حلقة بحث ضمت نخبة من رجال الفكر
والأدب والفن في ندوة (الأنباء) بدمشق

(أخوة التراب)  و (خان الحرير)
في دائرة النقد  

بداية.. لم تكن هذه الندوة مخصصة لعقد مقارنة نقدية بين المسلسلين السوريين (خان الحرير) و(أخوة التراب) اللذين قدمهما التلفزيون السوري ومحطات أخرى في شهر رمضان الفائت..

          كانت مجرد جلسة حميمة بين صحبة تسكنهم هموم الثقافة وتجمعهم اهتمامات مشتركة بأجناس الأدب والفن. هذه الصحبة قررت أن تحتفي في بيت الصديق عفيف أسعيد بأسرة (خان الحرير) ممثلة بالمخرج هيثم حقي والكاتب نهاد سيريس ومدير شركة الانتاج حميد مرعي، والنجم الفنان بسام كوسا. وربما كان من أهداف الجلسة إلقاء الضوء على هذا العمل الفني المتميز من خلال مطارحة فكرية تجلو بعض الغموض عن مقولة العمل التي قدمها الكاتب على صورة إشكالية جدلية بين العقل والعاطفة .

          ثمَّ تطورت الجلسة إلى ما يشبه (حلقة البحث) حين انضمَّ إلى المحتفين بأسرة (خان الحرير) عدد من الأدباء والنقاد والعاملين في حقل الفن، بحيث لم يتيسر لجلسة مماثلة حضور هذا المستوى الرفيع من رجال الفكر والأدب والفن. وعندما أمسك الشاعر السوري المعروف شوقي البغدادي بناصية الحديث كان حريصاً أن يطرح على الجلسة محاور محددة لتكون مدخلاً إلى فضاء العمل وأجوائه ومضامينه. فسجل ملاحظات أولية منقولة على لسان مشاهدين من شرائح مختلفة تابعت العمل باهتمام وشغف وأثارت أسئلة محددة تتعلق برؤية الكاتب لبعض القضايا المطروحة.

          لكن جملة من الأسباب الموضوعية والذاتية تجمعت في الأجواء وهيأت الجلسة لاستحضار المسلسل الرديف (أخوة التراب) ليكون معادلاً موضوعياً في منظور الحوار النقدي الذي تواصلَ حاراً ودافقاً لثلاث ساعات .

          وكان بين الأسباب : أنَّ المسلسلين اختارا التاريخ مادة ليقدما فترة زمنية مهمة، مشحونة بالمكابدة ومفعمة بإرهاصات النهوض الوطني والقومي التي قادت المنطقة إلى واقعها الراهن، وطرحت السؤال المهم: أين نحن اليوم مما كنا عليه في الأمس؟ وكان من موجبات استحضار (أخوة التراب) إلى هذه الندوة أنَّ مخرجه نجدت أنزور نجح في إثارة صراع حول مفهوم (الشكلانية) في الإخراج عندما قدم أعماله (نهاية رجل شجاع) و(الجوارح) وأخيراً (أخوة التراب)، فقدم من خلالها نموذجاً للرؤية البصرية التي قد لا تحفل بالضرورة بخط السياق الدرامي من أجل أن تؤكد حضورها الخاص.

          وأخيراً كان بين أهم الأسباب: أنَّ حسن م يوسف كاتب النص لمسلسل (أخوة التراب)، نجح هو الآخر في إثارة حفيظة شرائح اجتماعية لم تجد ما يمثلها في العمل الذي قال عنه أنه يتصدى لمرحلة في تاريخ المنطقة ليوقظ في النفوس أسئلة بلا إجابة ما زالت مطروحة على الأمة حتى اليوم.. وعندما حاول الرد على الذين اتهموه بعدم الأمانة في سرد أحداث التاريخ، انتابه شيء من النزق مبرراً جنوح العمل نحو الاختزال والانتقائية بقانون الدراما الذي يختلف عن قانون التاريخ واتهمهم بالفئوية!؟.

          هذه الأسباب كلها وغيرها شكلت الأساس لعقد مقارنة نقدية بين عملين مهمين تصديا للتاريخ وطرحا مقولات تمس وجدان الناس .

          (الأنباء) ممثلةً بمدير مكتبها في سورية الأستاذ عصام أباظة، كانت في هذه الجلسة شاهد عدل تنقل الحوار بأمانة وتدون الأفكار التي جرت على ألسنة المشاركين لتكون شهادة للتاريخ. وعلى هذا النحو جاء الحوار :

·               د. عبد الله حنا : كدارس للتاريخ تستوقفني دائماً المرحلة التاريخية التي تدور فيها الأحداث وأعتقد أنَّ لاختيار الزمن أهمية خاصة .. في (خان الحرير) كان النص يرصد مرحلة من تاريخ سورية والمنطقة في غاية الأهمية ووفر فرصة نادرة للمراجعة والمقارنة بين فترة زاهية عشناها في الخمسينات وفترة سوداء نتردى فيها هذه الأيام .

·               علي الكردي : (خان الحرير) يؤسس لحالة جديدة من الدراما السورية. ويمكن القول إنه منعطف جديد في تاريخ الإنتاج التلفزيوني، والتساؤل هنا ما سر هذا النجاح وهذا التوهج الذي حققه العمل ؟ وما سر هذا الإجماع على تقديره من مختلف الشرائح الاجتماعية ؟ من وجهة نظري أنَّ العمل استطاع تقديم نفسه على مستويين باتساق لافت متناغم مدروس.. الخلفية التاريخية التي تجري عليها الأحداث وحركة الشخصيات التي اكتسبت لحماً ودماً وأعصاباً. وكانت في كل لحظة تنبض بالحياة. يدعم ذلك وجود سيناريو محبوك بحرفية عالية وفيه تفاصيل ونمنمات ورؤية شمولية، وتفاعل جميل بين الكاتب والمخرج وإضافة إلى عدد من الممثلين الكبار، أعاد المسلسل اكتشاف إمكاناتهم الكبيرة. فقدم لنا المخرج سليم صبري ممثلاً من طراز النجوم الكبار في العالم. وأبرز مواهب عدد من الممثلين المغمورين. فدلَّ ذلك على وجود جهود كبيرة بذلت لتقديم هذا العمل المتميز . وهنا تأتي المقارنة مع مسلسل آخر عرض في الفترة نفسها من شهر رمضان ( أخوة التراب) هذا المسلسل أيضاً تناول أحداثاً تاريخية مهمة . لكننا لم نلمس فهماً دقيقاً لموضوع الدراما. رأينا الأحداث في المسلسل أقرب ما تكون لفيلم  (فيديو كليب). جموع من البشر تموت في معركة ولا يحرك هذا فينا أي إحساس.. الناس تموت والكاميرا تتحرك، ولم تشدنا الأحداث، بينما الأحداث التي نقلها (خان الحرير) مست الوجدان وحركت المشاعر، وهذا التوتر الجميل الذي عشناه مع (خان الحرير) هو سر النجاح .

