هيا بنا
إلى القسم الأول من الكوميديا
الفلاحية … قصص من "قرية
الذهب" أحداث وأخبار، أغاني
وأناشيد ، حب وانتقام ، حكاية
الدكتور نجيب مع الست كاميليا ،
حكاية الست كاميليا مع عشاقها
الكثر ، مؤامرات ، دسائس وفضائح
، قتل وحرائق ، أحاديث ممتعة ،
نقاشات ، حكايات متنوعة يرويها
لكم بطلها عزيز ، المعروف بـ (أبو
البنات) .
"مع تحيات مقهى
القراء خانة"
- هل تريدون حقا
أن أحكي لكم حكايتنا؟ كل يوم
تلحون علي أن أفعل ، وأنتم
تعرفون أنني رجل كبير السن
انظروا إلي ، لقد شخت وأصبحت
ذاكرتي ضعيفة ، وأصبح
التكلم مرهقا لصحتي . ولكن
لا بأس إن أنتم صبرتم علي
وساعدتموني ، فالعمر له
أحكام، والشيخوخة يا أولادي
تجعل الرجل بطيئاً في
حركاته وكلامه وتجعل
الذكريات تغيب أياما عديدة
أو سنين طويلة ثم تعود من
تلقاء نفسها ولكن بكثير من
الغموض والتلبك . فإن كنتم
مصرين على سماع الحكاية
فأرجو منكم أن تصغوا جيداً
وأن تعيدوا ترتيب الأحداث
في أذهانكم لتكون الحكاية
متسلسلة في رؤوسكم بعد أن
كانت مضطربة في رأسي . كان
ذلك منذ ثلاثين عاماً أو
أربعين ، فأنا لا أذكر متى
حدث ذلك بالضبط ، ولهذا أريد
أن أقول : كان يا ما كان في
قديم الزمان . هل تفهمون؟
فالزمن لا قيمة له والأمور
تحدث في كل الأوقات ، وما
جرى وشاهدت في شبابي ، ما
يزال يجري وأشاهد مثله في
شيخوختي.
- كان يا مكان في
قديم الزمان ، كانت قريتنا
تدعى “قرية الذهب” وكان
يمر بها نهر غزير المياه،
اسمه “نهر الذهب” لماذا
سميت القرية والنهر بهذا
الاسم؟ لأنها كذلك يا
أولادي. كنا نعيش وسط خيرات
نحتار ماذا نصنع بها
لكثرتها . فالأرض معطاءة ،
والسماء كريمة والنهر رؤوف
وطيب وحي. كان تعداد القرية
لا يزيد عن ألفي نسمة،
ينتمون إلى قبيلتين صغيرتين
هما الشايب والشبارب، ألقى
الله بينهما المودة والحب،
فعاش أهلهما ألف عام في وئام
وانسجام، يزرعون معاً ،
ويحصدون معاً ، يفرحون معاً
كأنهم من عائلة واحدة . وفي
أحد الأيام مات الشيخ معتوق
، وهو شيخ القرية ومختارها.
كان من أكابر الناس. لم
يعرفه أحد قد كذب أو غش أو
شتم أو انتقم ، فوقعت القرية
في حزن عميق . صلوا عليه ثم
دفنوه . بكوا عليه ورثوه ، ثم
قعد أكثر الناس وجاهة في "الغرفة"
لينظروا فيما سيفعلون.
- قال أبو مسعود:
- - رحمة اللّه
عليه!
- فقال الشيخ
أدهم إمام الجامع:
- - الله هو الحي
الباقي!
- ثم قال الجميع:
- ماذا سنفعل
الآن؟
- - مات شيخ
القرية ومختارها.
- - كان ذكيا
ومتعلماً.
- - من سيحل
خلافات القوم؟.
- - ومن سيكتب
صكوك الديون والإيجارات؟.
- - ومن سيحتفظ
بأختام الحكومة؟.
- - ومن سيسجل
الزيجات والمواليد
والأعمار والأموات؟
- - نريد مختاراً
جديداً .
- - انتقوا
واحداً منكم.
- - لا تقل هراء
يا محسن ، فنحن لا نصلح لهذا
الأمر.
- - يا حيف عليك
يا شيخ معتوق.
- - فليقترح
أحدكم اسماً معيناً.
