إن توفر صورة
الأحداث وسرعة وصولها الى
الناس من أهم ما يميز
الانتفاضة الأخيرة للشعب
الفلسطيني عن سابقتها.
وبسبب وجود سلطة فلسطينية
قائمة على رقع مبعثرة
ولكنها غير خاضعة للرقابة
العسكرية الاسرائيلية جعلت
الصورة التي تصلنا أكثر
صدقاً وتعبيراً. في
الانتفاضة السابقة استطاع
الاعلام الدولي تهريب بعض
الصور الى الخارج دون ان تمر
عبر مقص الرقابة
الاسرائيلية ولكن قوتها
التعبيرية كانت ضئيلة اذا
ما قورنت بقوة تأثير الصورة
اليوم، ونتذكر صورة تكسير
عظام سواعد بعض الشباب من
رماة الحجر الفلسطينيين من
قبل الجنود الاسرائيليين
والتي هزت ضمير العالم وعقد
من أجلها اجتماع لمجلس
الامن لادانة الوحشية
الاسرائيلية وانا أتذكر بان
الفيلم عرض في قاعة المجلس
على شاشة كبيرة ليتسنى
للجميع مشاهدته كوثيقة على
الهمجية.
أما اليوم فقد
استطاعت الكاميرا تصوير
لحظات لا تنسى مما يجري في
الأراضي الفلسطينية جعلت
المشاهدين في كل أصقاع
العالم يهتزون ألماً
لفظاعتها أو يكبرون من
خلالها عظمة الانسان العربي
الذي يواجه أعزلاً قوة
غاشمة اسكرتها القوة فراحت
تبطش بالأطفال والمدنيين
وممتلكاتهم بدم بارد.
الصورة الأولى
هي التصوير الحي لمشهد قتل
الطفل محمد الدرة. لقد تحولت
هذه الصورة الى وثيقة لما
كان يردده الفلسطينيون على
مدى أعوام حول غطرسة
الاسرائيليين ولا
انسانيتهم. بيّن الفيلم انه
لم يكن هناك خطأ، فقد كان
الأب يلوح للجنود
الاسرائيليين للتوقف عن
استهدافه وابنه محمد
بالرصاص. ثم ان الطلقات التي
اطلقت من مدفع رشاش جاءت
منحرفة عن المكعب البيتوني
الذي كانا يحتميان خلفه، أي
ان الجندي الاسرائيلي الذي
أطلق عليهما كان يراهما وهو
بهذا كان يستهدفهما. نتذكر
جميعاً صورة قيام ضابط
أميركي باطلاق الرصاص من
مسدسه الخاص على رأس أسير
فيتنامي في أحد شوارع
سايغون قبيل نهاية الحرب
بفترة قصيرة. لقد هزت هذه
الصورة وقتها ضمير العالم
وجاءت الآن صورة استهداف
محمد الدرة وأبيه لتشابه
صورة اعدام الفيتنامي. كلا
الصورتين تعبران عن فقدان
الانسانية في قلوب جنود
الاحتلال، عن الغطرسة وحس
الانتقام من الناس الضعفاء.
صورة قتل محمد الدرة سوف
تقيم في الذاكرة بكل
معانيها ودلالاتها كما
أقامت صورة عملية اعدام ذلك
الفيتنامي مكبل اليدين.
الصورة
الثانية هي صورة ذلك الطفل
الذي يقف امام دبابة
اسرائيلية وهو يهم بقذفها
بحجر. أعتقد اننا جميعاً قد
شاهدناها ونشرتها الصحافة
مراراً. طفل يواجه دبابة
بحجر، غير آبه بالموت الذي
قد تسببه له طلقات مدفع
الدبابة. انها صورة طفل في
مقابل جنود مدربين ومع ذلك
يرتدون سترات مانعة لاختراق
الرصاص، وهي أيضاً صورة
الحجر في مقابل أحدث أنواع
أسلحة الفتك، وهو هنا
الدبابة الاسرائيلية. هذه
الصورة تلخص الفارق الهائل
بين الأدوات التي يمتلكها
كل من الاسرائيلي
والفلسطيني، وتلخص أيضاً
شجاعة الفلسطيني في زمن
أصبح فيه الموت أرحم من
الظلم والإهانة ومحاولة
إلغائه اليومي وتدنيس
مقدساته وتلخص أخيراً الثمن
الذي يرغب الفلسطيني دفعه
من أجل الحرية والاستقلال.
لا حدود لشجاعة ذلك الطفل
الفلسطيني أمام الجبن غير
المحدود للاسرائيلي الذي
يجعله يخاف من الحجر فيقبع
في قعر دبابة.
محطة التلفزة
الاخبارية "سي ان ان"
تعيد باستمرار عرض صورة شاب
صيني يقف امام رتل دبابات
أثناء انتفاضة الشباب
الصينيين في ساحة "تيان
آن مين". تحاول الدبابة
تغيير اتجاهها لتتفادى دهس
الشاب إلا أنه يتحول من جديد
ليقف في مواجهتها مانعاً
الرتل من استمرار تقدمه. هذه
شجاعة طبعاً من قبل الشاب،
ولكن الدبابة الصينية لم
تطلق النار على الشاب ولم
تقم بدهسه. عندما أقارن صورة
الشاب الصيني بصورة الطفل
الفلسطيني ذاك أجد الأخير
أكثر شجاعة وصورته أعمق
أثراً وأقوى تعبيراً لأن
الدبابة الاسرائيلية كانت
تطلق النار على
الفلسطينيين، بينما
الدبابة الصينية كانت تحاول
تفادي دهس الشاب. من يعرف
انه سيموت ومع ذلك يقترب
ليواجه بحجر دبابة يقودها
همجيون هو أكثر شجاعة
وصورته لن تمّحي من ذاكرتي
وذاكرة الناس جميعاً.
لقد ارتبط أثر
العولمة على الثقافة
بالصورة، هذه الصورة التي
قال عنها أحدهم انها تعادل
عدة مجلدات. الانتفاضة ترد
اليهم بضاعتهم. تفتح أفقاً
للعربي وتحجز له مكاناً
لائقاً في عالم الصورة،
التي أي الصورة، تكتب اليوم
تاريخ العالم.. وتاريخنا
أيضاً.