·               شوقي بغدادي: في (خان الحرير) حصلت على معرفة جديدة. وفهمت دور الكاتب والمخرج في الوصول إلى مقولة واضحة جعلت المشاهد يجري عمليات استنتاجية من خلال تشغيل خلايا المخ وسائر الحواس.. كنا أمام عمل يحرض الفكر ويلامس الوجدان، فحدث التفاعل الذي حقق النجاح. ومن قبل شاهدنا (أيام شامية) وحدث التفاعل، رغم أنَّ المسلسل لم يطرح مقولة خطيرة تقلب الموازين. لكنك تستطيع استخلاص المقولة من خلال تفاصيل العمل وتكتشف أنك أمام عمل ناجح بكل المقاييس.. أما مسلسل (أخوة التراب) فربما أراد أن يقول شيئاً ما لكنه عجز عن إيصاله إلى المشاهد لأنه فقد شطر الصدق والأمانة التاريخية وأخلاقية العمل الدرامي. نحن بحاجة إلى أعمال صادقة تحدد الزمان والمكان والأشخاص والوقائع دون تعسف أو اختزال، نريد للعمل أن يحترم عقل المشاهد لنحترمه .

·               حامد الحلبي: احترام عقل المشاهد أمر أساسي في كل عمل يختار التاريخ مادة له، لقد قدم (خان الحرير) فترة تاريخية معاصرة. فكان أميناً على التاريخ موضوعياً في تحريك الصراع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. لكن مسلسل (أخوة التراب) تناول التاريخ على مبدأ لا تقربوا الصلاة.. اختار مرحلة تاريخية نعتز بها في سورية فأساء لها بالتشويه والاختزال والتعسف، وهنا تكمن خطورة الاجتهاد الشخصي عندما يعيد الكاتب تفصيل التاريخ على هواه .

·               الأديب خيري الذهبي: يلاحظ في العقد الأخير كثرة الكتابات التاريخية الروائية منها والتلفزيونية. فما هو السبب؟ أعتقد أننا في سورية نعيش حالة انفصام في الشخصية. ندعي أننا دولة منذ آلاف السنين. لكننا في الحقيقة عمرنا كدولة سياسية لا يزيد على خمسين سنة، هي ما بعد الاستقلال وحتى اليوم. وفي العشرين سنة الماضية ولغاية منتصف السبعينات كنا نمسك بحلم تغيير الحدود السورية. بمعنى بأنَّ هناك محاولة لرؤية الوطن الذي نعيش فيه داخل حدوده وليس خارجها. وأنا سعيد من خلال هذه الرؤية الجديدة أن أرى مدينة حلب، المدينة الجميلة الكبيرة، والتي كانت عاصمة بلاد الشام إلى ما قبل 500 سنة، حلب الواقعة على طريق الحرير التاريخي .

أعمالنا الأدبية والتلفزيونية قد لا تساير إنجازات الرواية العالمية. وفي العمل الروائي لدينا أكثر من سياق. هناك الرواية التاريخية وهناك الرواية فقط. والعمل الذي قدمه الكاتب نهاد سيريس في (خان الحرير) ليس رواية تاريخية وليس تاريخاً صرفاً. هو قدم لنا شخصيات حقيقية من لحم ودم لها عواطفها الخاصة وإمكاناتها وإنجازاتها. وكل هذه الشخصيات كان يمكن أن أضعها في مفصل تاريخي فتنجح. لكن الشخصيات في مسلسل (أخوة التراب) كانت جامدة ليس فيها حياة حقيقية. ما حدث في (أخوة التراب) أنَّ الكاتب أخذ بعض النماذج ووضعها في العمل ولم يتمكن من بعث الحياة فيها ولم تجرِ الدماء في عروقها رغمَ ما سفحه العمل من دماء وهذا هو المقتل. عندما تقدم عملاً تاريخياً تجعل نفسك أسير التاريخ فتظهر الشخصيات ميكانيكية كما في (أخوة التراب). أما (خان الحرير) فلم يكن خاضعاً لأسرار التاريخ وكانت الشخصيات نابضة بالحياة. وهذا سر العلاقة الحميمة التي صنعها الكاتب والمخرج مع المتلقي .

·               د. هاني عبيد: أسرة (خان الحرير) تستحق التهنئة. فقد قدمت عملاً متميزاً سيبقى حديث الناس إلى فترة بعيدة. لكن ملاحظتي أنَّ خط الدراما الذي كان محوره شخصية الأرملة الشابة سعاد والشاب مراد، كان يضيع مني بسبب هوس العواطف وشدة الانفعالات. ورغم زخم الشخصيات التي تتحرك في الحدث والتي تشبهنا كثيراً، وجدت أنها أحياناً لم تعد تمثلنا في سياقها الحياتي وأخذت تفترق عنا. شخصية أحمد التي مثلت فورة الشباب والعاطفة النبيلة تجاه الوحدة وجدتها لم تعد تمثلني عندما التقت بالبرجوازية. وأحسست أنَّ النقلة التي حدثت في موقف أحمد غير مبررة. فأصابني شيء من التوتر اتجاه العمل .

·               بشرى كنفاني (مديرة الإعلام في الخارجية): لست ناقدة فنية. ولكني كمشاهدة أتحسس واقعي، فقد شدني مسلسل (خان الحرير) أكثر مما شدني أي مسلسل سوري آخر منذ سنوات. كنت أنتظر موعد عرض المسلسل بشغف لأرى قطعة من حياتي وحياة الآخرين. وجميل جداً أن نعيش مرة أخرى هذه الأحداث المهمة. وهي كذلك حتى لمن لم يعش تلك المرحلة ليعرف كيف كنا وكيف صرنا. ولذلك فإنَّ المسلسل قدَّم خدمة وطنية جليلة كموضوع.

النص تعامل مع الأحداث بموضوعية شديدة، وعندما قدم شخصية أحمد رمز التيار الوحدوي، رأيت فيه ما رآه جيل الخمسينات، الفورة العاطفية والانفعالية وسرعة الجري وراء المؤتمرات (الوحدة بأي شكل). أيضاً رأينا التيار الوحدوي سواء كان مستقلاً أم ملتزماً يتأثر بالبرجوازية عندما تدخل صفوفه فتحرفه. ولا أستغرب كيف أنَّ أحمد سار في ركاب كمال الذي يمثل البرجوازية الصناعية لأنَّ هذا ما كان يحدث بالفعل. والذين قاموا بالانفصال كانوا من جماعة كمال وأمثاله. بينما شخصية مراد الليبرالية المتفتحة مثلت العقلانية. والنص أراد أن يقول لنا بوضوح أنَّ التيار العقلاني كان على حق في موضوعية الوحدة. أما التيار العاطفي فقد كان على خطأ بدليل أنَّ الوحدة لم تستمر. وهذا بتقديري شيء على درجة من الأهمية عندما نرى التلفزيون السوري بدأ يعرض للآراء الناقدة للتيار الوحدوي في تلك الفترة. ومعنى ذلك أننا نعبر إلى مرحلة إعادة النظر في نظرتنا للأشياء دون تقديس ما جعلناه من المسلمات. وهذا يعني الانفتاح على الواقع بموضوعية.

