رواية

السرطان

نهاد سيريس

 

1

- أهلا وسهلا، يا مرحبا، أهلا وسهلا بك في بلدك.

قال رجل الجمارك الذي التقيته مرة أخرى في مراحيض المطار. ابتسمت له. ابتسم لي. غسلت يدي بالماء والصابون المعطر. المرآة تعكس صورتينا. أنا أنظر إلى خياله، وهو ينظر إلى خيالي. الرجل نظيف جدا. جعل يغسل يديه للمرة الثانية. المرة الأولى قبل التبول، والمرة الثانية بعده، وأنا أنظر إلى خياله في المرآة الصقيلة التي تظهر صورتي في أحسن حال. مرآة تجدها في أغلب مراحيض المطارات في العالم.

أنوار مبهرة ساعدت على توزعها بهذا الشكل المنتظم الجدران والسقف السيراميكي. حتى الأرضية كانت تضهج. نظيفة لامعة شهية. أين تستطيع أن تجد أرضية مراحيض نظيفة؟ في المطارات طبعا، في المطارات يا أخ. والأحواض، ما بها؟ بيضاء صقيلة، لامعة كأنها مرآة هي الأخرى، تنساب عليها المياه وكأنها زئبق، لو سقطت أسناني الصناعية في الحوض لرفعتها ودسستها في فمي دون أن أشعر بحاجة إلى غسلها.

أغلقت الصنبور النيكلي اللامع ذا القبضة الزجاجية المزخرفة، ثم فتحته من جديد. كأنك يا عبد الله قادم من القرية. قادم من أبعد قرية في وطنك، ولست قادما من بوينس آيرس، حيث الحضارة كما هي في مراحيض مطار الوطن، وكأنك تلمس هذه الأشياء للمرة الأولى!

- أهلا وسهلا  بابن العرب!

تابع رجل الجمارك الذي كان قد اكتشف اسمي العربي من جواز السفر الذي أحمله، والذي قدمته له ليضع عليه ختمه ذا اللون الأحمر. كان يجفف يديه على آلة التجفيف. كان سعيدا بمرور الهواء الساخن خلال أصابعه. إنها لذة على كل حال، بينما كنت أغسل وجهي، بالصابون المفعم برائحة الصنوبر. لا أعرف لماذا تستهويني مراحيض المطارات، ولا أعرف لماذا أمكث فيها مدة أطول كلما سافرت. أظنني مصاب بمرض المراحيض، المراحيض الأنيقة، حيث تفوح رائحة عطرية خاصة، وحيث تعمل شرّاقات الهواء بقوة. جففت وجهى وسرحت شعري الشائب وخرجت لاحقا رجل الجمارك.

ماذا أكتب؟ يا لي من سخيف! مراحيض المطارات، وشرّاقات الهواء، والصابون ذو الرائحة الصنوبرية!..

ورغم أن هذه الأمور طبيعية، وأنا فعلا من هواة الجلوس في المراحيض بينما أدخن وأقرأ الروايات التاريخية، إلا أن هذه الأشياء لا تخطر ببالي إلا عندما أكون في حاجة ماسة إلى الجلوس، أي أنني لا أتجول في المراحيض فقط للنزهة.

في الماضي كنت أكره النهوض من على الكرسي، في بعض الأحيان يخاف المرء من أن تنزل أمعاؤه في النهاية. ولكن عندما شاب شعري وأصبحت في الخامسة والخمسين وأصبحت أمعائي تعمل بكسل، أصبح لزاما علي أن أجبر نفسي على الجلوس أكثر والاستماع إلى الموسيقى وقراءة المجلات المصورة على طريقة والت ديزني والكتب التاريخية التي تتحدث عن الحروب الصليبية في الشرق.

أنا في الستين، شيء هائل، جميل، مؤسف، عمري طال ستين سنة حتى الآن. أي سبعمائة وعشرين شهرا، أي عشرات الألوف من الأيام، أطحن طعامي بأسنان صناعية، نحيل، ذو وجه طويل، وجبهة عريضة لا تمنحني وسامة خارقة. شعر ناعم أبيض يشوبه سواد خفيف مسبل على الصدغين. لقد شاهدت نفسي منذ قليل في مرآة مراحيض المطار إيطالية الصنع. ها قد عدنا من جديد إلى المراحيض، وربما يا أيها القارئ، قد بدأت تشم رائحة غير طبيعية، ولكنني أذكرك أن مثل هذه الروائح لا توجد إلا في مرحاض بيتك، عذرا، فأنا لا أشتمك، فوظيفتي أن أتملقك وأدغدغك كي تصدقني وتقرأ كلامي إلى نهايته، لا أن تقـذف بالكتاب بفقدان صبر وحقد عبر النافذة إلى الشارع.

نعود إلى ما كنا نقوله. إذن أنا في الستين. من مواليد 1926، عشية الأزمة الاقتصادية العالمية. في العام الذي ولدتني فيه أمي، أفلس أبي. وفي السنة التالية أفلست أمريكا. سمّوني عبد الله. أنا عبد الله. هذا غريب! كان عليهم أن يسمّوني باسم آخر له دلالات الإفلاس والندب والعويل. قال أبى حينها- هكذا قالت لي أمي بعدها- إنني كنت نحسا عليه وعلى تجارته، والحمد لله أن أمريكا لم يصل إليها كلامه ولم تقتنع به. ماذا كان سيحصل؟ عندما كبرت أصبحت الكوابيس تلاحقني. كنت أتكوبس (من الكوابيس) أن أمريكا رغبة منها في الحفاظ على مصالحها الحيوية وعلى اقتصادها الذي بدأ ينهار نتيجة ولادتي ومجيئي النحس إلى هذا العالم المتفائل والشريف، جاءت بأساطيلها لتختطفني ثم لتعلق مشنقتي في الجادة السابعة في نيويورك. في أحد هذه الكوابيس رأيت امرأة عجوز تصفق بحماس لإعدامي شنقا حتى الموت. أخرجت لها لساني، وعوضا عن أن تبصق في وجهي، بلعت ريقها ثم غمزت لي بعينها. المهم... أنهم لم يعدموني، فأنا حي حتى الآن، وأصبح عمري ستين سنة.

سوف أتكلم قليلا عن هذا الحدث العظيم. يقال إن عمري ستون سنة. وإني أعيش الذكرى الستين لمولدي، أو يمكن القول: ستينية عبد الله المنحوس. كل ذلك له معنى واحد لا غير، وهو أنني قد عشت ستين سنة وأنني لن أعيش غيرها.

حسب علمي فقد مات فرانز شوبرت وهو في الحادي والثلاثين، موزارت لم يعش سوى ستة وثلاثين عاما. وبوشكين مات وهو في ريعان الشباب. وعاش الاسكندر المكدوني إحدى وثلاثين  سنة فقط لا غير.

