام بتزعل.. طلبتي آخدك على فيلم بضحك..
بديعة: وأخدتني على فيلم أمريكي بضحك.
عمران: وليش كذبتي علي.. ليش ما ردتيني آخدك على الفيلم الهندي؟
بديعة: كان عبد حاجز بطاقات وخالص.
( يغار وينقهر. يكظم غضبه.)
عمران: وليش طيب خلصتي تفكير بعد ما شفتي الفيلم؟
بديعة: ما باعرف ليش.. كنت خايفة من الفقر.
عمران: اللي هو أنا.
بديعة: انت ما إلك علاقة.. قلت لحالي الفقر كافر وعبد رح يأمن لي كل شي.
عمران: ووافقتي عليه.
بديعة: نعم، وافقت على عبد.
عمران: وقلتي لو أنا موافقة والا حكيتي لامك وابوكي؟
بديعة: سألني ونحن راجعين.. كنا عم نتمشى. قال لأمتى رح يستنى لآخد قرار.. فقلت لو قربت. فرح كتير. وفي البيت خبرت امي تحكي مع ابي اني قررت آخد عبد.
عمران: وتتخلي عني..
بديعة: هادا اللي صار.
عمران: وبعدين؟
بديعة: وبعدين بعت بابا الله يرحمو على عبد. أجا قابلو وخبرو يبعت أهلو..
عمران: وبعت علي أنا كمان.
( بديعة تشعر بالخجل.)
بديعة: (توافقه) مم..
عمران: كنت رح أموت.. ما كان في أي مقدمات. كل شي كان متل السمن علىالعسل. حتى قبل يومين كانت أمك عازمتني على أكلة مسقعة خضار مشكلة وكانت عاملة شوربة العدس. كانت طول الوقت تمدح أخلاقي ونشاطي وتقول صهري عمران ما في متلو..
بديعة: لا تظلمها الله يخليك.. كانت فعلاً بتعزك كتير.
عمران: (بحدة ولكن بصوت خافت) ليش كانت عم تكذب علي؟ انتو كلتكن كذبتوا علي.. لو كنت أعرف انو في احتمال عشرة بالمية ترفضوني كنت انسحبت لحالي. طلبني ابوكي فرحت.. (يكاد يبكي) كنت محسب انو باعت علي مشان انحدد موعد كتب الكتاب. لبست طقمي وحطيت الكرافاة اللي هديتيني ياها في عيد رأس السنة. كنت رايح لعندو وأنا مبسوط.. حلم حياتي رح يتحقق، اتجوز الانسانة اللي بحبها.
بديعة: (تتعذب) خلص.. أرجوك اسكت.
عمران: استقبلني استقبال فيه نغمة جديدة.. كأنيه كان متحفظ أو خجلان أو بضمير معذب.. صار يدخل ويطلع بمواضيع عجيبة غريبة ما بتبشر بالخير.. بعدين قال لي الدنيا قسمة ونصيب.. والزواج نفس الشي.. بدأ الفار يلعب بعبي. كان لازم يدخل في موضوع موعد كتب الكتاب. إش دخلنا بالقسمة والنصيب ما دمت رح أحصل عليكي..؟ الخسرانين بس بيحكوا بالقسمة والنصيب. الناجح شاطر والخاسر حظو سيء.. قسمة ونصيب.. (فترة) في الأخير قال شوف يا عمران يا ابني.. مافي نصيب. سكت أبوكي، لو كان حكى كلمة تانية كان رح يختنق.. ما عرفت إشي القصة. سألتو حتى أأكد احساسي انو أنا مطرود من بيتكن، سألتو: ما في نصيب بإيش ياعمي.. استغرب.. رحمة الله عليه.. قال: ما في نصيب بإيش؟؟ استغرب كتير، حينها اضطر يحكي بشكل مباشر. قال شوف يا عمران ياابني، انت شب منيح و ألف مين بتتمناك.. انس بديعة. بعدين مد ايدو وطالع محرمة ملفوف فيها قطعتين الدهب اللي كنت هاديكي ياهن.
( تبكي بديعة بصمت.)
عمران: مسكتهن وقمت. كنت متل المنوم. كنت مصدوم يا بديعة. قبل ما أطلع اندرت نحو ابوكي متل المنوم وسألتو، لمين بدكن تعطوها.. كان طارق راسو في الأرض. جاوبني وهو على هالشكل. قال لسه ما فكرنا.
( يهجم على بديعة ولا يلمسها.)
عمران: كذب علي..
بديعة: (وهي تبكي) ما كان بيحسن يقول شي هداك الوقت.. إش يقول لك.. رح انجوزها لرفيقك عبد؟
عمران: ولو..
بديعة: ما بيحسن.. كان بحبك ومن طرفك. أنا وأمي فرضنا هالشي. أنا وأمي ردنا عبد.
عمران: (يردد بقهر) عبد.. عبد (يجلس) عبد..
( يضع رأسه بين يديه متألماً. نرى دموع بديعة وهي تتطلع اليه بقلق. فجأة ينتبهان إلى جرس الباب.)
جرس الباب
( ماذا تفعل؟ هو ينهض.)
عمران: مين هاد.. عبد؟
بديعة: ممكن.. إذا كان هو إش رح تعمل؟
عمران: رح أواجهه.
بديعة: بلا الله يخليك.. شي صار وصار..
الجرس مرة ثانية
( تدخل الخادمة لتفتح الباب. توقفها بديعة وتعطيها تعليمات بصوت خافت.)
بديعة: إذا حدا جاية زيارة قولي لو المدام مايهون.
الخادمة: حاضر.