·               عماد عبد الوهاب (فنان تشكيلي): مسلسل (خان الحرير) عالج مرحلة زمنية تكاد تكون من أجمل الفترات في التاريخ السوري المعاصر. وليس معنى ذلك أنَّ الجمالية الكامنة في زمن المسلسل هي التي أعطته كل هذا النجاح. لأنَّه كان يمكن أن يعالج هذه المرحلة بالذات بطريقة أخرى فلا ينجح.. لكن الفترة التاريخية بزخمها الاجتماعي والسياسي أعطت المسلسل أهمية خاصة رأينا التشابك بين الهم الوطني الداخلي وبين الهم القومي العام. وهذا مستوى آخر أعطى العمل بعداً مهماً. أما على مستوى النص السياسي فإنَّ أي عمل إبداعي يحمل وجهات نظر. وكل انسان يمكن أن يستخلص منه نتائج مختلفة عندما يقرأ ما بين السطور. وما قالته السيدة بشرى كنفاني يتقاطع كثيراً مع رأيي لجهة النهاية التي انتهى إليها (أحمد) والعزل الذي جرى (لمراد). فقد كان منطقياً أن يحدث ذلك في سياق الأحداث. ولو أخذنا بالمنطق العاطفي ربما قلنا ليتهم عقدوا صلحاً يجمعهم. لكن في الصراع هناك منطق وفرز يجب أن يحدثا.

في المسلسل ثلاثة مستويات: التيار القومي(الشعارات) يمثله أحمد بعاطفية انفعالية: يا فلسطين جينالك، وبدنا الوحدة باكر باكر، هذا التيار يريد الوحدة بأي ثمن.

وهناك تيار البرجوازية الصغيرة أو الكبيرة وهو أيضاً يريد الوحدة، ولكن لأسباب انتهازية تحقق مصالحه. وكذلك التيار الإسلامي الذي التحق بالوحدة أيضاً من منطلق انتهازي.

وهناك التيار العقلاني الديمقراطي الذي كان يمثله مراد والذي قال إنَّ الوحدة يجب أن تبنى على أسس موضوعية مدروسة. وهذه أهم رسالة من وجهة نظري استطاع أن يقولها المسلسل. بمعنى، ما هي الرؤية الموضوعية الآن لموضوع الوحدة العربية؟ والإجابة أنَّ الوحدة حتى تتحقق يجب أن تقوم على قاعدة الديمقراطية ومن دونها لا وحدة للعرب.

أريد أيضاً أن أشير إلى المستوى الفني في هذا العمل. فالشخصيات التي وصفت بأنها من لحم ودم كانت أيضاً شخصيات متطورة. وهذا شيء مهم في العمل الدرامي. تطور الشخصيات وتنامي أدوارها لخدمة الهدف والوصول إليه بصورة منطقية. بينما رأينا الشخصيات في مسلسل آخر عرض في نفس الفترة، شخصيات متراجعة. وهنا أنوه إلى مسألة أخيرة ولها أفضلية هي معالجة النص التاريخي لأنها مسألة في غاية التعقيد. فأنا إذا أخذت مرحلة تاريخية قديمة تفتح أمامي مجالاً للتخيل وربما تزوير بعض الحقائق التاريخ. لكن عندما يتناول الكاتب التاريخ المنظور والمعاصر، فهناك قاعدة عريضة من المشاهدين عاشت هذه المرحلة. أو أنَّ المرحلة لم تبتعد كثيراً عن الذاكرة الشعبية لا يجوز فيها التزوير. وهذا يضع أمام الكاتب والمخرج مهمة دقيقة جداً فلا يتجاوزان الحقائق التاريخية والموضوعية. وهنا نسجل للكاتب نهاد سيريس والمخرج هيثم حقي التزامهما بالأمانة من ناحية وتحقيق المستوى الفني الرفيع من ناحية أخرى.

·                     الكاتب القصصي إبراهيم صاموئيل: مأثرة (خان الحرير) تكمن في أنه استطاع في حقل الدراما     التلفزيونية السورية تحقيق معادلة صعبة بل وغريبة في ظاهرها. وهي: كيف يمكن تقديم مقطوعة من عزف منفرد بآلات متعددة؟ فالأركان الثلاثة للعمل (المؤلف والمخرج والممثل) كانت على انسجام تام وتفاعل حي كما بدا من العمل الذي شاهدناه. وهذا التفاعل هو أساس النجاح في اعتقادي. وذلك بسبب بسيط واضح وهو أنَّ الدراما التلفزيونية، كما الفيلم السينمائي، عمل مشترك. وهي نتاج جهود مشتركة لا يمكن لأركانها أن يعمل كل منها على انفراد. واسمحوا لي أن أخص المخرج الفنان هيثم حقي بتحية خاصة لأنه كان المايسترو صاحب الكفاءة والمبدع الذي يعنيه تقديم العمل لا تقديم نفسه.

أما مضمون العمل، والذي نال حصة كبيرة في ندوتنا هذه، فبعد أن تفاعلنا اليوم مع تلك المرحلة التي جرت في الأمس القريب (مرحلة الخمسينات) ليس بسبب جمال تلك المرحلة وحسب بل أيضاً وربما قبلاً بسبب من خواء الراهن وهشاشته وتصدعه، بسبب من شعورنا بالعبث مما نعيشه اليوم ومن اللاجدوى في كل ما نطمح إليه.

إنَّ مأساوية الواقع الراهن هي التي دفعت بقلوبنا لأن تفرح بما حدث بالأمس. والأمس-على جماله- ما كان ليبدو لنا بهيجاً إلى هذه الدرجة لولا بشاعة اليوم. وهذا يذكرني بالتاجر لذي يفلس فيضطر للعودة إلى دفاتره القديمة. رغمَ ذلك فإنَّ مسلسل (خان الحرير) كان متفوقاً في كتابته التي بدت لي مشغولة قطعة قطعة مثل أعمال التطريز، ومتفوقاً في ممثليه الذين أعطوا دون استثناء، كل حبهم للعمل، ومتفوقاً أخيراً في إخراجه الذي تماشى مع النص وصادق الممثلين، فقدَّم لنا رؤيته العميقة على محورين توأمين: مضمون النص ومقولته وفنية المشهد البصري ودلالته.

·                     المخرج كميل فلوح: مداخلتي حول موضوع الوحدة ودور أحمد الذي مثَّل تيارها. كان يجب أن يكون أكبر سناً ليبدو على درجة من النضج. لأنني أعتقد أنَّ تيار الوحدة كان ناضجاً أو أكثر نضوجاً مما بدا في المسلسل. وعندما نقول أنَّ فشل الوحدة كان بسبب العاطفة نقع في القصور. كانت هناك محاولة واحدة لتقزيم مفهوم الوحدة. مع أنَّ الوحدويين في تلك الفترة دخلوا البرلمان وشكلوا تياراً كاسحاً. وكانت القوى الوطنية تملأ الساحة. لكن في نفس الوقت كانت  هناك قوة دولية تآمرت على الوحدة وأحبطتها. ربما لم تكن تجربة الوحدة  مدروسة جيداً. لكن القضايا الوطنية تحوز دائماً على جانب مهم من العواطف، وهذا لا يعيبها.