قبل قليل ذكرت ما يلي: "إنني قد عشت ستين سنة وأنني لن أعيش غيرها". ما معنى هذا الكلام؟ هل تريد أن أقول لك يا قارئي العزيز لماذا لن أعيش سوى ستين سنة؟ أي أنني سأموت هذه السنة؟ تعال معي إذن إلى صالة المطار، صالة الركاب، لأنني سأجلس على أحد المقاعد، وبجواري حقيبة سفري ذات العجلات، وحقيبة سامسونايت سوداء، فأنا أحب أيضا الجلوس قليلا في المطارات، في صالات الركاب، وفي مقاهيها. توجهت نحو مقعدي الجلدي الوثير حيث تركت حقيبتي بأمانة إحدى المسافرات الشابات اللواتي تراهن بكثرة في هذه الأيام، وقبل أن أجلس وأمتع نظري بعظمة المبنى وزخرفته الشرقية، صافحني رجل الجمارك وقال: سوف تكون سعيدا في وطنك أيها الأخ العربي. هنيئا لك بعودتك!

احمر وجهي للمرة السابعة، كم هم لطفاء. رجل الجمارك هو الموظف الوحيد المكروه في كل الدنيا وكل المطارات. إنه في العادة ذو وجه جامد وقبيح، وإن ابتسم، فبسمته صفراء مليئة بالسخرية والحزم والرهبة. يراقبك بذكاء، قد ترتبك، فيعاود التفتيش. نسيت من قال لي إن رجال الجمارك يراقبون حنجرة المسافر. جوزة حلقه. فإن قام بابتلاع ريقه حين يسأل فالويل له. ولكن هذا الرجل لطيف. إنه من القلة الذين تقابلهم، ويتحلّون بأخلاق عالية. وبعد فليل أرسل إلي فنجانا من القهوة المركزة. ابتسمت المسافرة الشابة ولم تقل شيئا. حسبت أنني قد رشوت الموظف فكافأني بفنجان من القهوة. يا لها من شريرة هذه الشابة. رأتني كيف أدخل المراحيض، وكيف لحقني الموظف. حسبت أننا رشونا بعضنا بعضا في المراحيض.

شربت القهوة. نسيت أن أدعوها لمشاركتي بارتشافها. اعتذرت لها، فقد كانت تراقبني بطرف عينها. بماذا تفكر؟ فتاة في الثامنة عشرة تراقب رجلا في الستين، نحيلا شائب الشعر أصفر الوجه.

سألتها بعربيتي المكسرة والمحطمة والعتيقة:

- هل تريد السنيوريتا أن تشرب قهوة؟

لم تفهم. أنا الغريب في هذا الوطن الرائع، أعدت سؤالي ثلاث مرات. فهمت أخيرا. ابتسمت فانتفخت الوجنتان وضاءت العينان الشهلاوان وهي تقول:

- شكرا شكرا لا أريد!

هززت رأسي كجد خبير ومحنك. بعد قليل علا صوت المكبر. قوقأت دجاجة المطار:

- كاك، كاك، كاك، المسافرون على آير فرانس إلى باريس وروما كذا وكذا أن يفعلوا.

نهضت الفتاة وكأن شيئا لسعها. هذه إذن طائرتها. آير فرانس. صافحتني  بتهذيب شديد. قمت بدوري. قالت لي وكأني لم أفهم:

- هذه طائرتي. أنا مسافرة إلى باريس.

قلت وقد أصابني خجل عظيم:

- لماذا؟

تعجبت قسمات وجهها لسؤالي. كيف لماذا يا ملعون؟ إنها ببساطة مسافرة وهل تريد أن ترحل معك؟ ولكنها أجابت عن سؤالي بخبل أشد من خبلي إلا أنه كان أجمل:

- لقد خطبني دكتور طبيب يتخصص في باريس.

احمر وجهها، ربما كانت تريد الاحتفاظ بسرها لنفسها. ولكنني أخطأت، فقد استمتعت هي بسرد قصتها:

- لم نتزوج بعد. أرسل إلى والده وكالة عامة تخوّله كتب كتابه علي في المحكمة. وجدت نفسي أسألها ونحن واقفان:

- ولماذا لم يأت هو؟

- إنه مشغول جدا. لا وقت لديه. اختصاصه صعب ومربح.

- ولكنه جاء ليخطبك.

- كلا، فقد خطبتني والدته. عرضت علي صورته وشهادته وصورة عن جواز سفره، أعجبني شكله. وعندما وافقت أرسلت له صورتي. الأصح أنني أرسلت له ألبوم صور كامل.

قلت وعيناي في قحف رأسي:

- وهل أعجبته؟

أطرقت الشابة، إنها خجولة. ظهر جمالها أكثر من المعتاد. قالت وقد امتقع لونها خجلا:

- أرسل إلي رسالة يقول فيها إنه دهش لجمالي، وطلب شيئا آخر.

قلت بلهفة:

- وماذا طلب؟

- طلب شريط فيديو، فاستأجر والدي مصورة فيديو للأعراس، فجاءت إلى بيتنا مع عدتها وسحبت لي شريطا طوله مائة وثمانون دقيقة.

- يا إلهي... لقد أصبحت فعلا ممثلة سينمائية.!

بانت الأسنان اللؤلؤية مرة أخرى، رفعت كتفيها وذراعيها بحركة دالة. على بعد أمتار كان يقف رجل وامرأة وصبي. فهمت من الإشارات أنهم والداها وأخوها. جاءوا لوداعها. صافحتني مرة أخرى وهي ترقب لوحة الإقلاع. هاهي تدور لتكتب آير فرانس. هيا إذن! إنه ينتظرها في مطار شارل ديغول. هل سيتعرف عليها وتتعرف عليه؟. ربما طلب من الدجاجة هناك أن تذيع ما يلي: فلانة الفلانية إلى مكتب الطيران الفلاني. وهناك سيتقدم إليها بخجل ليسألها ألست أنت؟، فتحمر وتتعرق وتنفخ: ألست أنت. يا له من امتحان. هل سيعجبها؟ هل ستعجبه؟. تمنيت لهما التوفيق. سارت باتجاه أهلها وهي تخطو كراقصة باليه متفوقة من الدرجة الأولى في مسرح البولشوي.

جلست ورحت أراقبها وهي تهرع مع أبيها لتنظيم أمور السفر والجوازات والجمارك. بعد قليل كان فستانها قد تشرب رطلا كاملا من العرق. عروس حديثة، عروس معبأة للتصدير.

ما علاقتي بهذه الأمور؟ لقد امتقع لوني ورحت أشتهي تدخين سيجارة. الأطباء منعوني، لعنة الله عليهم. أخبروني في المستشفى الملكي أنني مريض. أنت مريض يا عبد الله. يا عبد الله أنت مريض. استنتجوا ذلك من التحاليل الكثيرة التي أجروها علي. وكأنني فأر تجارب، أخذوا مني سنتيمات عديدة من الدماء، حتى أصبحت يداي كالمصفاة، وأخيرا وضعوا النتائج في الكومب ثم ضغط الموظف زرا أصفر اللون مثل لون بشرتي، فإذ باسم المرض يكتب على شاشة زرقاء اللون. ماذا كتب الكومب هذا؟

أعوذ بالله من هذه الذكريات. إني أرفض التذكر، فأنا أشعر بهبّة ساخنة تجتاح رأسي وجسدي كله. كيف تخونني قواي الآن، لماذا أرهق نفسي؟ علي أن أنفذ تعليمات الأطباء والكومب وكفى. قالوا لي إنه يجب علي أن أجتاز دورة تثقيفية، مدتها هي المدة الباقية من حياتي. ولماذا هذه الدورة؟ ماذا بقي علي أن أعرفه قبل أن تخرج روحي من جسدي؟ تصوروا هذا وتمتعوا!. نعم، أنتم تتمتعون الآن بما أكتب، بينما ذلك الوحش الذي اسمه سرطان الدم ينهي مستقبلي في أشهر معدودات. يحرق دين هذه الصنعة، فسرطان الدم لم يجد غيري ليلعب لعبته معه.