( تذهب الخادمة وتفتح الباب. الاثنان ينتظران. نسمع صوت رجل ونحن نتابع عمران وبديعة.)
الخادمة: أهلا وسهلا..
...: أخدنا موعد بالتلفون مشان نشوف البيت.
الخادمة: هلق ما في حدا.
...: بس أخدنا موعد.
الخادمة: لا تواخذنا.. أصحاب البيت برا.
...: طيب، رح نتصل مرة تانية.
الخادمة: مع السلامة.
( نلاحظ الارتياح على عمران وبديعة بينما الخادمة تغلق الباب وتأتي.)
الخادمة: جايين مشان البيت.
بديعة: سمعت.. يعطيكي العافية.
الخادمة: الله يعافيكي..
( ينتظرانها لتخرج، الخادمة ترى بأن القهوة لم تمس.)
الخادمة: بتريديني ياستي ارجع أغلي القهوة؟
بديعة: ما في ضرورة يا سلمى.. روحي انتي.
الخادمة: حاضر.
( تخرج الخادمة، وتمر فترة صمت. ينهض عمران. بديعة واقفة في الزاوية تنظر اليه.)
عمران: انتي ما كنتي بتحبيني يا بديعة.. مع ذلك سمعتيني عدة مرات انك بتحبيني.. حتى بالعلامة، كتبتي لي على كتاب " غصن الزيتون" لعبد الحليم عبد الله اللي عرتك ياه.. كتبتي انك بتحبيني.
بديعة: كنت بحبك ياعمران.
عمران: اللي بحب بيتجوز اللي بحبو.
( ليس لديها ما تقوله، كلامه بات. يتجول في الغرفة، هي تتابعه.)
عمران: كان عندي كرامة.. أو ممكن تقولي كرامتي كانت غالية علي فما بعتت أية واسطة لعندكن.. اكتفيت بالصمت ومحاولة حل كل ألغاز ما جرى.
بديعة: بس انت حكيت مع عبد.
عمران: صحيح، كان صديقي الصدوق.. صديقي الحميم اللي ممكن يسمعني ويشوفني وأنا عم اتألم ويحاول يساعدني ويوقف معي. رحت لعندو وحكيت لو كل اللي صار.. كنت عم أسألو أكتر من عم أحكي معو.. كانت الأسئلة عم تطلع على لساني لحالها. (بألم) المشكلة انو أخونا عبد ساوى حالو ما لو خبر.. تصوري استغرب اللي صار. حتى صفر بتمو من استغرابو.. كان ممثل كبير أخونا عبد. ولما بكيت عطاني محرمتو مشان أمسح دموعي.
بديعة: بكيت؟
عمران: (ببطء) بكيت.. نعم.. ليش مستغربة؟
بديعة: انت بعمرك ما بكيت.
عمران: هالمرة بكيت، ومسحت دموعي بمنديل عبد. تصوري.. وكمان ربّت على كتفي حتى يهديني.
بديعة: ماكان لازم تبكي مشان وحدة مرا..
عمران: فعلاً.
بديعة: وامتى عرفت؟
عمران: بإيش؟
بديعة: بخطبتنا أنا وعبد؟ لا أنا ولا هو استرجينا نبعتلك خبر.
عمران: أمي الله يرحمها عرفت من بعض المعارف. خبت علي الخبر المسكينة.. كانت شايفتني عم اتعذب. كنت أقول فينك ياعبد تجي حتى اتهون علي. كانت بتعرف ليش عبد ما عم يجي لعنا.. كنت أنا أروح لعندو. يمكن كان يتمنى ما أجي. بعدين قالت لي.. شوف ياعمران، انت طول الوقت عم تسأل عن رفيقك عبد.. انساه. انت أحسن منو بميت طاق. هو اللي خطف منك خطيبتك. ما صدقت في البداية.. معقولة؟ معقولة يساويها عبد؟ أتاري الخبر صحيح.
بديعة: وامتى فكرت تسافر؟
عمران: فوراً، حسيت اني باكره المدينة واني لازم أتركها.
بديعة: كان لازم تتجوز يا عمران.
عمران: كنت كرهان النسوان.
بديعة: كنت..؟ وبعدين؟
عمران: أنا ما اتجوزت أبداً.. ضليت عزابي.
بديعة: معناها لهلق بتكره النسوان؟
عمران: لأ.. هلق بأكره المصاري.
بديعة: (تزفر) المصاري.. المصاري..
( يتحول الآن الاهتمام. يشير إلى الجريدة وإلى فضاء المنزل.)
عمران: على فكرة.. خلينا نحكي شوي عن أمورك. ليش ناشرين اعلان في الجريدة مشان بيع البيت؟ ليش مفكرين تبيعوه؟ هادا بيت ظريف. أول ما وقفت السيارة قدام البناية حبيت السكن فيها. قلت لحالي ياريت يصير من نصيبي.. ما كنت باعرف انك نفسك عارضة بيتك للبيع. أقول بصراحة؟ غرف قلبي على البناية.. حسيت بلهفة.
( تبتسم وتتحرك. انتهت المحاكمة.)
بديعة: بلهفة آ..؟
عمران: اي والله.. ليش بدكن تبيعوه.. البيت ممتاز. كم غرفة؟
بديعة: سبع غرف وحمامين.
عمران: عظيم، بعد شوي لازم تفرجيني على كل الغرف. أنا متشجع اشتريه مادمتي رايدة تبيعيه.. حلو السكن في بيت الحبيبِ الأولِ (يشكّل الكلمات)
( ضحكة صغيرة، هناك أسى أيضاً، فهو لا يعرف بعض الأشياء.)
بديعة: باين عليك وفرت مصاري منيحة بشغلك في الخليج.