·                     المخرج هيثم حقي: لا توجد شخصية في المسلسل سواء أكانت كبيرة أو صغيرة في العمر تمثل تياراً كاملاً هي جزء من التيار أو رمز له. ولكن هناك مجاميع بشرية تشارك هذا الرمز في استكمال ملامح التيار.. وفي برلمان الخمسينات لم يكن تيار الوحدويين ممثلاً بقوة. كان هناك تيار شعبي. وكان الباقي تيار الجيش وهو الذي فرض الوحدة. هنا يجب أن نلتقط اللحظة التاريخية لصياغة الحدث دون الغوص في التفاصيل.. أحمد في الخط الدرامي لم يكن وحده يمثل التيار.. ومراد ليس هو خالد العظم. وبالتحديد، إنه رمز للتيار الديمقراطي الليبرالي، وهكذا..

·                     عصام شلهوب: عرض قضية الوحدة في المسلسل كان مقنعاً، ولم يكن مطلوباً التعمق في تفاصيل الشخصيات أو شرح قضية الوحدة بأكثر مما شرحه العمل. لأنَّ ذلك يصبح مشروع بحث طويل أو دراسة معمَّقة. وليس هذا دور العمل الفني. ثمة شيء لم نكن ندركه في زمن الوحدة. ثمَّ أدركناه فيما بعد من خلال القراءات وما صدر من مؤلفات حول تلك الفترة.   فقد كانت سورية تمثل بيضة القبان في الصراع على الوحدة بين تيارين. أحدهما يريد الوحدة مع مصر وهو التيار الكاسح. ولكن هناك تيار آخر لصالح الوحدة مع العراق.. إذن كانت القضايا شائكة في تلك الفترة. ولو تعمق المسلسل في بحثها لحدث الانفلاش في الأحداث وفقد المسلسل واقعيته.  المسلسل قدَّم صورة مكثفة للأحداث في فترة تاريخية محددة. ولكنها مشبعة بزخم إنساني. واستطاعَ أن يحدد المعادلة المطلوبة. وثمة ملاحظة أخيرة، فلم يكن في المسلسل شخصيات رئيسية وأخرى هامشية، فقد ظهر الممثلون كلهم أبطالاً للعمل. ولعلَّ أبرزهم الكاتب والمخرج.

·                     المفكر د. صادق جلال العظم: جئت لأستمع أكثر مما أتكلم، وأصدقائي يعرفون أنني نادراً ما أتابع التلفزيون، ولكن ما سمعته عن (خان الحرير) وما قرأته أيضاً يدفعني لتقديم هذه المداخلة.

رغم أنَّ الحديث يتمحور كله حول سر النجاح الذي حققه هذا العمل، ولكن يخطر ببالي أمر آخر يتعلق بالأنظمة الوطنية في المنطقة. هذه الأنظمة قامت بعملية مبرمجة لمحو المرحلة التي سبقتها. وكأنَّ التاريخ بدأ بها ولم يكن موجوداً قبلها. مثلاً لم يعد الناس يذكرون من هو سعد زغلول أو غيره من رجال النهضة والاستقلال. وكأنَّ هناك محاولة لمحو التاريخ من ذاكرة الأجيال.. طلابي في الدراسات العليا في الجامعة لم يتعرفوا اسم أول رئيس للجمهورية السورية المستقلة. أحدهم قال إنه أديب الشيشكلي (!) هذه فضيحة وفجيعة في نفس الوقت.

من هنا تبدو لي أهمية الأعمال الفنية التي تحاول استعادة ذاكرة التاريخ. فيلم (أحلام المدينة) لمحمد ملص كان جزءاً من الاهتمام بهذه القضية وأشياء أخرى نكاد نفقدها ونفقد معها ذاكرتنا الوطنية. ونفس الشيء فعله (خان الحرير).

النقطة الثانية تتعلق بالكيانات التي كانت تتأرجح بين الوطني والقومي. هذه الكيانات هل هي ثابتة؟ أو يساورها الشك فتبني لنفسها تاريخها الخاص بها؟ ويبدو أنَّ هدف التاريخ لديهم هو اللحظة الراهنة. هذا يجري في أقطار عربية عديدة. بمعنى أنَّ الكل يقلدون ما كانت المارونية السياسية تفعله خلال الحرب اللبنانية. والآن الكل يحاول بناء مجده التاريخي على حساب التاريخ ذاته. أو أنه يبحث عن نوع من الشرعية للكيان أو للنظام.. أخلص إلى القول بأني ألمح تيارين: التيار الأول يحاول بناء شرعية تاريخية لكيان حديث جداً. والتيار الثاني يحاول استعادة مرحلة تاريخية جرى التعتيم عليها بشكل مبرمج ومتعمد فإذا عتمت على مرحلة تبرز مرحلة أخرى. وأعتقد أنَّ الأعمال التي يقدمها محمد ملص أو ممدوح عدوان أو هيثم حقي هي من التيار الثاني.

وأطرح سؤالاً على الأستاذ خيري الذهبي. قلت أنَّ هناك نوعين من الاهتمام بالتاريخ، هل أردت أن تقول أنَّ الاهتمام الجاري حالياً يدخل ضمن هذا الإطار أم له توجه آخر؟

·                   خيري الذهبي: في فترة ما كان توجه كل الناس في سوريا نحو الوحدة. وهي البلد الوحيد في العالم - ربما - التي لا يوجد فيها حزب سياسي واحد، يكتفي بالقول إنَّ سوريا هي بلدي بتاريخها من العشرينات حتى اليوم. كل الأحزاب السياسية كانت تتطلع خارج الحدود السورية إما لتحقيق وحدة عربية أو إسلامية ويبدو منذ فترة وبعد تجارب، حدث اقتناع بأنَّ سوريا بحدودها السياسية الراهنة هي بلدنا. والإشكالية هنا شعوري بأنَّ المتنبي هو أبي لكنه كوفي. وابن الفارض هو أبي أيضاً ولكنه مصري. وحدودي السياسية تقول إنهما ليسا من بلدي!؟

هذه الفوضى الذهنية تحاول أن تبحث لنفسها عن جذور عبر تشكيل هذا التاريخ. أنا أريد أن أعثر على تاريخي الشخصي قبل أن أجد تاريخ بلدي. وهذه المحاولات التي يقوم بها عدد من الروائيين والكتاب والباحثين، هي بحث عن الهوية.

·                   ريم حنا: أسامة أنور عكاشة تحدث في مسلسل (أرابيسك) عن هذا الهاجس وتساءل هل نحن فراعنة      أم مماليك أم عرب ؟

·                    خيري الذهبي: مع فارق أساسي، مصر كيان سياسي اجتماعي ثقافي حضاري مستقل منذ 5000 عام لم يتغير فيها شيء بينما سوريا كيان صغير، عمره السياسي لا يتجاوز نصف قرن بغض النظر عن كل ما نقوله في أدبياتنا السياسية.