إذن، الكومب اكتشف المرض. حالة تكنولوجية. موت تكنولوجي. والآنسة سحبت فيلما بمائة وثمانين دقيقة. ثم أرسلت الفيلم إلى فرنسا على إحدى طائرات الآير فرانس، ليشاهدها الخطيب الأصيل بعد أن شاهدها الخطيب الوكيل، بعد أن تفحصتها أم الخطيب وأبو الخطيب. ماذا كنت أقول؟ نعم… أطباء وكومبيوتر المستشفى الملكي في بوينس آيرس اكتشفوا المرض الذي سيجعلني أموت في الستين. وبعد أن تمالكت أعصابي سألت إن كان جهازهم يستطيع أن يحدد موعد تسليم الأمانة. ضرب ابن الكلب بأصابعه العشرة وكأنه يضرب على الآلة الكاتبة ثم تطلع إلي بحنو وكأنه يريد رفع معنوياتي. أعاد ضغط الزر الأصفر ثم قرأ ما كتب على الشاشة:

- مائة يوم يا سنيور!

مائة يوم. مائة إصبع وسطى. مائة خازوق منجر من خشب صلد. عد يا عبد الله ! 99- 98- 97.. لعنة الله على مخترع الأرقام، وكأنني مكوك فضاء سينطلق بعد أن ينتهي العد التنازلي، 96...

ترم.. ترم.. إذاعة المطار، الدجاجة تقوقئ من جديد:

- كاك.. كاك.. كاك. الرحلة رقم 96 ستتم في موعدها المحدد شكرا. باضت أخيرا. الرقم 96 والموعد المحدد.. و..

أنا لا أستطيع أن أفهم سر مذيعات المطارات (عفوا ولكن علي أن أحدد موقفي بوضوح منهن) وكأن كل الحكومات في العالم أجمع، تصر على مواصفات معينة حين يتم تعيينهن. صوت رفيع ودم بارد، هذه هي المواصفات، يقلبون الدنيا رأسا على عقب بحثا عمن لها تلك الإمكانيات، لا لشيء إلا  لكي يثيروا أعصابي.

لقد قررت أن أنتظر موعد الغداء لأتناوله في المطار ومن ثم أرحل. إلا أن بعض الأشياء تجعل مكوثي هنا مستحيلا، ثم علي أن أفكر، وكيف يمكن أن أفكر بهدوء؟ قولوا لي كيف! اتخذت قراري، لن أفكر.. وليحصل ما يحصل!

التقطت حقيبة السامسونايت. أدرت الأرقام حتى أصبحت تشير إلى رقمي النحس. (0100). هذا هو الرقم السري الذي تنفتح عنده الحقيبة، وهذا هو الرقم الذي ستنفتح الأرض عنده وتبتلعني. أخرجت كروز السجائر الأمريكية وفتحته. أخذت منه علبة ثم أعدته. أغلقت الحقيبة ثم أدرت الأرقام من جديد على رقم آخر. أعدت الحقيبة إلى مكانها على المقعد الجلدي واستنتجت أن المقعد مستورد. نصدر الزوجات ونستورد المقاعد. أخرجت سيجارة ووضعتها بحنق في فمي. لقد قررت أن أعود إلى التدخين. ما فائدة نصائح الأطباء؟ عليك أن تتوقف عن التدخين يا سنيور، جسدك يحتاج إلى الراحة، إن أنت أقلعت عن السجائر، ستعيش مائة يوم ويوم. أي يوما زائدا. سأشعل السيجارة وسأهدي هذا اليوم لموظف الكومب.

ظللت خمس دقائق أبحث عن كبريت، فرصة ذهبية كي لا أتذكر ولا أفكر. ورغم ذلك مرقت في ذهني الفتاة التي زوجت بالفيديو. كم كانت سعيدة، لم تكن خائفة، وهذا ما حيرني فعلا. في أي بوز صوروا الفتاة؟ بوز واحد لمدة مائة وثمانين دقيقة؟ هذا لا يمكن. بل إنها صورت وهي تأكل وتشرب وهي تمشي وهي تغني، وهي تنشد الشعر (هذا مستحيل) صوروها وهي تجلي الصحون، وهي تمسح الأرض ثم وهي نائمة. بدلت فساتين عديدة، سرحت شعرها بأشكال مختلفة. صوروها وجهيا ثم صوروا جانبيا وأخيرا وهي ترسل قبلة هوائية. هأ.. هأ.. هأ.. إلا أنهم لم يصوروها والعرق يزخ من جسدها فيتشربه فستانها حتى البلل. ما لك ولها يا عبد الله؟ اتركها لعنة الله عليك! يا لك من منحوس. أنا لا أسخر من الفتاة، كما أرجو أن أفهم على أنني لست ضد الزواج، فأنا من أكثر المشجعين على الزواج، حتى أنني تزوجت ثلاث مرات، وهذا ليس بشيء شاذ. طلقت مرتين وترملت مرة واحدة. المجموع ثلاث، وحينما ماتت زوجتي الأخيرة (وكان ذلك قبل عشر سنوات) أقلعت عن هذه العادة، رغم أنني كما قلت من مشجعي التزاوج والتراحم والتقارب. والإقلاع عن الزواج وأنت في الخمسين فكرة هائلة جدا، وقد جربتها، فقد عرضت علي إحدى الأرامل أن نتزوج. في بوينس آيرس تستطيع أن تجد الكثيرات منهن. أرامل ذقن طعم السرير، سرير الزوجية وغير الزوجية. الزوج الشرعي وغير الشرعي. وبما أنني قد قررت فقد رفضت (أنا حر طبعا) المرأة تريد تأمين مستقبلها، هذا من حقها، ولكن أن تعرض عليك امرأة الزواج وأن ترفض فهذا شيء هائل. أنا فعلتها، أرجوكم ألاّ تحسدوني. ومن ذاك الذي سيحسدني لأن أرملة عرضت علي الزواج رغم أنني كنت أبطحها على سريري ثلاث مرات في الأسبوع؟ (على فكرة، كانت المرأة تملك رصيدا بمبلغ مليون دولار، والآن، بعد أن عرفتم ذلك هل ستحسدونني أم تسمونني حمارا!).