عمران: على قد الحال.
بديعة: وبأي قطاع كنت عم تشتغل؟
عمران: قطاع النفط.
بديعة: ما شاء الله.. وليش عم تتواضع، صيت غنا ولا صيت فقر.. ما هيك بقولوا ياعمران؟
عمران: (يلمز من طرفها) طول عمرك بتحبي المصاري.
بديعة: (تهزأ من نفسها) قسمتي ونصيبي.
عمران: وأديش مفكرين تطلبوا بالبيت؟
بديعة: أديش رايدين انبيعو؟
عمران: بالضبط.
بديعة: عشرة ملايين.
( يتجول ليتفرج على الصالون والفرش ثم إلى الخارج عبر النافذة.)
عمران: عشرة ملايين..
بديعة: نعم.. كتير؟
عمران: وفين رح تسكنوا.. شتريتوا فيلا؟
بديعة: لأ.. مو فيلا.. أقل شوي.
عمران: بيت في منطقة أفضل؟
بديعة: أقل شوي.
عمران: بس ما تقولي انكم رايدين تهجروا البلد.
بديعة: لأ، طبعاً..
عمران: لكان إشي القصة؟
بديعة: قبل ما أجاوبك ياعمران.. بتعتقد رح يجيب لنا هالسعر؟
عمران: ما أظن.. أسعار العقارات في نزول يابديعة.
بديعة: والمعروض دائماً مذلول.. ما هيك؟
عمران: ما هو ضروري.
بديعة: رح أكون صريحة معك.. تقديرك صحيح.. العقارات في نزول وما حدا دفعلنا نص المبلغ اللي طالبينو. مشان هيك اضطرينا نعلن في الجريدة بعيداً عن دلالي العقارات.
عمران: خلص.. انتو ما لازم تستعجلوا في بيعو، استنوا فرصة أفضل، ممكن يتحسن السوق.
بديعة: بس نحن مضطرين.
( إذن هناك مشكلة، ويبدو انه بدأ يشعر بها.)
عمران: وليش مضطرين..؟ في شي.. لا سمح الله؟
( كيف ستقول له؟ هناك احراج كبير وخجل.)
بديعة: رح تشمت فيني يا عمران؟
عمران: اشمت فيكي؟ أنا مستحيل أشمت فيكي.. مهما صار مستحيل. ليش ما بتحكي لي بصراحة؟
بديعة: خايفة.
عمران: انتو محتاجين شي لمصاري؟
( سهّل عليها الموضوع، ستقول بشجاعة اكبر. تعطيه ظهرها.)
بديعة: عبد أعلن افلاسو.. علينا ديون كتيرة.
عمران: (متفاجئاً) افلاسو.. ديون؟
بديعة: (تستدير اليه) نعم.. عم نبيع كل شي. صرنا على الحديدة.
عمران: (يهتم كثيراً) شلون.. ليش؟
بديعة: منرجع للقسمة والنصيب.
عمران: بس عبد شاطر.. طول عمرو كان بيعرف أصول التجارة.. كان إذا اشترى تراب بيربح فيه.
بديعة: كان.. بس الدنيا بتتغير. راد يطور أعمالو.
عمران: احكي لي ارجوكي.. لازم تحكي..
جرس الهاتف
( يقاطعه جرس الهاتف. تقترب بديعة وتأخذ السماعة.)
بديعة: آلو نعم.. (تنظر إلى عمران) أهلاً عبد..
( انتباه شديد من قبل عمران، يقترب من بديعة. يشير متسائلاً إن كان فعلاً عبد. تهز له رأسها ان نعم بينما تتكلم.)
بديعة: ما عم أعمل شي.. قاعدة.. أجا حتى الآن تلات أشخاص شافوا البيت.. عم يقولوا السعر عالي.. لسه ما اجوا شالوا باقي الموبيليا.. انت امتى جاية؟.. بعد شوي؟.. حاول تتأخر شوي لأنو عندي ضيفة..
( عمران يشير لها ان تتركه يأتي. هي لا تأبه له.)
بديعة: لا تاكل هم.. رح انبيع البيت بسعر نحسن نوفي الديون.. أنا متفائلة.. مع السلامة.. الله يسلمك.
( تغلق الهاتف، يبادر عمران فوراً معاتباً بحدة.)
عمران: كان لازم تقولي لو يجي فوراً.. أنا لازم أشوفو.
بديعة: ما رح تشوفو يا عمران.
عمران: لازم أواجهو.
بديعة: ما رح تواجهو.. ما بدي ياعمران الله يخليك، اللي فينا مكفينا.
( يتركها، هي في ورطة فيتفهمها.)
عمران: اي.. كنتي عم تقولي شي عن تجارة عبد.
بديعة: أي تجارة ياعمران..؟ الشغلة حتى الآن غير مفهومة بالنسبة إلي.
عمران: شلون؟
بديعة: استلم رسالة في أحد الأيام من نيجيريا.
عمران: (يبدو انه يخاف ان يكون حدسه صحيحاً) بس ما تكون..؟
بديعة: الظاهر عندك معلومات عن هيك رسائل.
عمران: كملي أرجوكي.
بديعة: الرسالة من شركة مهمة وكبيرة.. شركة استثمارات كبيرة عم يعرضوا عليه فرصة للاستثمار ما بعرف فين.. وعم يغروه بأرباح كتيرة.. تقريباً تلات أضعاف.
عمران: (يصدق حدسه) مفهوم.
بديعة: كان المطلوب منو يفتح حساب في بنك أجنبي ويحط فيه مبلغ كبير من المال ويوقع بعض الأوراق. درس الموضوع منيح، راسل بعض البنوك ومكاتب استشارية.. كل شي كان بطمئن.