·                   الشاعر والكاتب المسرحي والدرامي ممدوح عدوان: عندما بدأ عرض (خان الحرير) انتابني شعور بالخوف لأنَّ أغلب العاملين فيه أصدقائي. بدت لي صورة الحدث نمطية كغيره من الحكايا التي نراها (حارة فيها رجال ونساء وحب وزواج ..) وهي حكاية معادة في المسلسلات السورية والمصرية وأصبحنا نعرف نهايتها. والجديد في هذه المسلسلات أنها أصبحت تظهر في عدة أجزاء.. ثمَّ اكتشفت أنَّ (خان الحرير) شيء آخر بدأ يفرض نفسه. وأعتقد أنَّ هذه الندوة ووجود الناس الذين يمثلون مختلف شرائح المجتمع دليل على نجاح العمل والاهتمام به. والسؤال هنا لماذا أحبَّ الناس مسلسل (خان الحرير) ؟

بعيداً عن مناقشة السوية الفنية، أعتقد نحن في مرحلة يتغير فيها التاريخ بسرعة شديدة. التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وهذا يجعلنا نشعر بالخوف لأننا مقبلون على مجهول ليس لنا فيه قدم ثابتة. لذلك هناك حنين إلى الماضي وتشبث بالذاكرة أو ببقية قيمنا التي نحس أنها مهددة بالانقراض.. هذا العمل يقول للمشاهد انتبه نحن كنا على هذه الصورة الإيجابية التي تحمل قيمها النضالية والإنسانية بعجرها وبجرها ومع ذلك كنا حلوين. هذا هو نبض الشارع في الخمسينات الذي يمثله اندفاع أحمد وخفر سعاد، طيبة الشيخ علي والحماس الوطني عند تأميم قناة السويس ووحدة ما يغلبها غلاب .. الخ. فعلاً هذه هي صورتنا الحقيقية التي كنا عليها. في العدوان الثلاثي على مصر، على نصرة الثورة الجزائرية، ومساندة كفاح الشعب العربي للتحرر. كنا نتحسس نبض الشارع العربي والعالمي. والآن تتبدل الصورة هنا وفي مصر والجزائر وفي كل أرض عربية وفي العالم مع ذلك لا شيء يتحرك فينا (مثل بعضها) إذن فهناك إحساس بأننا نفقد أجمل ما فينا ونحاول التشبث به من خلال الذاكرة كنوع من التعويض.

ومسلسل (خان الحرير) أضاف لنا وقدم البيئة الحلبية بعد أن كانت كل الأعمال تنحصر في دمشق تقريباً. وكان المشاهد يتساءل دائماً هل دمشق هي سوريا كلها؟ وعندما نتجاوز دمشق ونذهب إلى القرية والفلاح. وبالطبع سوريا أكبر من هذا وذاك، فقدم لنا (خان الحرير) مدينة حلب وبيئتها. هذه النكهة وهذه الخصوصية أضافت أهمية للعمل. اكتشفنا حلب التاريخ والواقع الاقتصادي الذي يمثلنا جميعاً. وإنجازات الكاتب نهاد سيريس بالمعنى الدرامي تظهر من خلال قدرته على جعل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي متشابكين في نسيج واحد. كل يتصل في الآخر ويؤثر فيه، وهذا النسيج كان موفقاً ومتقناً والناس بلغ حماسهم لهذا العمل حداً جعلهم يتواطؤون مع الكاتب ويقبلون حلولاً سياسية واقتصادية وفكرية مجردة. ومن جماليات العمل أنَّ الشخصيات ليس لها نمط ثابت كل شخصية متطورة. ولكن هناك ملاحظة تتعلق فيما أسميه (الإشباع الدرامي) فأنا عندما أكون على خلاف مع فلان من الناس ثمَّ أقرر مصالحته لا أتخذ قراراً فورياً بالمصالحة لكنني أمهد لها. وهذه الحالة يجب أن يعيشها المتلقي ليكون مقتنعاً بمبررات المصالحة وهذا ما أسميه الإشباع.. القوميون تصالحوا مع الإخوان المسلمين. والبرجوازية تصالحت مع الوطنيين. واستساغ الجمهور تخريجات الكاتب والمخرج. وهناك أشياء طرحت في العمل الدرامي ولم تستثمر فصار الشيء المطروح مجانياً. وعندما نرفع الغطاء السياسي عن هذا العمل والذي هو أحد أسباب نجاحه (هذه عملية تعسفية) ولكني مضطر بالنقد أن أقول إذا جرَّدت فلاناً من المفهوم الطبقي السياسي هل تبقى شخصيته الدرامية حية أم لا؟ وإذا طبقنا ذلك على مسلسل (خان الحرير) أعتقد أنه ينجح بنسبة 80% وتبقى نسبة 20% [فلو].

·                    المخرج السينمائي محمد ملص: منذ فترة انتابني شعور بأنَّ الاستقبال أو التلقي سواء للعمل الفني أو الأدبي يعاني مشكلة. أو أنَّ المتلقي يعبر عن طريقة في استقبال العمل لا تشبه تماماً الطريقة التي نقصدها. وفي جلسة مع هيثم حقي كاد الواحد منا أن يستنتج بأنَّ المشكلة تستشري داخل المجتمع كله. وكأنَّ المتفرج أصبح يميل إلى سماع نفسه فقط ولا يسمع الآخر. صحيح أنَّه يشاهد التلفزيون ويتابع الأعمال التي تقدم. لكنه في وادٍ وما يراه في وادٍ آخر.. لذلك أرغب في توجيه إشارة تنبيه لأنفسنا. لأنَّه يخيل لي رغم جموح العمل في (خان الحرير) إلى التغاضي عن صراع الشخصيات بالمعنى الحياتي إلى صراع الأفكار، إلا أنه نجح في إثارة الأجوبة الحقيقية لقضايا حقيقية وأعاد الجدل حول الذات أو الماضي. ويبدو أنَّ هذه الطريقة في الاستقبال مؤشر مهم، سواء من خلال هذه الندوة أو فيما ألحظه من رغبة الجميع بالإدلاء بشهاداتهم لجعل هذا العمل لا يمر كما مرَّ الكثير من الأعمال.. صحيح هناك شيء آخر ربما أكثر من الحنين. ربما له علاقة بالحالة الوجدانية الحاضرة للمتفرج. هذه الحالة لا تشبه الحالة التي تقدمها المسلسلات الدرامية. فقد اتضح أنَّ المسلسل شكل أيضاً حالة اهتمام عالية عند جمهور لم يعاصر أحداثه. هناك شيء آخر يحتاج إلى استقصاء ودراسات تساعدنا على اكتشاف حقائق العمل.

·                    المخرج نبيل المالح: هيثم حقي كان ديمقراطياً مع شخصيات عمله. لم يتخذ منهم مواقف مسبقة وجعلهم يعيشون حياتهم بحرية وبنى معهم علاقة حب حميمة. وحتى شخصياته السلبية كان ديمقراطياً معها دون أن يدري. فكان نقياً وصادقاً مع الشخصيات وهذا يستحق عليه التحية.. وثمة شيء آخر ينبغي أن نلاحظه يتعلق بمنهج المخرج. فهو يحتاج إلى مفتاح أسلوبي يبدأ فيه العمل. والمخرج لا يقدم حكاية وليس حكواتياً. المخرج السخيف هو الحكواتي. هناك شيء آخر هو (ضمير) العمل. وهذا يحتاج إلى معادلات تتعلق بزاوية الكاميرا ومساحة الرؤية وطبيعة الحركة.. إلخ. شخصياً أحتاج أحيانا لأكثر من عام حتى أجد مفتاحي الأسلوبي.. من جانب آخر كان الحس الديمقراطي عند كاتب النص نهاد سيريس يمتد باتجاه المخرج هيثم حقي فيتكامل معه في سياق واحد لمنهج تعبيري متطابق مع الإحساس ومع مقولة العمل. هيثم حقي مثَّل حس العمل المفتوح للحياة من خلال زاوية كاميرته وانتقائه للقطات والإضاءة وحركة الشخوص وهذه بعض أسباب النجاح.