- قعد الجميع
مطرقين مفكرين ، فالشيخ علي
لا يعرف القراءة والكتابة ،
وأبو مسعود قصير ونحيل ولا
يعبىء العين ، والشيخ أدهم
إمام الجامع ، عصبي المزاج
ولا يحبه أحد ، أما صاحب
المخزن والحلاق والإسكافي
وعبدو البنّا فهم لا يليقون
لهذا الأمر. “حسناً وماذا
عن عبد المسيح فأرضه صغيرة
ولديه الوقت ليحكم بيننا؟
قال أحدهم فأجابه الآخرون:
“لن نرضى لأنه طلق امرأته
الأولى”.
- مشكلة يا أخوان
. قعدوا حتى انتصف الليل ،
ونفد الكاز من الفانوس ،
ولكنهم لم يتوصلوا إلى اسم
يصلح لأن يكون مختاراً
للقرية ، فقرروا أن يؤجلوا
البحث إلى يوم الغد ، وقبل
أن ينهضوا ، دخل عبدو خادم
الشيخ معتوق ، تطلع في القوم
برهة ثم قال بصوت باك: “قالت
سيدتي إنه يجب أن ترسلوا
أحداً إلى المدينة لتخبروا
الدكتور بموت أبيه” فنظر
الجميع بعضهم إلى بعض وقد
تعجبوا من نسيانهم أمر
الدكتور فشعروا بالخجل ثم
اطمأنوا على مستقبل
المختارية.
- *****
- أرسلوني إلى
المدينة . قالوا لي أذهب إلى
الدكتور نجيب وأخبره بما
جرى وقل له أن يأتي سريعاً.
كنت قد ذهبت مرة إلى المدينة
مع رشدي صاحب الهكتارين. كان
يمشي في المقدمة وأنا أتبعه.
ركبنا الحافلات والسيارات
والباصات. مشينا في شوارع
عريضة ملساء. صعدنا ، نزلنا
وأنا أتبعه. هو الذي يعرف كل
شيء أما أنا فقد كنت أتبعه.
وحين وصلنا إلى بيت الدكتور
انتظرته على باب العمارة.
- مررت أولاً
ببيتي لأبدل جلابيتي . أمرت
زوجاتي أن يعزقن التربة
ويفتحن الساقية إلى أرضنا
أثناء غيابي ، ثم ركبت البغل
يتبعني ولدي حمود كي يعيد
الدابة بعد أن أستقل الباص
المسافر إلى المدينة. وما إن
انتظرنا ساعة على الطريق
حتى جاء الباص فركبت وتوكلت
على الله.
- أنتم لا تعرفون
ابني حمود ولن تعرفوه ، فقد
قتل بعد ذلك ، هو وأمه فطمة
وهي زوجتي الثانية. كان عمره
ثلاث عشرة سنة حين شاهدته من
نافذة الباص يقفز إلى ظهر
البغل ليعود به إلى القرية.
- وصلنا إلى
المدينة بعد الظهر. أنزلونا
هناك، في نفس المكان. الله
يعين أهل المدينة على
مدينتهم. ما أكثر البشر
والسيارات والحمير. سألت
سائق الباص عن الدكتور نجيب
فلم يعرفه. سألت رجلاً آخر
فلم يعرفه أيضاً. ما هذه
المصيبة؟ المدينة كبيرة
جداً ، والناس كثر فكيف سأجد
العمارة التي يسكن فيها
أخونا الدكتور؟. شعرت
بالدوار والجوع فقعدت على
الرصيف أتفرج على الناس.
- كان يا ما كان
في قديم الزمان ، كان نجيب
قد نجح في المدرسة. قالوا
لنا حين كنا نحصد الهكتار
المزروع شعيراً ، إن نجيب قد
عاد من المدينة ومعه جريدة
كتب فيها اسمه. كان ذلك قبل
أن يموت الشيخ معتوق بثماني
سنوات. سمعنا الزغاريد تصدح
من كل جهات القرية فزغردت
زوجتاي، فلم أكن قد تزوجت
الثالثة بعد . قذفتهما
بالحجارة والشتائم ثم تركت
المنجل وهرعث إلى "الغرفة".
كان نجيب جالساً إلى جانب
أبيه بالطقم المديني وشعره
مسرحاً ومدهوناً. كان
الجميع سعداء، والشيخ معتوق
يضحك ، وعبدو يصب القهوة
والشيخ أدهم يتعلم لفظ كلمة
(بكالوريا) ونجيب يبتسم وهو
صامت.