( عمران متجمد.)
بديعة: جمع إش في معو أموال.. باع إش في عندو بضائع.. أخد قروض من أصدقاؤه.. حتى شغل أموال بنسبة ربح عالية..
عمران: (يكمل عنها) حولهن إلى دولارات وحطهن في بنك متفق عليه.
بديعة: بالضبط.
عمران: وبعد مدة انسحبوا المصاري.. وطلعت الشركة وهمية.
بديعة: وانت كمان صار فيك نفس الشي؟
عمران: لأ يابديعة.. سمعنا كتير عن طرق النصب متل هاي.. حتى كانت الحكومات تنبه مواطنيها من هيك رسائل.. إذن، وقع عبد.
بديعة: وخسرنا كل شي وتجارة عبد توقفت، والناس عم يلاحقونا، بدهم مصاريهم.
عمران: وهلق مضطرين تبيعوا البيت مشان توفوا ديونكم.
بديعة: البيت والسيارة والمزرعة (تشير إلى فراغ الصالون) والفرش والفضيات.. تعب العمر.
عمران: والمصادفة قادتني لعندك لحتى أنا أشتري بيتك يابديعة.
بديعة: شوف النصيب.. لكن المشكلة يا عمران انو أسعار العقارات في نزول متل ما قلت والمصاري اللي رح تجينا ما رح نحسن نوفي فيها كل ديونا.. يعني رح نصير تحت خط الاستواء..
عمران: شي خطير يا بديعة.
بديعة: ما بيطلع شي بالايد.. الدنيا متل مالك شايف، يوم إلك يوم عليك.. فضلت رفيقك عبد عنك لأنو غني.. هلق انت الغني وهو الفقير.. قصدي نحن.
( كأنه يفكر، يجلس مكانه امام فنجان قهوته ويرفع فنجانه ليرتشف منه.)
بديعة: بتحب أخلي سلمى ترجع تغلي لك فنجان جديد؟
عمران: (وهو يزفر) مافي ضرورة يا بديعة.. طول عمري بحب أشرب قهوتي باردة.
( تقترب لتجلس هي الأخرى ولكن جرس الهاتف يوقفها.)
جرس الهاتف
( تذهب إلى الهاتف وتأخذ السماعة. عمران يرتشف قهوته وهو ينظر اليها.)
بديعة: ايوه..؟ آلو نعم؟.. أنا مدامتو.. مين؟ أهلين استاذ.. بدك ما تواخذنا.. تأخرنا شوي بس نحن عم نسعى.. مصراتك رح تصلك على آخر مليم.. تكرم عينك بس انت امهلنا كم يوم.. لو تعرف مقدار المصيبة.. عم انبيع كل شي مشان ندفع الديون.. عبد رح يتصل فيك.. طيب إذا بدك اتصل فيه انت بعد تلات أيام.. مع السلامة.
( تغلق الخط. تراه ينظر اليها فتشير بيدها إلى الهاتف وهي تريد ان تقول: شايف بنفسك. )
عمران: دائن.. ماهيك؟
بديعة: كل يوم عشرين تلاتين تلفون.. ليل نهار.
عمران: أنا حزين عليكن.
بديعة: الانسان مجبول على الطمع. لا تزعل..
( تجلس وتأخذ فنجانها.)
عمران: لا تقولي هيك كلام.
بديعة: ما بشبّع الانسان إلا التراب.
عمران: الانسان مغامر بطبعو.. وكل مغامر معرض للنجاح أو الفشل.
بديعة: المغامرة غير الطمع.. في فارق.
عمران: منسمي المغامرة طمع بعد ما بتفشل.. لو كان جوزك نجحان في مغامرتو كنا قلنا عنو شاطر.
( تشرب من فنجانها وهو يراقبها.)
بديعة: فعلا.. القهوة الباردة طيبة.
عمران: وبعدين.. شلون بدكن اتدبروا حالكن؟
بديعة: شلون يعني؟
عمران: شلون بدكن تعيشوا.. فين بدكن تسكنوا؟ شلون بدكن تاكلوا.. تشربوا.. لازم عبد يرجع يشتغل شغلتو الأساسية.. لازمو رسمال.
بديعة: الأول نطلع من هالورطة. ثم لكل حادث حديث.
( ينهض ويبتعد قليلاً، ظهره لها حينما يقول.. يعرف ان عرضه خطير.)
عمران: أنا مستعد أطالعكن من هالورطة.
( عرض يلفت انتباهها. تنهض.)
بديعة: لو تعرف الحرج الليحاسة فيه.. ما كان لازم تشوفني بهيك ظروف.. انت مالك مجبر يا عمران.
( يواجهها، نرى تعابيره الصادقة.)
عمران: أنا كنت بحبك.. وما زلت للآن بحبك يابديعة.
بديعة: (تصده) أرجوك يا عمران.
عمران: أنا طول عمري ما اتجوزت لأني كرهت النسوان، ولأني ما بحب غيرك.
بديعة: أنا هلق متجوزة.. وهيك كلام مع امرأة متزوجة ممنوع، خصوصي بعد ما عرفت مشكلتنا.
عمران: باعرف. مشان هيك رح أعرض عليكي.. وعليه.. عرض.
بديعة: عرض.. إشو هو؟
عمران: آخد البيت بالسعر اللي انتو رايدين تبيعوه فيه.. يعني عشرة ملايين ليرة.
بديعة: إشو هالحكي ياعمران.. البيت حتى الآن ما جاب لنا خمسة ملايين.. السعر نازل أكتر من النصف.
عمران: بس أنا عم أعرض المساعدة على عبد.