·                    عفيف اسعيد: الكاتب نهاد سيريس نجح في إشاعة حالة عامة من التعاطف مع العمل المتميز الذي قدمه فأعطانا صورة حية لمجتمع الخمسينات بكل سياقاته الفكرية والاقتصادية والاجتماعية. واحترام عقل المشاهد حين التزام الموضوعية والتحليل العلمي في طرح مقولة العمل التي امتازت إلى جانب ذلك بالشفافية الأدبية والرؤية الرصينة، فاستحق منا جميعاً هذا التقدير والاحترام. أما المخرج هيثم حقي فقد كان مبدعاً كعادته. ولعله تفوق على نفسه في هذا العمل. واستطاع النفاذ إلى قلوبنا وعقولنا من خلال أسلوبه في التعامل مع النص وذكائه في اختيار الممثلين وأخيراً تقديم العمل على صورة لا تتعالى على المشاهد بل تجعله مساهماً وشريكاً في مسؤولية الارتقاء بالفن الدرامي. وهذا التفاعل الجميل بين الناس وبين العمل الذي قدمه نهاد سيريس وهيثم حقي يمثل درجة من العلاقة الجدلية بين الفن النظيف والوعي الاجتماعي ويقدم مساهمة جادة في تأسيس نهضة فنية شاملة ويحفز الاستثمار على الدخول في ميدان الإنتاج التلفزيوني. أخيراً فإنَّ هذا لحضور المتميز من المفكرين والنقاد والمهتمين في ندوة (أنباء) علامة مبشرة على مستوى التفاعل بين الفن والإبداع وبين قضايا الناس وهمومهم.

·                    د. هاني عبيد: في شهر رمضان عملين حازا على أكبر قدر من الاهتمام والمتابعة. وإذا كان مسلسل (خان الحرير) قد استحق بجدارة هذه الحفاوة من مختلف الأوساط تقديراً للسوية الفنية الرفيعة التي ظهر فيها والأمانة التي تعامل فيها مع أحداث التاريخ، فإنَّ مسلسل (أخوة التراب) أثار ضجة من نوع آخر لأنه افتقر إلى الأمانة في سرد أحداث التاريخ الذي نعرفه جيداً. وهنا تكمن خطورة الاجتهاد الشخصي في الاختزال والتعسف في الاختيار والانتقائية على حساب الحقائق. فقد قدم كاتب النص تاريخاً يحجب ما قبله من تاريخ ويستهين بعقول الناس. (أخوة التراب) عمل تجرأ وزور التاريخ وحاول أن يهيل التراب على أبطال صنعوا مجد التاريخ وتحفظهم الذاكرة الوطنية بكل إجلال.

·                    شوقي بغدادي: مسلسل (خان الحرير) علامة مميزة في تاريخ الدراما التلفزيونية السورية ويمثل مفصلاً في حركة الإنتاج. بحيث يمكن القول أنَّ هذا العمل سوف يصبح معياراً لقياس جودة الأعمال الفنية. وبعد مرور أعوام سيغدو (خان الحرير) نقطة ارتكاز في مسيرة التلفزيون السوري، فيقال بعد خان الحرير أو قبله. وهذا العمل أهميته ليست فقط في المضمون الذي قدمه كمرحلة تاريخية مهمة، لأنَّ أي مرحلة تصبح مهمة من خلال المعالجة التي ترتفع بالعمل أو تنحدر به. إنما الأهمية البالغة نلمسها في تكاملية الرؤية بين الكاتب والمخرج ووعيهما العميق بدلالة الأحداث والتحولات الاجتماعية في تلك المرحلة وقدرتهما الفائقة على بناء نسيج الدراما من خيوط الشفافية والإبداع. وعلى المستوى الفني، طريقة المخرج في استخدام الكاميرا يمكن أن تقتل العمل أو تحييه، ويمكن أن يقنعك باللقطة أو أن يصدمك فيها.. نفس العمل الذي قدمه لنا هيثم حقي بهذه الحرفية العالية والواعية لو أعطيناه لمخرج (أخوة التراب) نجدة أنزور، مع احترامي لموهبته، سوف يسقط. لأنَّ موهبة أنزور فجة وغير ناضجة وتفتقر إلى الثقافة بقدر ما تعتمد على البهلواني وعرضا لعضلات. وأعتقد أنَّ المقارنة بين هيثم حقي ونجدة أنزور غير واردة.

·                    ريم حنا: أهم شيء في شخصية هيثم حقي أنه غير أناني. يستثمر لقطة الكاميرا لصالح الحدث الدرامي ونجومية الممثل. وهذه ميزة خيرة للمخرج عندما يعرف كيف يحرك الكاميرا ويختار نجوم العمل. تحمست كثيراً لخان الحرير كأنه عمل يخصني شخصياً. والسبب باعتقادي أنه ينتصر للتيار الدرامي الذي يمس وجدان الناس من الداخل. ومن حسن حظ نهاد سيريس أنه التقى حقي ليقدما هذا النموذج الراقي في العمل.

·                    علي الكردي: التفريق بين عملين قدما في نفس الفترة لهيثم حقي ونجدة أنزور أرى أنه تصح المقارنة بين نهجين مختلفين. في (أخوة التراب) عند نجدة أنزور هناك عمل بصري وجماليات لكنه غير موظف درامياً. خط الدراما في جهة وحركة الكاميرا في جهة أخرى. غياب الترابط وغياب الجدل بين النص والكاميرا بين الحدث والصراع وعدم تنظيم هذه المسائل ضمن رؤية عامة شاملة أفقدت أنزور العمق. بينما وجدنا عند هيثم حقي كل شيء متناغماً ومدروساً. واللقطة البصرية موظفة لخدمة الدراما والصعود بها إلى مرتبة الوعي بحيثياتها وتفصيلها الدقيقة وهنا يتجلى العمق في تجربة هيثم حقي.