- ذبحوا خمسة
خواريف وطبخوها ثم تناوبنا
على السمّاط، ثم تكومنا في
"الغرفة" ندخن ونسعل
ونبصق ونشرب الشاي. كنا ننظر
إلى الأستاذ نجيب الذي أصبح
نصفه بسبب هذه الشهادة.
- سأل جاسم صاحب
المائة رأس غنم:
- - ماذا سيفعل
نجيب الآن بعد أن أصبح
أستاذاً ؟
- فقال الشيخ
معتوق:
- ماذا تريدون أن
يفعل ؟ .
- فقال الشيخ
أدهم إمام الجامع:
- - أدخله في كلية
الشريعة .
- وقال آخر :
- - افتحوا له
مدرسة ليعلم أولادنا
القراءة والكتابة ! .
- ثم قال كل واحد
بدوره :
- - اتركوه يدخل
الجيش ليصبج ضابطاً .
- - الأفضل له أن
يصير شرطياً ، فنحن بحاجة
إلى مخفر.
- - يا شيخ معتوق
، أعطه عشرة هكتارات
ليزرعها ، فهذا أفضل شيء .
- - ابحثوا له عن
زوجة .
- - بكم ليرة هذه
البدلة يا نجيب ؟
- - ما اسم هذا
الشيء الذي يتدلى من ياقة
القميص ؟ .
- - دعونا في الجد
، لماذا لا يصير تاجراً
عوضاً عن ذلك اليهودي الذي
يأتي من المدينة ليشتري
المحاصيل؟
- - والله يا نجيب
لازم تصير مطهّر صبيان.
- ولكن نجيب لم
يكن يجيب ، بل كان ينظر
إلينا وهو يبتسم ولولا
العيب لقلنا أنه أجدب.
- في النهاية وقف
الشيخ معتوق فوقف ابنه
ووقفنا نحن ، ثم حسم الشيخ
النقاش بأن نجيب سوف يسافر
إلى المدينة مرة أخرى ليدخل
الجامعة ويصير دكتوراً .
- لعنة الله على
هذه المدينة يا شباب . لو
أعطوني مال قارون لما تركت
القرية وجئت إلى هذه الفوضى.
حتى الآن خمسة داسوا على
قدمي وأنا جالس على الرصيف ،
وثلاثة رفسوني في ظهري
وواحد بصق على رأسي . الله
يعين الدكتور نجيب على هذه
العيشة ! . ولكن رجلاً يلبس
بنطالاً وقميصاً وقف ثم
انحنى وهو يدخن سيجارته
وسألني : “عن ماذا تبحث يا
عم ؟” قلت له عن مسكن
الدكتور نجيب. فقال دعك منه
تعال لآخذك إلى دكتور آخر
أشطر منه فقلت له أنا لست
مريضاً بل جئت إلى هنا لأجد
الدكتور نجيب ابن الشيخ
معتوق مختار "قرية الذهب"
لأخبره خبراً سيئاً. شتمني
الرجل ثم رحل . عاد بعد قليل
وقد عاد إليه لطفه . قال لي
يسألني : “هل ستعطيني خمس
ليرات إن وجدته لك وأوصلتك
إليه ؟” فقلت له “أي باللّه”
. فذهب ليعود بعد نصف ساعة
حين كان المؤذن يشرع بآذان
العصر .
- قال اتبعني .
تبعته وأنا أحمد الله .
ركبنا ماكينة اسمها الترام .
نزلنا منها بعد أن طلعت روحي.
ثم سار بي الرجل في الطرقات
العريضة والمشجرة. سألته
وأنا أخرج علبة التبغ لألف
لي سيجارة على الماشي : “كيف
عرفت مكان سكن الدكتور ؟”
فأجابني دون أن يتمهل في
مشيته “الدنيا صغيرة يا شيخ”
استغربت كلامه وأنا أشعل
السيجارة.
- توقف أمام
بناية من ثلاثة طوابق وقال
أننا وصلنا. فعلاً إنها هي .
أنا متأكد من ذلك ، ولكن يجب
أن أتأكد أكثر . مد يده
مطالباً بالخمس ليرات فقلت
أنني سأدفعها فوق ، أمام بيت
الدكتور.