السيجارة الأولى جعلتني أشعر بدوار خفيف. أخرجت الثانية وأشعلتها من عقب الأولى، وأنا أرقب لوحة الإقلاع والهبوط. كانت الشرائح المعدنية السوداء تدور على نفسها بالتناوب، ثم تظهر الكلمات والمواعيد والأرقام. شيء جميل أليس كذلك؟ كيف يصنعون هذه الأشياء؟ سويسرا بلد العجائب. صنعت في سويسرا (أوميغا). كيف يعرضون منتجاتهم هذه في الدكاكين؟ كيف وصلت هذه اللوحة إلى مطارنا؟ ألا يمكن أن يصنعوا لوحة تناسب الزخرفة الشرقية لمطاراتنا؟

على كل، كنت أرقب الناس، وأنا أدخن السيجارة الثانية. لقد طلقت نهائيا نصائح الأطباء، وها هي السيجارة الثانية تبدو شهية جدا، حتى أنني بت أشتهي كأسا من النبيذ. ولكن علي أن أعرف حدودي. الخمرة ممنوعة بتاتا. الأدوية التي أستعملها والتي أفردت مكانا واسعا لها في حقيبتي لا يمكن تناولها مع الخمرة، وإلا انتهيت قبل المائة يوم المعهودة. وماذا في ذلك؟.. مائة أو خمسين أو حتى عشرين... لا فرق. إن هذه الأرقام أمست متشابهة في ذهني،.. كلا، فأنا أحتاج إلى الأيام الباقيات، ولماذا عدت إلى الوطن إذن؟ ولماذا رفضت المكوث في المستشفى الملكي الذي يديره السسنيور كومب؟

قالوا لي يا سنيور عبد الله، سوف نعطيك جناحا جيدا يشرف على حديقة المستشفى. حديقة ممتلئة بأشجار ونباتات وزهور خط الاستواء. أمريكا اللاتينية رائعة بهذه النباتات، لها أشكال غير عادية كرسومات السورياليين. قالوا لي: يا سنيور عبد الله، إن جناح السرطانات عندنا لا مثيل له في كل أمريكا اللاتينية، هنا يموت المريض بهدوء وانشراح، ولكي يموت كذلك عليه أن يتمتع بنفسية معينة نؤمنها له من خلال دورات تثقيفية نوعية تجعل المريض يستقبل الموت بفرح وسرور. دورات تثقيفية كاثوليكية ومورفينية. دورات بإشراف كومبيوتر عصري جدا. هذا غير الجناح المجهز بأحدث التقنيات الحديثة للتسلية بحيث ينسى المريض مرضه، حتى أنك تستطيع (يا سنيور عبد الله) أن تلعب مع الكومب جميع الألعاب من كرة القدم إلى حرب النجوم الألكترونية.

- ولكنني رفضت!

- ولماذا رفضت؟

- وهل سأقول لك كل شيء؟ يا لك من لجوج متطفل، ثرثار، حقير… عفوا.. عفوا. اعتذرت للرجل الذي كان يحمل ثلاث حقائب دفعة واحدة. حسب أنني أشتمه. ولماذا أشتم رجلا أصلع؟.. يبدو لي أنني أكلم نفسي بصوت عال. حدث ذلك معي أول مرة حينما حددوا لي المائة يوم. لا أعرف لماذا يحدث معي ذلك. كنت في الماضي أحسب الذين يتكلمون مع أنفسهم بصوت عال، ويشتمونها أيضا، إنهم مجانين، ولكنني الآن تأكدت مائة بالمائة أنهم ليسوا كذلك، فأنا مثلا لم أجن بعد، ومع ذلك أكلم نفسي. هذا شيء طبيعي. إلا أنك يا عبد الله، من المستحسن أن تتكلم بهدوء وألا تشتم نفسك، فقد تقع في مشكل مع أحد المارة فيجعك رأسك. قلت لهم أنا لست كاثوليكيا، فقالوا لي إن الله هو رب جميع المؤمنين، فقلت لهم هذا صحيح، ولا أحتاج إلى السنيور كومب العزيز ليفهمني ذلك. فقالوا أنت رجل بسيط يا سنيور، إن دوراتنا وصلت إلى مرحلة عالية من الجودة بحيث تجعلك تكره الحياة، وتكره الدنيا في ثلاثين يوما، إنها تجعلك تتمنى الموت فورا. فقلت لهم وكيف ذلك قالوا:

- سنجعلك تطلع على نتائج أي حرب نووية، وسنجعلك ترى بأم عينك المجاعات في إفريقيا والجرائم في نيويورك وحروب السيخ والهندوس في الهند وحرب السلفادور والهندوراس من أجل لعبة كرة القدم. سنقدم لك إحصائيات أكيدة عما يلي: حرب لبنان، وعن عدد الفلسطينيين الذين أبيدوا وعن نتائج حرب البيافرا في نيجيريا، عن عدد اليساريين الذين أعدموا في إندونيسيا والتشيلي.. عن.. عن.. عن... وأخيرا عن خطط السي آي إي في العالم...

رفضت حينها بشدة. رفضت رغم أن ضغطي ارتفع وتورد وجهي على غير عادته منذ بداية مرضي وحتى الآن.

رفضت أيضا لسبب آخر، غير السبب الأول الذي لم أقله بعد. كانوا سيسجنونني في غرفة بيضاء ليحقنوني بمستحضرات اليود المشع التي وإن أخرت الأجل قليلا إلا أنها تشوه الجسد وتسقط الشعر. لا... لم أوافق ولذلك رفضت. أطفأت السيجارة الثانية دون أن أشعل الثالثة. الآن علي أن أطلب شعلة من أحدهم فالتدخين يسليني. يجعلني أكثر انسجاما مع جو المطار. أخرجتها ووضعتها بين شفي وجعلت أنتظر ابن الحلال الذي يملك كبريتا ويبدو عليه ذلك.

عادت إذاعة المطار للبث. اير فرانس أقلعت، السويسرية تنتظر، السورية إلى قبرص في الثانية عشرة، كل الطائرات لها أسماء ولها جهات. وكل الطائرات تدعو المسافرين للتأهب أو للانتظار، وقد وظفت تلك الدجاجة لتقوم بالإبلاغ. كل هذه الآلات المعقدة والعظيمة يسيرها صوت رفيع تكاد صاحبته أن تبيض.

والناس يتحركون كالنمل. لو قدر لك أن ترى إليهم من عل لعرفت أن النمل يتحرك بطريقة أكثر تنظيما. منهم من يذهب إلى المراحيض (حيث كنت أنا من ساعة وتمتعت بالجو المعطر) ومنهم إلى الجوازات، وآخرون يبحثون عن آخرين. بعضهم يبكي وبعضهم يكاد يطير فرحا، ولكن الباكين هم الكثرة أما الضاحكون فهم قلة. لا أعرف لماذا، ربما لأنني صنفت المرتعبين وذوي الوجوه المصفرة مع الباكين. ولكن السمة المشتركة بين جميع الموجودين في المطار هي الأناقة وحمل أو جر الحقائب. والحقائب بأنواعها متعة للنظر والتصنيف. الآن عرفت لم أحببت الجلوس في قاعة الركاب، فالحقائب المتنوعة تجعل الصالة بهيجة. حقائب سود وبيض وزرق وخضر وصفر... رقيقة وسمينة، صلبة ولينة، محمولة بالأيدي أو على الأكتاف، أو مجرورة إذا كانت من آخر صيحة ولها دواليب صغيرة في طرفها الخلفي وجلدة قصيرة في طرفها الأمامي كي تجر بها، تماما كحمار صغير.