·                    المخرج محمد ملص: يبدو من كثرة المصابين بالحول أو العور أصبح من حق صاحب العينين أن يتلقى تحية إعجاب. مع أنه في حقيقة الأمر من يملك عينين فهو مجرد إنسان طبيعي.. مع ذلك فالمقارنة بتقديري تتم من خلال عنصرين: العنصر الأول هو وجود إحساس للمخرج موجود أصلاً في وجدان الناس وليس فقط في إطار الائتمان التاريخي الضروري لعمله وشكل الطريقة التي يشتغل فيها أو بالمشاعر التي يريد نقلها للمتفرج الذي أول ما يلتقطه هو إحساس صانع العمل بعمله. فإما أن يحب المتفرج هذا العمل أو لا يحبه. العنصر الثاني للمقارنة: أن الشكل هو مضمون. والمقصود بالشكل هنا هو المفتاح الذي تحدث عنه نبيل المالح. المخرج عندما يجسد النص يحتاج إلى وقت طويل ليلتقط المفتاح. وهذا المفتاح له علاقة بالإحساس وبالحب والكره والموقف الفكري والإيديولوجي. لكن مجرد ألا يبحث مخرج ما عن هذا المفتاح أو يعتمد حلاً ليس له علاقة بالنص والشخصيات، وقد يكون هذا الحل نشأ عن عدم قراءة المخرج للنص، فإنه يشي بطريقة مختلفة. وهناك ناس يريدون عمل شيء ما بغض النظر عن النص الذي بين أيديهم اعتماداً على ما داخلهم من طاقات ورغبات عميقة مكبوتة. برأيي أنه بالإضافة للأمانة التاريخية يجب أن يكون هناك وفاء للنص والتزام الحلول الإخراجية به. وهي تبدأ من كيف يرى العمل، وإلى كيف سيعرضه ومن أي زاوية.. اللقطات التي سميت بهلوانية قد تكون لقطة مهمة للغاية لأنها تعكس موقف المخرج. ولكن عندما تصبح موضع سخرية فلأنها تكون مجانية وليس لها علاقة بما تريد أن تقوله. عندما تكون هناك علاقة واعية بلغة العمل وبدرجة ارتفاع الصوت ومحتوى الكلام الذي نقوله. معنى ذلك أننا نقدم عملاً منسجماً. وإلا فستصبح الحلول المهمة عبثية لأنها تكون مجانية.

·                    ممدوح عدوان: هناك مشكلة متكررة حدثت في الشعر والمسرح والسينما والرواية والآن تنتقل إلى التلفزيون وهي (الشكلانية) وعلاقة الشكل بالمضمون. وهذه أبجديات ولكنها في كل مرة تطرح وكأنها تطرح لأول مرة.

هناك مخرجون في أذهانهم أشكال مسبقة ويريدون نصاً يتطابق مع هذه الأشكال. لذلك يقال بوجود أزمة نصوص. والشكل الذي قد يكون جميلاً إذا لم يكن مناسباً لمضمون النص يصبح مثل إقحام الطربوش على التنورة كلاهما في غير مكانه الصحيح. هيثم حقي تثقف بالمرحلة التي قدمها وقرأ عنها وتعارك مع النص ليجد الحلول منه. ولم يفرض حلوله المسبقة على النص. ويقال توزيع الأدوار نصف الإخراج. وقد نجح هيثم في توزيع الأدوار على الشخصيات. ولمسنا ديمقراطية تشبع العين حتى في تقديم الكومبارس. وفي بعض المسلسلات المخرج يكون مشغولاً بحلوله الشكلانية الطاغية تضعف النص وتبعده عن جوهره. تماماً مثل الشعر ابتعد عن الوجدانية وصار المسرح أسير إشكالية التجريب، وحدثت فجوة بين المسرح وجمهوره بسبب الشكلانية.

الآن يأتي التلفزيون. وهذه التجربة الشكلية لا تحترم الدراما ولا الأشخاص ولا العمل الأدبي وبالتالي لا تخدم المتفرج. الشكلانية لها إبهار وجاذبية. والشكلانيون ربما ظنوا أنَّ ذلك حداثة كصاحب الكلمات الشعرية الغريبة وغير المفهومة وغير المترابطة. كل مشارك في العمل هو جزء من العمل وليس كل العمل. وهذا هو جوهر الديمقراطية. أراد أن يقول أنا وهذه المجموعة من المؤلف إلى آخر كومبارس قدمنا لكم هذا العمل. والمخرج الجيد مثل النحات الممتاز التي لا تظهر من منحوته ضربة إزميل. وبالتالي الإخراج الجيد هو الذي لا أرى فيه المخرج كل لحظة يمد لنا رأسه ليقول ها أنا ذا.

·                    الكاتب نهاد سيريس: العمل الذي رأيناه روائي ولكن طابعه الواقعية التاريخية. بمعنى أنه يأخذ التاريخ كوثيقة ويبني الواقع الملائم لهذا التاريخ. وللعمل ثلاثة مستويات، الثلاثة مربوطة بشبكة علاقات شاقولية. بمعنى أنَّ الشخصية قد تلعب عدة أدوار وتنتقل بين المستويات. وأنا لم أعطِ رأياً في الوحدة، وإنما أظهرت وجهات نظر الفئات السياسية والاجتماعية. وإذا كنت ملت قليلاً نحو الرأي الليبرالي الديمقراطي الذي يمثله مراد (جمال سليمان) القادم من أوروبا والذي يتحدث عن الجديد وعن الصناعة وكأنه ينظم الشعر. كان يمكن رصد فئات أخرى في حلب لكن الحيز الجغرافي ووحدة الموضوع (المكان والزمان) فرضا علي أخذ فئة واحدة هي الفئة المتوسطة التي دخل عليها الجديد المتمثل بمراد. ولذلك ظهرت أحيانا أشياء عاطفية من أجل تقديم وجهات نظر التقليديين من الأبوية إلى المرأة إلى الصناعة إلى السياسة والوطنية. وحاولت تقديم وجهات النظر المختلفة والمتصارعة. بالنسبة لأحمد (بسام كوسا) في العمل، هذه الشخصية كانت تختزل حركة سياسية كاملة. وكان شاباً. لأن ذلك برأيي كان متفقاً مع طبيعة وحركة الشباب في تلك المرحلة. وفعلاً كانت الحركة الوطنية صادقة في منطلقاتها. حماسية وشعاراتية. لكنها لم تكن سيئة. ولذلك قدمت أحمد بحب شديد. وما وصلت إله الحلقة الأخيرة في العمل وهي الأكثر إشكالية كما نابعة من طبيعة هذه الشخصية التي كانت أمينة لنفسها في موقفها من حليفها القديم. التيارات تناست خلافاتها الصغيرة حول الوحدة. وبعد ذلك ظهرت التناقضات على السطح. القوميون المتحمسون أرادوها وحدة على أي صورة. أما الآخرون فكانوا أكثر عقلانية. وكان همهم بناء الوطن والحفاظ على الجمهورية السورية ككيان سياسي وجغرافي. وهذا موجود في التاريخ ونقلته بأمانة. وقد أشار الدكتور صادق جلال العظم إلى كتاب باتريك سيل (الصراع على سوريا) وفي هذا الكتاب تظهر فيه الحقيقة بوضوح. أقصد خلافات القوميين مع الوطنيين الليبراليين الذين يمثلهم في الواقع خالد العظم نائب رئيس وزراء سوريا في ذلك الوقت. والذي أشرنا إليه عدة مرات في المسلسل. وهذه الشخصية نكن لها الاحترام الكبير، وكان خسارة أن نفقد الليبرالية المحلية التي كان لها مشروع متكامل اقتصادي وسياسي واجتماعي.