- طرقنا الباب ،
أخرجت له الليرات الخمسة
ونحن ننتظر. أعاد الرجل طرق
الباب وهو يشتمني، وما هي
إلا لحظة حتى سمعنا قرقعة ثم
انفتح.
- لو تعلمون يا
شباب ماذا رأيت . والله لو
عشتم مائة سنة لن تروا مثل
ذلك العجب. امرأة كالحليب ،
طويلة ، ذات شعر أصفر مجعد
يغطي العنق حتى الكتفين
وينفرج على أجمل وجه شاهدته
في حياتي كلها وحتى هذه
اللحظة . بصراحة يا أولاد ،
أنا انهبلت . سمعت الرجل
يسألها عن الدكتور نجيب ،
فابتسمت كألطف خلق الله ثم
فتحت شفتيها اللتين تود أن
… آه أستغفر الله العظيم،
ثم سألت: من يريده ؟ . أجابها
أن هذا الفلاح يريده ، ثم
هجم علي والتقط الخمس ليرات
وهرب دون أن أرفع عيني عن
ذاك الملاك الواقف بالباب .
- حاولت أن تفهم
مني ماذا أريد دون جدوى فقد
انعقد لساني وانسد عقلي
وجحظت عيناي بينما كانت
تتلاطف معي ، وتسألني
بصوتها الذي يغرد كالشحرور
عن حاجتي إلى الدكتور نجيب،
فقلت أخيراً دون أن يزول
السحر عني ، إنني من قريته
وأرغب في التكلم معه .
فأدخلتني ثم أجلستني على
كرسي في الدهليز وراحت تخطو
أمامي مبتعدة ، بثوبها
الحريري الأحمر المسدل حتى
الكاحلين والذي يجعلها أكثر
روعة .
- وبعد قليل جاء
الدكتور نجيب فسلم علي
وأدخلني إلى غرفة فيها
ستائر ومقاعد فجلسنا وراح
يسألني عن القرية وأحوالها
وهو يحشو قصبته بالتبغ
ويمتص الدخان من طرفها ثم
صاح للمرأة: “اعملي لنا
الشاي يا كاميليا” . راح
يسألني ما بي ، فلم أقل له أن
المرأة قد سطلتني وأخذت
عقلي، فقال إن وجهي أحمر
وعيني حمراوان ، فقلت له
بسبب السفر ، ثم رحت أبحث في
أصابعه عن خاتم الزواج فلم
أجد شيناً فتأكدت أن المرأة
ليست زوجته . فمن تكون إذن ؟ .
- سألني عن والده
الشيخ معتوق ووالدته فقلت
له زين ثم سألني عن سبب
مجيئي فلم أعرف كيف أجيبه
لأنني كنت أفكر أنني على
استعداد لتقديم الهكتارين
اللذين أملكهما ثمناً لليلة
واحدة ، ولكنه أصر على معرفة
السبب ولماذا لم يأت رشدي
صاحب الهكتارين هذه المرة
بل جئت أنا ؟. فقلت له وأنا
أرتجف لأن كاميليا الجميلة
دخلت وهي تحمل صينية الشاي،
بأن رشدي صاحب الهكتارين قد
هرب من القرية نكاية بزوجته
طويلة اللسان ، وأنني جئت
لأن أهل "الغرفة" طلبوا
مني ذلك لأخبرك بأن … الشيخ
معتوق قد مات .
- سمعت صرخة
عظيمة أطلقها الدكتور ثم
صوت سقوط صينية على الأرض
وتحطم كؤوس من البللور.
- *****
- كان يا ما كان
يا أخوان . كان نجيب قد نجح
إلى السنة الثالثة وبقي له
أربع سنين ليصبح طبيباً
وقلت لكم أن المدينة كبيرة
وبشعة على فلاح مثلي ، وكانت
أيضاً كذلك على نجيب الفلاح
ابن الفلاح . كان ينتظر أن
تنتهي السنة ليعود إلى
القرية ليمضي شهراً أو
اثنين بعيداً عن المدينة
وأهلها. وفي أحد الأيام دعاه
أحد زملائه إلى بيته لشرب
الشاي ، وهناك تعرف إلى أجمل
امرأة شاهدها في حياته .