بديعة: بس انت خسران.
عمران: خسران نعم.. بس العشر ملايين رح تحل مشاكلكن مع الديّانة. صحيح؟
بديعة: رح اتحل نعم. بعد ما بعنا السيارة والمزرعة والفرش وغيرو وسواتو..
عمران: عظيم.. يعني الديون البقيانة حوالي العشر ملايين.
بديعة: حوالي التمان (ثمانية) ملايين.
عمران: وأنا رح أشتري البيت بعشر ملايين.. يعني رح يبقى مليونين لعبد حتى يرجع يتاجر ويبني نفسو من جديد.
( تشم رائحة شيء معين.)
بديعة: مقابل إيش يا عمران؟
( يعود للجلوس مكانه.)
عمران: المقابل ما بينحكى إلا بين رجال.. رح أقعد استنى عبد.
بديعة: أنا اللي عم تتحمل حماقات عبد.. العرض لازم ينحكى قدامي الأول.. لازم أوافق أنا الأول.
( يتطلع فيها مستغرباً موقفها. كان يتوقع التهليل من قبلها.)
عمران: غريبة انتي يا بديعة.. كنت محسبك رح تنبسطي مني.. إش صار فيكي؟
بديعة: قلبي محسسني انو عرضك بخصني أنا.
عمران: مجرد بيزنس يا بديعة.
بديعة: حتى ولو بيزنس.. عبد ابتداءً من الآن لازم يستشيرني بكل شي بيعملو.. حاجتنا بهدلات.
عمران: ما استشارك لما راد يستثمر في الشركة النيجيرية؟
بديعة: ما استشارني..
عمران: بس عرفتي بالموضوع.
بديعة: طبعاً عرفت.. من أوله.
عمران: وليش ما منعتيه؟
( هي في خانة اليكْ.)
بديعة: ما منعتو.. أنا ما عم اتخلى عن مسؤوليتي.. وأنا كمان مسؤولة.
عمران: يعني انتي شريكتو.
بديعة: بتحسن تقول هيك.
عمران: انتي انسانة رائعة يابديعة.. حتى ولو كان مستشيرك فما كان رح يسمع لكلامك. كان رح ينفذ اللي في عقلو.. عبد وأنا باعرفو.. مشان هيك ما لازم اتحملي حالك مسؤولية زيادة.
بديعة: ما قلت لي ياعمران.. إش بتطلب مقابل خدمتك إنا؟.. لقاء العشرة ملايين؟
( ينظر اليها ملياً ثم ينهض اليها، انه الآن عاشق متيم.)
عمران: بديعة.. اسمعيني منيح.
بديعة: (بحرص شديد) تفضل.
عمران: أنا ماني رايد أكون حقير.. بس أنا لسه بحبك، واليوم بالذات اكتشفت اني بحبك أكتر من أي يوم سابق.
بديعة: أرجوك..
( يقاطعها فوراً.)
عمران: رغم انك انتي وعبد أخدتوا مني أحلى شيء في حياتي.. ان أعيش مع المرأة اللي بحب.
( تدير له ظهرها.)
بديعة: ...
عمران: أنا مستعد أحل مشاكل عبد.. إذا..
( تستدير وتنظر في وجهه.. تريد ان تراه حين يقول شرطه.)
بديعة: إذا..؟
عمران: إذا بوافق يطلقك.
( تستفظع شرطه.)
بديعة: يطلقني؟
عمران: تماماً.
بديعة: وليش؟
عمران: أنا لسه بحبك.
بديعة: مشان تتجوزني؟
عمران: بالضبط.
( فترة.. تتطلع فيه باحتقار.)
بديعة: لو ما كنت عمران.. كنت قلعتك من بيتي.
عمران: لا تتسرعي وتحتقريني.. أنا ما عم أعمل شي غلط.
بديعة: كل هاد ومو غلط؟ (بحدة) هاي حقارة ياعمران، انت جاية تصطاد بالمي العكرة..
عمران: انتي اعترفتي انك اتجوزتيه مشان مصاريه.. كنتي إلي يا بديعة.. كنا منحب بعض، بس لأنو كنت فقير وهو غني تركتيني واتجوزتيه.. وهلق لأنو هو فقير وأنا غني لازم اتطلقيه وتتجوزيني.
بديعة: وحدة بوحدة ياعمران؟
عمران: لا .. أرجوكي. كل ما هنالك، زال السبب اللي خلاكي تتركيني وتاخديه. هلق أنا اللي عندي هادا الشيء اللي خلاكي تفضليه عني.
( هي مرتبكة ومحتارة وضائعة. تجلس وكأنها تنهار. تخبئ وجهها بين يديها. يقترب منها ويستمر.)
عمران: أوعي تفكري اني صرت حقير.. أنا جاية استرجع حقي. والحق ممكن ينشرى شرا.. الحق يفتدى بالروح، والمال متل الروح.. بسعر الروح. لو تعرفي أديش عانيت لأنك تركتيني واتجوزتي رفيقي.. صديقي الحميم.. اتفقنا مشان مصراتو مو مشان لأنك حبيتيه أكتر. لأنك شفتي الفيلم الهندي "من أجل أولادي" خفتي من الفقر.. خفتي مني لأني فقير. هلق أنا غني يا بديعة. رح أشتري البيت وأخليكي فيه. إذا بدك ممكن أرجع اشتري نفس الفرش والموبيليا والفضيات والتحف والبيانو.. رح نتجوز وانعيش بسبات ونبات. صرنا كبار يا بديعة، صار بقا من الضروري انعوض اللي فات.. أنا..