دون متاع لا يتم السفر، أنا مثلا أحمل حقيبة كبيرة للألبسة والهدايا وحقيبة صغيرة لأشيائي الخاصة. حملي خفيف، ولكن الآخرين يكادون ينفتقون من الأحمال. لماذا كل هذا، إلى أين هم مسافرون؟ ربما إلى القمر، وربما إنهم مهاجرون ولن يعودوا فقرروا حمل كل شيء. ثم هناك مسجلات الكاسيت، أغلب المسافرين يحملون مسجلات كاسيت يابانية الصنع. ستيريو، برأس واحد أو رأسين، بألوان مختلفة وزاهية يحملونها كأنها المتاع الأخير، يتصارعون من أجلها مع رجال الجمارك، ماذا؟... هل افتتحت سوني فرعا في الوطن لتصنيعها؟

وجدت طريقة لإشعال سيجارتي الثالثة. هناك رجل يجلس قبالتي ينظر إلي باستمرار ويبتسم في بعض الأحيان. أخرج قداحة وأشعل لنفسه سيجارة. نهضت وذهبت إليه، مقعده يبعد عن مقعدي عشرة أمتار لا غير. طلبت منه بأدب أن يشعل لي سيجارتي. فعل الرجل بقداحته الذهبية موديل ديبون 84. شكرته. قلت له شكرا يا سنيور، فقال عفوا يا سيد، ثم عدت إلى مكاني.

قررت أن أحمل حقيبتي وأنطلق إلى المطعم. لقد بدأ الجوع يدب في معدتي فجأة. هكذا أنا... أجوع فجأة وأشبع فجأة أيضا. في الماضي كانت أمي تعيّرني بذلك. كانت تقول إنني أملك معدة عجيبة. أكون جالسا بهدوء أستمع للراديو، وفجأة، أحس بالجوع. أنا جائع يا والدتي فتقول حسنا انتظر حتى أفرغ من عملي. أرفض الانتظار. أنا جائع يا أمي، جائع جدا، فتترك عملها وهي تشتمني...

وكذلك كنت مع زوجاتي، خصوصا مع تلك التي ارتحمت. كانت تشتكي دائما من أنني أرعبها عندما أقول لها يا ماريتا أنا جائع. أكون قد صمت ساعات وإذ بي أطلق إنذاري بأنني جائع. المرأة تنتفض. ماريتا امرأة رقيقة تخاف من خيالها. ماريتا أنا جائع، فترتجف وتنتفض وتضع يدها على صدرها وتقول أخفتنى يا عبد الله. ربما ماتت من الرعب. من يعلم؟...

كنت سهران أقرأ في صالون بيتي في الطابق الخامس عشر من إحدى بنايات بوينس آيرس. البيوت العالية هادئة أكثر من الواطئة ولهذا السبب استأجرت شقتي في الطابق الخامس عشر، ثم إن الغبار لا يصعد إلى الأعلى إلا حين تهب الزوابع الشديدة، ولكن... في هذا العصر لا يوجد مكان بعيد عن الضجيج. أصوات السيارات وزعيق أبواقها لا تصل إلى الطابق الخامس عشر، أما هدير الطائرات فيسمع وكأن المحرك متوضع في المطبخ. هذه هي مشكلتي التي أرقتني كثيرا، ولذلك، انتقيت مبنى بعيدا عن المطار وبيتا في الطابق الخامس عشر.

ماذا كنت أقول؟... نعم، كنت سهران أقرأ في الصالون. وكانت زوجتي جالسة تنسخ بعض أعمالها التي أتت بها من المكتب لتنهيها في البيت، فمديرها رذيل ويهددها بالطرد. صحت... ماريتا أنا جائع، ثم تابعت القراءة. كنت أقرأ رواية " بيدرو بارامو" للمرة الثالثة، فهي جميلة جدا ومعقدة جدا. كيف يمكن لرجل ليس له علاقة بالأدب أن يكتب رواية وحيدة ثم يقلع عن التأليف؟ هذه الرواية ليست بعادية، مازالت حتى الآن حديث الناس والنقاد. (ولهذا السبب أعدت قراءتها ثلاث مرات)، كنت قد وصلت إلى، حيث يضاجع الأخ أخته، فلم أنتبه إلى أن ماريتا لم تنهض ولم تجبني بنعم أو لا. كانت ماريتا ميتة حينما التفت إليها.

- هذا هو... هذا هو... الحمد لله أننا وجدناك.

كان رجل الجمارك مع أحد رجال الأمن. وضعت الحقيبة في حضني وعدت إلى الجلوس. جلسا إلى جانبي. ماذا حدث هل يوجد خطأ لا سمح الله؟. كلا، نريد بعض الاستفسارات فالاستمارة التي كتبتها غير مفهومة، تفضل أنا جاهز للإجابة يا سنيور بوليسيا.

- اسمك عبد الله مشحوَر أليس كذلك؟...

- نعم...

- ابن عبد النبي مشحوَر ومريم وهما متوفيان؟...

- نعم.

كتب رجل الأمن متوفيان بقلمه الأحمر على الاستمارة ثم تابع قراءته للتأكد.

- مواليد عام 926 1- 25 كانون الثاني؟ وتعمل مهندسا للنسيج؟

- نعم، فأنا من برج الدلو، حظي سيئ دائما.

لم يفهما ذلك، فقد قلته بالإسبانية، فابتسما بلطف ثم تابع رجل الأمن:

- ولك أختان، هدى ولطيفة، أكبر منك أم أصغر؟...

- أكبر مني، لطيفة ماتت منذ سنتين أما هدى فهي تعيش مع زوجها وأولادها في كندا.

سجل ذلك بأمانة ثم عاد يسأل:

- أنت أرمل، أليس كذلك؟

- نعم!.

- لا يوجد أولاد؟

- لا يوجد.

- هاجرت إلى الأرجنتين مع أسرتك عام 1940 أليس كذلك؟

- نعم يا سنيور.

- عنوانك هناك..

- شارع فرانسيسكو غويا رقم 126؟ الشقة 153.

أعدت العنوان مرتين كي يستطيع كتابته. لم أقل له إن شقتي تقع في الطابق الخامس عشر. قال وهو يبحث بجهد عن الكلمات:

- لقد كتبت في بند أسباب الزيارة للوطن أنك تنوي العودة من أجل الموت.

- نعم، بالتأكيد.

- ماذا يعني هذا الكلام؟ إنه غير مفهوم!.

بماذا أجيب؟ لماذا كتبت ذلك صراحة يا عبد الله؟ لعنة الله عليك كم أنت متفلسف. أخرجت علبة السجائر الأميركية فالتقط كل منا واحدة. كسبت وقتا إضافيا، بين توزيع السجائر وإشعالها. تفضل أنت أولاً، لا والله أنت الأول... وهكذا، وأنا أفكر بماذا أجيب...

هل أقول لهما إنني مريض وإنني سأموت بعد حوالي ثلاثة أشهر وإنني رفضت الاستلقاء في المستشفى الملكي في جناح أمراض السرطان كي أموت هناك ميتة تكنولوجية؟. هل أقول لهما إنني أكره السنيور كومب وحرب النجوم وكرة القدم وجرعات المورفين والفيديو والتلفزيون والعمارات الشاهقة والشوارع العريضة المزينة بألوف السيارات الفارهة؟. أم أقول لهما إنني أكره الوحدة والتغريب والشعور بأنني لا قيمة لي بعد أن مرضت وأصبحت عالة على المجتمع الديناميكي المتحرك كالقطارات السريعة التي تنطلق بدقة الثانية وتصل بدقة الثالثة؟

أنا أكره العيش في مجتمع متحضر أحس فيه بالوحدة، ورغم أني عشت فيه خمسة وأربعين عاما إلا أنني أكرهه، وهذا من حقي، كنت أعيش من غير جذور، كنت أرى إلى قائمة المنتحرين في الزاوية الداخلية للجريدة وأنا أرتعش خيفة أن يحدث معي ذلك. وعندما مرضت وأخبرني الموظف المسؤول عن السنيوركومب أن رحيلي عن هذا العالم الفظيع إلى عالم فظيع آخر بقي له مائة يوم خفت كثيرا. (طبعا... هذا الكلام لم أفكر فيه حينما كنت أفكر كيف أجيب عن سؤال رجل الأمن. هذه الأشياء لا تعنيه أبدا. لا يستطيع كتابتها في الإضبارة. ماذا، هل سيكتب مقالا أم ماذا؟ كما أكتب أنا الآن دون رحمة بالقراء).

