على هامش الاستشراق
مقالة

كتبت في زاوية سابقة عن علم الاستشراق الذي قدم للحملة الاستعمارية الأوروبية على الشرق، وخصوصاً العربي والاسلامي، كل التسهيلات المعرفية اللازمة التي مكنت أوروبا الاستعمارية من السيطرة على بلادنا لأكثر من قرن كامل. ولكن المستشرقين يدافعون عن علمهم ويتمسكون بالدافع العلمي له واعترافهم بلا أخلاقيات حكوماتهم التي وضعت علمهم ذاك في هذا الموقف الحرج.
ولكن نظرة عن قرب لبعض هؤلاء الأوروبيين الذين أتوا إلى بلادنا تضعنا في حيرة مما جاءوا من أجله. أحد هؤلاء كان فرنسياً ويدعى " تيودور لاسكاريس"، جاء إلى مدينة حلب عام 1809 وتعرف إلى شخص حلبي هو فتح الله الصايغ وطلب منه ان يعلمه اللغة العربية. كان لاسكاريس يرتدي الثياب العربية وأطلق على نفسه اسم الشيخ ابراهيم، ويبدو ان هذا الاسم يستهوي معظم المستشرقين فقد أطلق بوركهارت على نفسه الاسم ذاته (إذا لم تخني الذاكرة)، ويبدو ان أكثر من مستشرق (وأضعها بين قوسين) استهوته مدينة حلب أيضاً وبدأ منها مغامرته (الاستشراقية) فقد سبق لاسكاريس بذلك الشهير لورنس الذي كني بلورنس العرب وإذا بحثنا عن سبب مقنع لهذا الهوى بالانتماء إلى المدينة عرفنا من لورنس ذاته ان بين الحلبيين نسبة كبيرة من ذوي الشعر الأشقر ولن يشك أحد بالأوروبي بسبب لون بشرته وشعره وربما عينيه أيضاً.
المهم ان لاسكاريس طلب من فتح الله الصايغ ان يخرج معه إلى البادية للتجارة مع البدو فخرجا عام 1810 ببضاعة اشترياها من أسواق المدينة وراحا يجولان في بادية الشام وفي صحراء العراق وايران حتى وصلا إلى حدود ايران الشرقية حيث قابلا شيوخ قبائل عرب الهند، ويقال انهما زارا الدرعية التي كانت عاصمة الوهابيين في ذلك الزمان.
لم يكن الشيخ ابراهيم (لاسكاريس) يبيع أو يشتري مع البدو مما اثار استغراب رفيقه بل كان يطلب منه ان يسجل كل ما يشاهدانه أو كل ما يحدث لهما. وبالفعل، فقد كان هم ذلك الفرنسي هو التعرف إلى شيوخ القبائل ورسم طرق الصحراء وتحديد مواقع آبار المياه على الخارطة.
كان نابليون آنذاك يطمح، بعد أن فشلت حملته على مصر، في أن يقطع طريق الهند على الانكليز فأرسل جواسيسه لدراسة طرق أخرى غير التقليدية منها. لقد فكر باحتلال بلاد الشام والعراق حتى البصرة ومهمة لاسكاريس هذا كانت جمع كل المعلومات اللازمة تمهيداً لهذه الحملة ومنها طبعاً التقرب من زعماء العشائر وإغراقهم بالهدايا وقد نجح لاسكاريس في هذا حتى أنه كان يشارك في غزوات البدو ويحضر مجالس الصلح بين قبائلها.
ظل فتح الله الصايغ يكتب المذكرات التي أمره بها معلمه طوال الرحلة التي استمرت اربع سنوات بينما كان المعلم يكتب مذكرات أخرى لم يستطع أحد أن يجد لها أثراً فيما بعد، وربما كان يرسلها إلى سفارة بلاده في مصر ومنها إلى باريس أولاً بأول. المهم ان نابليون اقلع عن خطته بعد هجومه الفاشل على روسيا ولم يعلم لاسكاريس بضعف إمبراطوره البالغ إلا في نهاية رحلته فرحل إلى القاهرة حيث وافته المنية. أما فتح الله الصايغ فقد حزن لمصير معلمه وعاد إلى مدينته رجلاً عادياً يتسكع في شوارعها.
في عام 1832 وبينما كان الشاعر الفرنسي لامارتين يجول (هو أيضاً) في الشرق قام بالبحث عن فتح الله الصايغ الحلبي واشترى منه مذكراته تلك وقام بترجمتها إلى الفرنسية وصدرت في الجزء الرابع من كتابه " رحلة إلى الشرق" ثم انه حرص على ان تكافئ الحكومة الفرنسية مؤلفها (لأجل الخدمات التي قدمها لعلم الجغرافيا وأخلاق الأمم) حسب تزكية لامارتين نفسه، فقامت القنصلية الفرنسية بحلب بتعيينه موظفاً فيها.
ولكن العلماء الفرنسيين راحوا يشككون بصحة هذه المذكرات وادعى البعض ان فتح الله قام بتلفيق الرحلة، بهدف بيع أي شيء إلى ذلك الشاعر الفرنسي المهووس بالشرق، فكتب المذكرات من وحي الخيال وانه لم يبرح مدينته قط. إلا ان باحثاً سورياً جادّ اً هو الدكتور يوسف شلحد قام بتحقيق المذكرات واثبت صحتها ثم قام بنشرها تحت عنوان " رحلة فتح الله الصايغ الحلبي" بينما قام الكاتب الفرنسي جان سوبلان بتأليف رواية عن الرحلة بعنوان " لاسكاريس العرب"

top

Copyright © 1999 - 2001 Nihad Sirees All rights reserved