حول بعض الأسئلة التي طرحت في الندوة بالنسبة للشيوعيين ولماذا لم يتواجدوا في العمل. لأنني لم أعثر عليهم بين شرائح الفئة التي قدمتها. وإن كانوا موجودين على مستوى الوطن بأفكارهم التي حملها مراد (جمال سليمان) وأمه.

بالنسبة لسؤال ممدوح عدوان حول عدم استثمار شخصية نعيم ومقيم، ردي أني استثمرت هاتين الشخصيتين بقوة. كان على مراد أن يدخل خان الحرير كإنسان جديد وإلا ترنح العمل. وأنا مهدت في الحلقة الأولى لهذا الدخول: موت (أبي نعيم)، الخلاف بين الولدين، وفي الوقت ذاته بحث مراد عن ممول لبنائه مصنعه، التأزم بين الناحيتين مهد لهذا اللقاء. ولا ننسى أنَّ أبا نعيم ومقيم يمثل الحزب الوطني وكان يحدث كمال (سليم صبري) ويذكره بأيام النضال المشترك ضد الفرنسيين لكن الأمور تغيرت. وكان علي أن أقود محوراً من خمس حلقات لإيصال مراد إلى الخان حاملاً الجديد بكل آرائه. ومن هنا كانت التهم توجه إليه (كل الحق على أبو برنيطة) وأصاب المخرج الأستاذ هيثم حقي بإشارة فنية ذكية عندما وضع البرنيطة في مواجهة الطربوش. كمال كان مستعداً لمصالحة الجميع لكن هذا (أبو برنيطة) مستحيل. وبالفعل أجهض هذا المستقبل الرائع الذي كان من الممكن أن يقدم شيئاً لوطننا.

·              المخرج هيثم حقي: أنا سعيد جداً لما سمعته من آراء حول (خان الحرير).. مشروعي الأساسي بعد العودة من الدراسة في الخارج كان العمل في السينما مع مجموعة الشباب السينمائيين. لكن التجربة السينمائية في التلفزيون السوري أجهضت بشكل ما. عملت فيلماً طويلاً توقف بعد إنتاجه. أنا كنت أحب التلفزيون وعملت وقتها مسلسلاً اسمه (الوسيط) فأثار ضجة كبيرة. ولفت انتباهي تفاعل الناس مع هذا العمل. حينئذٍ اعتبرت أنَّ هذه الوسيلة هي التي أبحث عنها. وعندما اشتغلت فيها لم أخرج عن نطاق مهنتي. وطبعاً حافظت على الفكر والمبدأ الذي استند إليه رغم علمي بالمحظورات الكبيرة في التلفزيون. صحيح أنَّ هامش الحرية في التلفزيون ضيق لكن التعويض يأتي من تجاوب الناس الكبير. فبدأت أشتغل. وعشت حالة صراع حقيقية مع الأصدقاء السينمائيين الذين كانوا يرون أنَّ العمل في التلفزيون يخضع للرقابات الأكثر تشدداً في الوطن العربي. وهذا صحيح، فنحن نعمل ضمن ظروف رقابية مأساوية جداً. وكنت دائماً أشعر بأنني أقدم تنازلاً فنياً. فأنا كسينمائي بالأصل وأرغب العمل بلغة سينمائية أعرف أنَّ الذي أشتغله في التلفزيون ليس صحيحاً تماماً. لكن بالمقابل شعرت بتجاوب الجماهير بسبب اتساع انتشار التلفزيون خاصةً عندما قدمت (عز الدين القسَّام) و(حرب السنوات الأربع) و(دائرة النار) إلى أن وصلت إلى (هجرة القلوب إلى القلوب) ثمَّ (خان الحرير).

الإنتاج السوري في الأصل إنتاج جدي وجريء. لكن عندما دخلت مشكلة التسويق العربي صار المطلوب أن نقدم أعمالاً على القياس الخليجي. لذلك حدث تراجع على مستوى الأفكار ومستوى التنفيذ الفني.

مجيء نجدة أنزور إلى سوريا أدخل الصراع حول الشكل. وأنا أعتقد أنَّ هذا الصراع كان موجوداً في السابق. وأنا خضته في الكويت على سبيل المثال مع المخرج عدنان إبراهيم.وبرأيي كل موضوع له شكل فني وتحديد هذا الشكل هو مفتاح العمل. أنَّ استخدام كافة وسائل التعبير بالقدر الذي يتاح لي وأول هذه الوسائل الممثل. مسألة اللغة الفنية اعتبرها مشروعي ومشروع جيل كامل من السينمائيين في سوريا أرادوا استخدام الوسائل السمعية البصرية وأرادوا أن ينقلوا أفكاراً وأحاسيس وقيماً كي يتواصلوا من خلالها مع الجمهور. وأنا سعيد أننا خطونا خطوة بهذا الاتجاه.

·              الفنان بسام كوسا: تمنيت لو أنَّ الزملاء الفنانين الذين قدموا (خان الحرير) متواجدون في هذه الندوة ليعيشوا لحظات التفاعل مع الناس التي عشتها. أعتبر هذا العمل تجربة مهمة جداً لي لعدة أسباب. أولها أنَّ النص مهم للغاية ومتماسك وعندما قرأناه أحببناه. وهذا شرط ضروري للعمل. ومن الصعب أن يتوافر دائماً. ثانياً: كان فرصة للعمل مع مخرج مثقف لا يستعبد الممثلين ولا يستخدمهم كبيادق بل يبني معهم حواراً حياتياً وفلسفياً ليصلوا معاً إلى نتيجة مهمة للعمل. المخرج هيثم حقي يخلق التفاعل الحميم مع الممثل للوصول إلى المقولة النهائية للعمل. فالممثل جزء أساسي من العمل كما المخرج وكما السيناريو لأنَّ غياب أحد هذه العناصر يفقد العمل ركيزة مهمة من ركائزه.

·              حميد مرعي _ مشرف الإنتاج: أنا ليس عندي فلوس. مجرد موظف يسمونني مديراً. مسألة الإنتاج أبعد من (خان الحرير) وأبعد من التلفزيون نفسه. إنها مسألة ذات شجون. ولكن الشيء المهم أنَّ الإنسان الذي يقدم عملاً جيداً يلاقي صدى طيباً. ما تزرعه تحصده. وهذا الصدى الطيب الذي لاقاه (خان الحرير) رغم تواضع تكاليف الإنتاج يعطينا الأمل بأنَّ الذي يجتهد ويكون أميناً على عمله يجد الأجر الوفير في تقدير الناس لعمله.. المنتج بصورة عامة وضعه صعب والأخوة الذين عملوا في (خان الحرير) يدركون أنَّ العمل سيواجه كل الرقابات العربية الموقرة. ورغم ذلك فهناك قناعة بأهمية العمل. ولكن يرافق الإنتاج هاجس كبير بأن ترفضه نصف المحطات العربية على الأقل. مع ذلك فإنَّ (خان الحرير) أخذته غالبية المحطات العربية وهذا عامل مشجع.

 

 جريدة الأنباء الكويتية العدد  7134 _ الثلاثاء 26 آذار 1996 - نظم الندوة وقام بتسجيلها عصام أباظة


TOP

Copyright © 1999 - 2001 Nihad Sirees All rights reserved