أقول خفت كثيرا حينما تم تحديد يوم تخريحي، وكيف لا أخاف؟ من ينصحني ألا أخاف؟ أي ابن زانية؟... عليك أن تعيش مائة يوم دون إحساس ودون أن تكون إنسانا، بل كحيوان يؤكل وعليه أن يذبح. حيوان متمدن واقع تحت تأثير المورفين. ما أن يروك تبكي حتى يهرعوا وفي أيديهم إبر المخدر، وما أن يروك تفلسف حياتك التي عشتها وتستنتج أن كل شيء كان هراء، وأن عليك أن تقول ما لم تستطع قوله في الماضي وأن عليك أن تفعل ما لم يمكنك النظام ذو الهراوة أن تفعله حتى يهرعوا إليك وكأنك مجرم ستنهي حياتهم وليس حياتك أنت.

اللعنة كم أنا قوي! كيف أرفض المورفين والنسيان وتلبد الشعور وآتي إلى هنا لأبرر لرجل أمن ولرجل جمارك عودتي إلى الوطن؟

حين يعلم الإنسان أنه زائل بعد مائة يوم يروح يتذكر ويتحسر، وأنا أريد أن أتذكر وألا أتحسر. هذه هي رغبتي الصغيرة. كم هو جميل أن أعيش طفولتي من جديد، في الحارات والأزقة، في الليالي المقمرة. كنت في الخامسة عشرة حين تركنا البلد ورحلنا إلى الأرجنتين. كنا هنا سعيدين ولكن المال كان ينقصنا، فأصبحنا أغنياء ولكن دون سعادة. معادلة لها طرفان لا يجتمعان!.

كنت أقول إن الإنسان قبل أن يموت يتذكر اللحظات السعيدة. يستذكر تلك الأيام والأشخاص والأمكنة والعليّات التي قضى فيها ومعها أيامه الجميلة. يستذكر فناجين القهوة وأغاني الأطفال وأغاني الكبار وحنو الجدة وحكاياتها. هذا ما حصل لي بالضبط ولذلك عدت لأموت في المكان الحميم ومع الناس الحميمين. أريد أن أموت وأنا أرى الحب والأخوة والشجاعة والرهبة والقسوة والجماعة. أنا بصراحة (يا شباب) لا أريد أن أموت وأحرق في محرقة بلدية بوينس آيرس بل أريد أن أدفن في هذه الأرض ويخرج في جنازتي مئات الناس يسيرون حاملين على أكتافهم نعشي، ويطلقون الأدعية الصادقة ويذرفون دمعات رقيقات ثم يزرعون على قبري عروق الريحان، دائمة الخضرة ويشربون عرق السوس بتلذذ.

كيف سأقول ذلك لهذا الأخ الكريم رجل الأمن؟. لأحاول!.

- اسمع أيها الصديق. لقد أصبحت في الستين، والإنسان، بعد عمر طويل يموت. هذا شيء أكيد. صحيح أنني عشت في رفاه، ولكن عندما أصبحت في الستين وجدت أنني سأموت قريبا، وأن الرفاه لن يفيدني في شيء. كيف يمكن أن أموت في بلد غريب وأدفن في أرض غريبة. أرجوكما قولا لي!. هل هذا يجوز؟... ولذلك فقد عدت، ولن أخرج من هنا أبدا، حتى الممات. أليس هذا مطابقا لما كتبت؟.

- نعم... مطابق تماما...

قالا معا. ثم قال رجل الأمن بمفرده:

- إن هذا لشعور وطني رائع... إني أرى فيك مناضلا وطنيا عالي الهمة. لم تعد إلى الوطن لتسرح وتمرح وتربح بل جئت لتموت، أي أنك جئت لتموت في سبيله. إننا نناضل ضد الاستعمار والصهيونية. انظر المقاومة!... في فلسطين وفي لبنان!. إنهم يموتون دون حساب، كل ذلك في سبيل الوطن وحريته. يلعن دين الاستعمار. سوف نمرغ وجهه في التراب، أنت تستمع إلى الأخبار بشكل جيد، الإذاعة تقول كل شيء. يهددون بلاد العرب. يريدونهم أن يركعوا، ولكنهم لن يركعوا، بل سيخرجون لهم ألسنتهم، هذا من حقهم. وقد أصبح لدينا أعداد كبيرة من الشهداء... والشهيد محترم في هذا الوطن أكثر حتى من الأحياء.

نهص رجل الأمن وصافحني بقوة. عانقني ثم فعل موظف الجمارك الشيء نفسه. ربتا على كتفي والدموع تتجمع في مآقيهما. ودّعاني وانصرفا، أما أنا فقد حملت حقيبتي ومشيت إلى المطعم. كيف لم يخطر ببالي ذلك من قبل. ها قد أصبحت لدي فلسفة كاملة للموت. طلبت وجبتي وفتحت حقيبتي وأخرجت دفتر مذكراتي وكتبت:

" في هذا العالم يوجد نوعان من الموت. النوع الأول هو الموت التكنولوجي. وهو باختصار، الموت في شقة مقفلة أمام جهاز التلفزيون دون صديق أو قريب يكتشف الجثة فتتفسخ وتنتشر رائحتها فيهرع رجال المطافئ وعمال دفن الموتى لا ليكرموا الميت بل لإنقاذ الحي والعمارة من رائحة التفسخ والنتن، أو الموت في الشارع بالسكتة القلبية أو التلوث بسبب تسرب الإشعاع النووي وتناول الفروج الكيميائي. أو الموت قتلا بالخطأ أثناء السطو على بنك، إنه الموت من ضجيج السيارات والطائرات.

أما الموت الآخر فهو الموت الشرقي. الموت في الوطن. هنا يموت الإنسان وإلى جانبه شخص واحد على الأقل يمسك بيده ويذرف له الدموع. صحيح أنه بسبب الأمراض السارية وسوء التغذية، إلا أن للموت نكهة خاصة في الشرق. (ويمكن أن نقول رائعة...)

هنا يحملون الميّت على الأكتاف. يبكون، يولولون ويندبون، يصفعون أنفسهم ويمزقون ثيابهم. يدفن الميت بمراسم طويلة، ثم توزع الحلويات وعرق السوس (فتح الفم). خلال يومين يستقبلون ويودعون مئات الناس الذين جاؤوا للتعزية، ويهمسون في آذان القلة المقربة كي يأتوا في اليوم الثالث. فيه ستقام وليمة هائلة للترحم على الميت ومجازاة الناس الذين تعبوا وعرقوا في توديعه. هنا إذن يموت الإنسان وهو يبتسم. الشرق العظيم يبكي أثناء الولادة ويبتسم أثناء الموت. يركب الشرقي سيارة مفخخة ويطير بها نحو مبنى يحتوي على المئات من الرجال الأعداء وهو يبتسم. يحمل الشرقي على ظهره مائة كيلوغرام من القنابل ويفجرها أمام قافلة إسرائيلية تحتل الأرض. الشرقي يحرق نفسه حتى الموت (في فيتنام) استنكارا للوجود الأميركي. يا له من شرق عظيم: هنا سأموت، أنا السنيور عبد الله...!.