(صوت انصفاق الباب)
(يدخل عبد ويقف قرب الباب. ينتبهان لوجوده، ينظران جهة الباب وهما محافظان على وضعيتهما. انه في نفس عمر عمران. يتفاجأ بوجود الرجل وبالحالة التي هما فيها. يبدو ان بديعة قد بكت فهي الآن تمسح دموعها. عبد لم يتعرف على عمران فوراً. يقترب. تنهض بديعة.)
عبد: إشي القصة..؟ خير ان شا الله؟.. مين جنابو؟
( يبتسم عمران ويقترب منه ماداً يده.)
عمران: سلامات ياعبد.. ماعرفتني؟
( مع ذلك يصافحه عبد ويقترب من التذكر. تتدخل بديعة.)
بديعة: هادا عمران ياعبد..
( يحاول عبد اخفاء حرجه وورطته.)
عبد: عمران..؟ بعد زمان.. شلون جيت.. قصدي امتى جيت؟.. امتى رجعت من الخليج؟
عمران: على مهلك علي يا رجل.. (يفتح ذراعيه) أنا جاية من السفر.. على الأقل اترحب فيني على المزبوط.
( يحضنه. عبد وهو باحضان عمران يبدي استغرابه لزوجته التي تقف امامه. ينفصلان.)
بديعة: صدفة ياعبد.. عمران قرا اعلان الجريدة وجاية يشتري بيتنا.
عبد: بس نحن..
عمران: لاتنحرج ياعبد.. بديعة حكت لي على كل شي.
( عبد يتمنى ان تنشق الأرض وتبتلعه.)
عبد: كل شي؟ شلون يعني؟
بديعة: وفرت عليك الكلام.. رح اترككن تتفقوا. أنا داخلة أساعد سلمى بالغدا.
( تخرج بديعة. انهما ينظران باتجاهها. يتواجهان، عمران يحاول ان يبدو لطيفاً ومتفهماً بينما عبد في ورطة وبهدلة.)
عمران: بعد زمان ياعبد.. أنا شتقت لك.. طبعاً إلك ولبديعة..
عبد: أنا لازم أشرحلك ظروف زواجنا و..
عمران: (يقاطعه) بديعة شرحت لي كل شي.. مافي ضرورة. خلينا نحكي في المهم.
عبد: إش شرحت لك بديعة.. وليش كانت عم تبكي؟
عمران: كنا عم نتذكر أيام زمان.. على كل صار اللي صار متل ما قالت هي..
عبد: أنا آسف يا عمران.. بصراحة ما إلي وجه أقابلك فيه، بس انت بتعرف، كنا صغار، و.. كنا عم نتصرف بشوية أنانية، أنا ماكنت مخطط أسرق منك خطيبتك.. هيك صار.. فعلاً صار اللي صار. أنا محرج كتير ومتفاجئ أكتر. كان لازم بديعة تقول لي على التلفون انك هون.. كذبت علي وقالت أأخر جيتي لأني عندها ضيفة من رفقاتها. انت لازم تسامحني ياعمران.
عمران: مافي مشكلة يارجل.. المهم هلق مشكلتك.
عبد: وحكت لك عن مشكلتي؟
عمران: بالتفصيل.. عن رسالة نيجيريا لحتى اضطرارك تبيع كل شي مشان توفي ديونك.
( يموت خجلاً.)
عبد: آخر واحد كنت بريد أقابلو وأنا بهالظروف هو انت ياعمران.
عمران: رح اشتري منك البيت يا عبد.
( يبتسم وهو على حاله من الاضطراب.)
عبد: يعطيك العافية.
عمران: خبرتني بديعة بانو ما حدا دفع السعر اللي طالبينو بالبيت.. الاسعار في نزول.
عبد: فعلاً..
عمران: ما عبجيب خمس ملايين وانت لازمك عشرة.
عبد: هاي الحقيقة.. وماعندي وقت أصبر ليتحسن السعر.
( يخرج عمران دفتر شيكاته وقلمه.)
عمران: رح أدفع لك عشرة ملايين.. البيت بيسوى.
( دهشة من قبل عبد، حتى انه يبلع ريقه.)
عبد: عشرة.. يا.. عمران؟
عمران: عشرة.
( يخطر في باله.)
عبد: طيب ليش.. قصدي انك ما لك مضطر..
عمران: فعلاً ما لي مضطر. رح أدفع لك في البيت عشرة ملايين.. رح أكتب الشيك فوراً..
عبد: هادا معروف عظيم منك يا عمران.. انت خليتني أكره نفسي على اللي عملتو معك.
عمران: وليش تكره نفسك؟ انت مضطر.. وأنا بحاجة، وبهالشكل رح يرجع كل شي متل ما كان لما كنا شباب.
عبد: إش قصدك؟
عمران: رح أشتري البيت بالسعر اللي بتريدو.. رح تقبض عشرة مليون تدفع باقي الديون المستحقة عليك ورح يبقى معك مليونين تشتغل فيهن.
عبد: بديعة حكت لك كل شي بالتفصيل.
عمران: أنا ماني غريب يا عبد.
عبد: وإش قصدك يرجع كل شي متل ما كان لما كنا شباب؟
عمران: صعبة عليك شوية بس رح أقولها..
( عبد يتوقع في مخيلته ما هو.)
عبد: ايوه يا عمران..
عمران: رح تضطر اتطلق بديعة ياعبد.
عبد: (مصدوم) اطلقها.. اطلق بديعة؟
عمران: وليش مستغرب؟ انت أغريتها بالمال اللي كان معك.. فضلتك علي مشان مصراتك.. هلق أنا اللي معي مصاري وانت بحاجة..
عبد: كنت امفكر انك رح تساعدنا بسبب الصداقة.