- لو كان باستطاعتي لتكلمت كثيرا حول هذا الموضوع، خصوصا وأنني أعرف كيف يعاملون الميت في كل بلد من بلاد العالم...

- قل إذن، قل إذن! مادمت تعرف فلم لا تقول، هذا شيء مهم...

- لن أتكلم في هذا الموضوع مرة أخرى، لقد مللت. والله العظيم مللت. اتركني يا شيخ!.

- بل عليك أن تتكلم، يجب أن نعرف كل شيء، لماذا يجوّع الايرلندي نفسه حتى الموت وهو ليس شرقيا؟ قل لي... بوبي ساندرز... قل لي!.

- إنه واضح لن أتكلم...

- بل ستتكلم... سحقا لك من متفلسف !.

- سحقا لك أنت، عليك اللعنة، اتركني، الآن أريد أن أرتاح. يجب أن أموت وذهني صاف ينساب كماء النهر. اتركني في حالي أرجوك!.

- أنت جبان حقير... أنت تهرب مني!.

- بل أنت الجبان... اسمع... أنت تهينني، عليك اللعنة!. لن أسكت على إهانتك بعد الآن بل سأرد لك الصاع صاعين...

- عليك اللعنة...

- يحرق دين...

قال أحد الأشخاص:

- ماذا حدث له. كان يبربر بلغة غريبة وبالعربية أيضا. هاتوا يا ناس كأسا من الماء. هل عندكم ماء زهر؟...

- افركوا رأسه... أفسحوا له مجالا كي يتنفس... انظروا كيف يبحلق فينا...

- دعوه يستلقي. جن الرجل ولي على قلبي...

- إنه مجنون، أنا متأكد جدا...

- منذ متى يأتي المجانين الأجانب للسياحة في بلدنا؟ ألا يكفي مجاذيبنا؟.

- أنا دكتور. هل تريدون أية مساعدة؟

- لقد فقد الرجل عقله، حدث له انهيار عصبي.

- إذن هذا ليس من اختصاصي، السلام عليكم!.

- بر... بر... مر... كر... شمس... لغون...

- هم هم هم هم غم غم غم غم غم......

لا أعرف... ربما فقدت وعيي، فجاؤوا بالإسعاف السريع فنقلوني إلى المستشفى... فوضعوني في حجرة " العناية الخاصة " فوجدت نفسي بعد يومين في غرفة بيضاء لها نافذة تطل على سوق للخضار.

 

قلت لأميرة وأنا أودعها إنني لن أنساها. بكت أميرة، سالت الدموع من عينيها السوداوين وسال مخاطها. أكدت لي وهي تشهق أنني سأنساها فور وصولنا إلى هناك. كذبت أميرة. فأنا لم أنسها فور رسوّ الباخرة في الميناء الغريب الذي يضج بأصوات البواخر وزعيق النوارس كما زعمت هي، ولا بعد سنوات طوال طوال. والدي الكريم هو الذي قرر وخطط للسفر. والدتي لم تخطط، فلم تكن قد تعلمت التخطيط بعد، بل رضخت وزفرت وتمتمت: اللي تشوفه يا عبد النبي يكون خير!.

كان والدي يملك مشغلا يحتوى على أربعة أو خمسة أو ستة أنوال يدوية. ماشي الحال والله ساترها. وفي عام 1926 (بعد دخول الفرنسيين بست سنوات) أي عام مولدي، بدأ والدي يحس بالكساد فيقول الله يستر يا مريم، فتقول له بعد كل شدة فرج إن شاء الله يا عبد النبي...

ولم تنته الشدة في عام 1930 إلا وكان أبي قد باع المشغل بأنواله اليدوية وأصبح عاملا على أحدها في المشغل نفسه. تحطم أبي ماديا ولكنه لم يتحطم معنويا.. همس في إحدى الليالي غير المقمرة، في أذن أمي وهو يدخن سيجارته بعد أن عمل عملته قائلا: هذا الولد جاء نحسا علينا. الله يستر!. زعلت أمي في بادئ الأمر، إلا أنه كان شديد الإقناع، ومنذ تلك الليلة التي قذف خلالها كل قهره الصناعي في رحم أمي، أصبح اسمي عبد الله النحس أو عبد الله المنحوس أو عبد الله قز القرد.  وخلال عشر سنين استطاع أن يعمل بنشاط في المشغل الذي أصبح لا يملك فيه فردة حذاء، وأن يعيّشنا مثل العالم والناس. كان يستيقظ في الخامسة والنصف صباحا قبيل انطلاق بوق العمل الأول الذي كانت المعامل الكبيرة تستخدمه لإيقاظ العمال، وإنذارهم بالطرد إن لم يسحبوا أنفسهم من فراش زوجاتهم، وعندما أسمع البوق الثاني يكون أبي قد احتل مكانه خلف نوله وجعل يحرك كل أعضائه وأطرافه إلى اليمين واليسار، إلى الأسفل وإلى الأعلى. حركة لا تهدأ اثنتي عشرة ساعة كاملة. وما إن كبرت حتى صرت أحمل طعام الغداء إلى والدي في المشغل. في أواخر الثلاثينات، تعرف والدي على حزب سياسي كان قد أصدر بيانه الأول عام 1931 معلنا فيه موقفه من السلطة الفرنسية ومن الأغنياء المتعاونين معها من جهة ومن العمال والفلاحين والفقراء من جهة أخرى، وانخرط في العمل السياسي. أما أنا فقد تعرفت إلى أميرة ابنة الجيران وانخرطت معها في حب ملتهب. كلانا أحب شيئه. هو أحب حزبه وجعل يخرج في الليالي ليعلق أعلامه على أسلاك الترام، وأنا أحببت أميرتي وسكنت المربع، نصف المتهدم، والذي في أحد جدرانه طاقة صغيرة تتسع لرأسي مع كتفي، حيث كنت أتلصص على أميرة. أميرة جاءت، أميرة راحت، أميرة ابتسمت لي... وهكذا احتلت كياني. كانت عيناي تلاحقانها وذهني أيضا. كيف حدث واكتشفت هذا الكنز الذي بقي تحت نظري كل هذه السنين؟ فتاة في عمري سوداء الشعر والعينين. لها شامة على خدها ولها أجمل ابتسامة شاهدتها في حياتي. عندما تبتسم أميرة ترقص الدنيا كلها. أما إذا عبست... لن أقول لقد نسيت، فأنا أتذكر الأشياء الجميلة فحسب.

آه ما أجمل تلك الأيام. الحارة والأزقة الضيقة وأحجارها المرصوفة والمصقولة. المربع والطاقة وأميرة. ماذا حدث لهذا كله، ماذا حدث لأميرة؟ هل مازالت النساء يزغردن في الحارة؟ لو أعلم أن الطاقة لم تزل بعد لاشتهيت إدخال رأسي فيها والنظر إلى حوش دار أميرة مائة يوم أخرى.