عمران: رح اساعدك مشان نفس الصداقة اللي بسببها أخدت مني بديعة.
عبد: بس هادا بيع وشراء.. هاي بديعة يا عمران.
عمران: باعرف.. الموضوع بديعة.. انت اشتريتها بزمانك بالمصاري.. لو كنت أفقر مني كنت أنا اللي اتجوزتها. اللي معو بياخدها يا عبد.
( يجلس عبد وهو مصدوم، مضطرب، مرتبك. ضائع.)
عبد: أنا ضايع.
عمران: لا اتضيع.. انت هلق عم اتبيع كل شي. يعني رح تعيشها في ظروف سيئة جداً.. أسوأ من الظروف اللي كان ممكن أعيشها فيها أنا لو كنت اتجوزتها وأنا فقير.
عبد: هلق أنا بحبها وهي بتحبني.. أكيد انت نسيتها وهي نسيتك.
عمران: أول حب ما بينتسى يا عبد. بعدين إذا كنت بتحبها فعلاً فلازم توافق على عرضي. إذا ما أمنت عشرة ملايين ليرة فرح تدخل السجن يا عبد.. تصور بديعة شلون عايشة وانت في السجن.. أكيد رح تطرق راسها قدام الناس. حياة بهدلة.. رح تعيش في بؤس. أنا رح أعيشها عيشة كريمة.. رح أخليها هون في البيت ورح أرجع أفرش لها ياه فرش لائق.. بعت البيانو؟
عبد: (بألم) بعتو.. هي اللي أصرت.
عمران: طول عمرها بتحب تعزف على البيانو.. معقولة تعيشها بلا بيانو ياعبد؟
( عبد في حالة بؤس حقيقية.)
عمران: انت حل مشاكلك يا عبد واترك لي بديعة لأعيش معها بقية عمري.. انت عشت معها خمسة وعشرين سنة.. باقي من عمرنا شي القليل. بيعني سعادة كم سنة انتو أصلاً مارح تعيشوها بسعادة بسبب مشاكلك المالية.
( يبدو ان عبد بدأ يقتنع. فترة تفكير.)
عبد: مشاكلي المالية..آ..؟
عمران: طبعاً ياعبد.
عبد: (ينهض اليه) ومتوفرين العشرة ملايين؟
( يرفع يده بدفتر الشيكات.)
عمران: رح أكتب لك شيك فوراً إذا وافقت.
عبد: أنا لازم اسألها.. لازم ناخد موافقتها.
عمران: وإش متوقع تجاوبك؟ متوقع تقول لك موافقة؟ ليش باتضل بسيط وساذج؟ لما باتطلقها رح تحطها امام الأمر الواقع.. متل ما حطيتها امام الأمر الواقع في موضوع نيجيريا.
( يتطلع عبد بألم باتجاه المطبخ، سوف يقول قراره وهو يذوب.. أخيراً يقوله..)
عبد: موافق ياعمران..
عمران: (بحماس) تعال نكتب العقد وأكتب لك الشيك.. وترمي على بديعة يمين الطلاق بالتلاتة..
( يأخذه إلى الطاولة وهو يستعد لكتابة الشيك. تبدو على عبد مظاهر التعاسة والتردد.)
عمران: قرارك حكيم جداً ياعبد..
عبد: آه.. ياعمران.. آه.
(يجلسان، عمران يخرج عقداً من جيبه ويشرع في الكتابة، عبد ينظر بقلق باتجاه الداخل.)
- تعتيم –
 
المشهد الثاني
(نفس الديكور لصالون بيت بديعة وبعد مضي ساعة، نرى الثلاثة كما يلي: عند باب الشقة، عمران يودع عبد الذي يمسك بحقيبة سفر بينما عمران يمسك بعقد البيع. يظل عبد مضطرباً وينظر بقلق وتعاسة نحو بديعة، تبدو على عمران الخفة والانشراح. بينما تقف بديعة في الطرف الآخر وقد أدارت ظهرها لهما)
عمران: موفق يا عبد.. ابقى خلينا على صلة.. خبرني عن أحوالك.
عبد: انشا الله.. خاطرك.
عمران: مع السلامة.
( ينظر مرة أخيرة نحو بديعة)
عبد: خاطرك يا بديعة.. غصب العني يابديعة..
( بديعة لا تجيب ولا تستدير. يخرج عبد وعمران يغلق الباب ثم يقترب منها ويلوح لها بعقد بيع البيت. يقدمه لها. انها متألمة لما حصل لها)
عمران: عقد البيع.. تفضلي احتفظي فيه.
بديعة: وإش بدي فيه؟
عمران: (يضعه في جيبه) خلص. رح أخليه معي.
بديعة: طبعاً رح تخليه معك.. البيت صار بيتك ودفعت فيه مال كتير.
عمران: هادا بيتنا يا بديعة.. رجعتي إلي بعد ما طلقك عبد.. رح نتجوز بعد فترة العدة ونسكن هون.. طبعاً أنا رح أتركك تعيشي لحالك لبين ما يصير مناسب نكتب أنا وانتي، مارح تخافي لأنو سلمى رح اتضل عندك.
( يبدو عليها انها مستهترة بما جرى.)
بديعة: طول عمرك شخص دقيق يا عمران.
عمران: (كأنه يحلم) معقولة يصير كل هالشي خلال ساعات.. أنا لازم أأرخ هاليوم يا بديعة.. أشوفك فيه بعد خمسة وعشرين سنة.. وفي نفس اليوم استرجعك من عبد!! حتى في الأحلام هيك شغلات ما بتصير.
بديعة: حقيقي لازم تأرخ اليوم.
عمران: إش رأيك ننزل نحتفل بهالمناسبة.. ياللا نروح نتغدا في شي مطعم.
بديعة: أنا وانت؟
عمران: طبعاً..
( تستعد لتفاتحه برأيها بما حدث.)
بديعة: اسمع ياعمران.. انت دفعت مصاري واشتريت البيت، واشتريت معو ورقة طلاقي.. انت اشتريت الأشياء اللي بيمتلكها عبد.
عمران: إشو المعنى؟
بديعة: المعنى اني ما ني ملك عبد حتى يبيعني إلك.. أنا ملك نفسي.. (فترة) ما رح اتجوزك ياعمران.
عمران: (متفاجئاً) إشو..؟
بديعة: متل ما سمعت. مارح اتجوزك.. وما إلك علي حق.. ورح اترك البيت فوراً.. ممكن تقعد فيه.. تسكن فيه متل ما بتحب.
( تتحرك باتجاه باب غرفتها. هو يقف منذهلاً.)
بديعة: إذا سمحتلي آخد معي شوية أغراض متل ما عمل عبد..
( يهجم ليسد عليها الباب.)
عمران: بديعة.. بديعة. كل اللي عملتو مشانك.. أنا بحبك.
بديعة: أنا ما عدت احبك.. اكتشفت اني ما بحبك.
عمران: بتحبي عبد؟ (بحدة) عبد طلقك مشان كم مليون.
بديعة: وما عدت أحب عبد. اتركوني في سلام.. أنا ما إلي علاقة باتفاقاتكن التجارية. بعد عن طريقي من فضلك.
عمران: بديعة..
( تبعده وتدخل وتغلق الباب. انه في حالة ذهول. يبتعد عن باب الغرفة.)
( يجلس وهو يفكر.. يستمر ذلك فترة. نراه غير مستقر.)
جرس الهاتف
( تدخل الخادمة. تنظر فتراه جالساً. تلتقط السماعة.)
الخادمة: آلو نعم.. مرحبتين.. مشان البيت؟.. البيت انباع وخلص.. خيرها بغيرها.. العفو.. مع السلامة.
( تضع سماعة الهاتف وتلقي نظرة على عمران. تتحرك لتعود من حيث جاءت ولكن عمران ينهض مسرعاً. يناديها.)
عمران: سلمى.. اخت سلمى.
الخادمة: نعم استاذ؟
عمران: دقيقة إذا سمحتي.
( يخرج عقد البيع من جيبه ويقدمه لسلمى التي تأخذه.)
الخادمة: إشو هاد؟
عمران: عقد البيع.. ابقي عطيه لمدام بديعة.. قولي لها بسلم عليكي عمران.. قولي لها قال ضلي في البيت.. مافي ضرورة تتركي البيت.. أنا ما لازمني البيت.. لأني رح أرجع أسافر. مفهوم؟
الخادمة: مفهوم استاذ.
عمران: خاطرك.
الخادمة: مع السلامة استاذ.
( يتركها،يلقي آخر نظرة إلى باب غرفة المرأة ويفتح باب الشقة ويخرج.)
( تكاد تخرج الخادمة ولكن بديعة تفتح باب غرفتها وتدخل حاملة حقيبة سفر. تنظر فلا ترى عمران. تقترب منها الخادمة.)
بديعة: فينو عمران؟
الخادمة: راح ياستي.
بديعة: (مستغربة) راح؟
الخادمة: طلع وقال أعطيكي هالورقة..
( بديعة تأخذ عقد البيع.)
الخادمة: قال ياستي ضلي في البيت.. قال خليكي في البيت وانو هو مالازمو بيت..
بديعة: ما لازمو بيت؟
الخادمة: قال لأنو رح يرجع يسافر.
( لقد فهمت بديعة ما حدث. تهز لها رأسها.)
بديعة: طيب انتي روحي..
( تتركها الخادمة. تضع بديعة الحقيبة على الأرض. تهز رأسها وهي تبتسم.)
( تسير الهوينى نحو البيانو. تسير وهي تفكر. تسقط العقد على الأرض بإهمال. تداعب البيانو كأنه كائن من لحم ودم)
بديعة:(لنفسها وللبيانو) لما كنت صغيرة واقعد أعزف على البيانو، كنت أحس وكأنيني عم أحلق مع الموسيقا. عم أحلق بعيد عن أمور الدنيا. كنت أكره المصاري، ما كان يهمني شي وما كنت أحسب حساب لشي. كنت أحلق مع الموسيقا… أحلق. دخل عمران وعبد لحياتي. من وقتها صرت أحسب حساب للدنيا. كبرت وصار بقا لازم آخد قرار. شغلت الدنيا بالي. خفت من الفقر بعد ما أخدوني على فيلم هندي عن الفقر وقساوة الحياة. كنت أكره الصفقات ومع ذلك اشتركت في صفقة حقيرة. وقتها، حسبت انو ممكن أجمع الدنيا والموسيقا. يا الله شقد كنت بسيطة، لأنو بعد ما تجوزت عبد وسافر عمران كنت أقعد أعزف، بس ما كنت أحسن أحلق.
(باحتفالية وانفعال وهي تجلس امام البيانو) وهلق، صرت حرة، بلا صفقات أو أرباح… لازم بقا أرجع أحلق… شتقت للتحليق
(تعزف بقوة وانسجام وهي تهتز، تعزف فترة، ثم تنهض، تلتقط حقيبتها وتغادر المنزل)
 
 
- تعتيم مع عزف مستمر على البيانو –
النهاية
عرضت هذه المسرحية على خشبة المسرح القومي بحلب خريف عام 1999

TOP

Copyright © 1999 - 2000 Nihad Sirees All rights reserved