 

- ماذا حدث؟ أين أنا؟.

- لاشيء، مجرد انهيار عصي بسيط جعلك تناكد نفسك وتسبها وتشتمها، سيزول غدا. إنه إذن طبيب عصبي، يلبس عوينات وصدرية بيضاء. في يده إبرة زرق مليئة. إنني إذن في مستشفى. حسبت في بادئ الأمر أنني في سوق الهال. خيار، بندورة... كوسا... تعا ودعه!. ما هذا؟ أنا أشتهي أكلة ملوخية... والله العظيم.

امتدت يد الممرضة البدينة من تحت الشرشف ولمست جسدي. حسبت أنها تريد إثارتي، وتأكد لي حدسي هذا عندما أنزلت لي لباسي بحركة بارعة كشفت عن مؤخرتي. وعوضا عن أن تزحف يدها إلى الأمام وخزتني إبرة الطبيب. رفعت من جديد لباسي وغطتني بالشرشف ثم هزت رأسها للطبيب توافقه قوله إني سأنام إلى الغد. لم أرهما وهما يخرجان، ربما استلقيا على السرير الآخر الفارغ وشرعا يفعلان الحب.

- ومتى ستسافرون؟.

- غدا يا أميرة.

- إلى أين؟

- إلى الأرجنتين

- وأين تقع هذه أيضا؟

- سنرحل إلى بيروت أولا بالقطار ومن ثم بالباخرة إلى الأرجنتين. يقول والدي إننا سنكون في أمان وسنجد عملا لي وله.

قالت برجاء وصدرها يعلو ويهبط كالأمواج التي شاهدتها أثناء سفرنا:

- ولكن لماذا؟ ألا يوجد هنا عمل؟ ألا يوجد أمان؟.

اضطررت أن أقول لها ما كان أبي قد حذرني من قوله لأي إنسان:

- إنه متورط بالسياسة والفرنسيون يلاحقونه. إنه يخرج ليلا وفي عبه خرق حمراء وخيطان من القنب. يربط الخرقة بالخيط ثم يربط به قطعة حجر. يقذفها فتعلق على أسلاك الترام. ألم تسمعي الناس كيف يبتهجون لمنظرها. إنه تغيير شكل لهم.

وفجأة شرعت بالبكاء. جعرت الفتاة حتى بح صوتها. سوف أفقدك يا عبد الله، أنا أعلم أنني سأفقدك. أنت تهرب مني. ماذا قلت لي في تلك المرة التي جئت فيها إلي، هنا في بيتنا بعد أن ذهب أبي وأمي إلى جدتي؟.

- لم أقل شيئا. كنتِ طوال الوقت تسكتين أختك الصغيرة. لم تترك لنا المجال، كانت تبعق وتزعق كأن بها فتقا. كنت تهزجين لها:

- "تس تك، تس تك، تس تكها، راحت أمها وخلّتها، خلتها تبعق جنبي، والمصاصة نسيتها".

مسحت دموعها وابتسمت، أي قمر هذا الذي يحبني وأحبه. مسحت دموعها وشرقت أنفها فبان وجهها محمرا، شيء مذهل هذا الوجه الأحمر في الحلة السوداء.

- تعال إذن هذا المساء، لن تكون أختي معي، أريد أن أودعك، سأكون لك وحدك!.

أختها الزاعقة الباعقة لم تكن معها فعلا. أمسكتني من يدي وجرّتني. كنت كبغل حرن. ماذا سيحدث؟ ماذا تريد أن تفعل؟ أنا أخاف عليها أكثر مما تخاف على نفسها. دخلنا غرفة والديها. كان هناك سرير خشبي عال وطقم فضة وصورة كبيرة لرجل مرعب جدا. جلسنا على طقم الفضة فلم تصل أقدامنا إلى الأرض. كنا صغيرين إذن...

قالت لي وهي تحدق إلي بعينين باكيتين حازمتين:

- سوف تنساني يا عبد الله. أنا أعرف ذلك. سوف تنساني حالما تطأ قدماك أرض البريانتين تلك...

- ماذا؟ اسمها الأرجنتين.

هزت رأسها. سحبت طرف ثوبها بحركة مدروسة ومسحت به عينيها. بان فخذاها إلا أنني كنت مهذبا فأطرقت إلى الأرضية. هكذا يجب أن أكون. المحب يخاف على شرف محبوبته. عبد الله يخاف على أميرة.

لا أعلم يا ربي لماذا سألتني هذا السؤال وعيناها تتحديان:

- لقد أقسمت لي أنك لم تحب غيري في حياتك، أريد أن أعرف، هل سبق ولمست امرأة قبلي؟ هل ذهبت إلى بحسيتا* يوما من الأيام؟.

قلت بخجل ودهشة:

- لا!.

- أقسم!.

أقسمت لها بشرفي. نزلت ووقفت أمامي. بحركة بسيطة أصبح ثوبها على الأرض.

أصبحت عارية تماما، كما جاءت إلى هذه الدنيا. كان جمال الدنيا أمامي. عارية، مكتنزة، بيضاء. صدر، ثديان، بطن وسرة. عجيزتها وجبل فينوس. هل أحلم؟ أميرتي عارية تعرض علي عريها وهي تنظر إلى عوارض السقف الخشبية. جحظت عيناي. فركتهما. بلعت ريقي تسع مرات. هل أمد يدي؟. "وهبت علي رياح خماسينية حارة". كان كل شيء فيّ يحترق. من رأسي حتى أسفل بطني. سارت إلى السرير ثم استلقت عليه. ظلت تنظر إلى السقف بحزم وفخذاها مضمومتان.

كيف استطاعت أن تنظم كل ذلك؟. رأسها الصغير كيف استطاع؟. (حتى أن الملعونة قد نتفت شعر عانتها بعجينة من السكر). مدت يدها تدعوني إليها. نزلت وسرت إليها كأكثر الناس خبلا في التاريخ. لم أكن حتى أحلم برؤية ركبتها... اقتربت منها. استدارت إلي وقالت:

- حسنا... سافر غدا، ولكن عليك ألا تنساني. سوف أمنحك شيئا لن تنساني بعده أبدا. هيا... هيا تلمسني بيديك، تلمس جسدي... احفر في ذهنك أول ملمس لجسد امرأة في حياتك. مددت يدي ورحت أمررهما عليها وهما ترتجفان. الشعر أولا، ثم الوجه، ثم الثدي، ثم البطن، ثم كل شيء، أقول كل شيء...

بقينا ربع ساعة هكذا. كنا نرتجف. هي كانت ترتجف وتبكي وتشرق أنفها. انحفر ملمسها في ذهني وانغرست صورة كل جزء من جسدها فيه أيضا.. إلى الأبد. لفت نفسها بالشرشف ونهضت. كانت الفتاة شقية. إنها تحب ولذلك هتكت سرها إلى من تحب من أجل أن تكون الفتاة الأولى التي تأخذ عقله.

قالت وهي تجهش: هيا ارحل... قبلني وارحل، لن تنساني أبدا!.

فتحت عيني، كان هناك ضؤ خفيف ينوس من مصباح صغير... لقراءة البقية



* بحسيتا: حي بيوت الدعارة في حلب