قالت له إن أسمها كاميليا
وإن أمها فرنسية وأباها
عربي ، وقالت له أيضاً أنها
تحب حياة القرية . طار عقل
الولد . أصبح يلاحقها نهاراً
ويحلم بها ليلاً . وبسبب
مزاجها المتقلب كاد يجن. قص
الولد شعره وحلق شاربه
البشع وصار يدهن شعر رأسه
بكريم البريانتين ووجهه
بكريم إيديال مثل دعايات
التلفزيون هذه الأيام . كانت
تقول له إنه مازال غير جذاب .
اشترى بدلات خروج عديدة ،
وقمصاناً وربطات للرقبة
صفراء وخضراء ، وبدّل ساعته
، واشترى خاتم ذهب بفص أزرق
، وحقيبة جلدية تركية وترك
غرفته ليستأجر شقة كاملة في
تلك العمارة .
- كان يطلب من
أبيه نقوداً أخرى ، بحجة
تكاليف الدراسة المتزايدة
ليشتري لها الهدايا . كانت
ترضى في أوقات وتغضب في
أوقات أخرى . وعندما ركع
أمامها طالباً منها أن
تتزوجه بصقت في وجهه وطردته
. قالت له من خلف الباب أنه
فلاح بسيط ولا يرضي طموحها .
هكذا قالت له وأنا لا آتي
بشيء من عندي . مرض الولد .
بقي ثلاثة أيام في فراشه في
شقته الكبيرة وحيداً ، يسخن
ويهذي . كاد يموت . وفي اليوم
الرابع ، وعندما لم يعد
إليها ، ذهبت إلى شقته في
تلك العمارة لتركع عند
سريره وتبكي . قالت له وهي
تشهق سامحني يا حبيبي . وما
أن سمع بهذه الكلمة حتى شفي
تماماً فنهض وهو يلهث
فجذبها إلى السرير ليكتشف
أنها ليست عذراء .
- تمدد في سريره
مفكراً وقد عاودته الحمى .
كانت كاميليا تبكي وتقول له
أنه اغتصبها وأنها الآن لا
بد حامل منه وأنها ستنتحر .
وقع ابن الشيخ معتوق في حيرة
. ماذا عليه أن يفعل ؟ امرأته
بلا شرف ، هل يرضى بها ؟ .
ولكنه يحبها حتى العبادة .
لقد سحرته كما سحرتني وكما
سحرت كل رجال القرية ،
وعندما أكد لها في اليوم
التالي أنه سيتزوجها مهما
كانت الظروف ، قالت له أنها
لا تحبه بل تحب شاباً آخر
اسمه سمير وستتزوجه .
- كاد يموت الولد
، ومع ذلك بقي يلاحقها مرة
وتلاحقه مرة حتى سقط في صفه .
كان يشتري لها الهدايا
لتكون راضية . وفي الصيف رحل
إلى القرية . قال له أبوه في
"الغرفة" أن الدكتور
يكلف كثيراً حقاً وأنه أوقف
محاصيل الأرض المحصورة بين
أرض أبو مسعود وأرض محسن
صاحب الخمسة هكتارات من أجل
دراسته . قبّل نجيب يد أبيه
شاكراً فسالت دموع الرجال
على خدودهم تأثراً . مرّت
السنة التالية مثل التي
قبلها فطردوه من الجامعة ،
ومع ذلك كان نجيب يكذب على
أبيه بأنه ينجح ليرسل له
النقود والله أعلم .
- *****
- وفي الليل قال
لي الدكتور نجيب بعد أن
تعشينا وراح يشرب الخمرة ،
ويدخن التبغ بواسطة القصبة
التي كان يسميها الغليون :
- - انظر يا ابن
العم ، أنت الآن الشاهد
الوحيد على حياتي الخاصة .
كان رشدي صاحب الخمسة يعرف
أيضاً . فهذه المرأة زوجتي
وهي سيدة محترمة اسمها
كاميليا . لا يهم ماذا يعني
هذا الاسم ولماذا سميت به ،
المهم هو أنها زوجتي
وستتبعني حيثما أذهب ، وبما
أن والدي الشيخ معتوق قد
ارتحم فقد قررت أن أنتقل إلى
الضيعة وستكون السيدة معي ،
وهذا لكي أكون قريبا من
أملاكي فأنا كما تعلم
الوريث الوحيد لأبي الذي
أعطاك عمره .
- نمت في الدهليز
وفي الصباح الباكر ساعدت
الدكتور في حزم متاعهما .
كانت الست كاميليا تقذف
إلينا بالألبسة المتنوعة
وهي تحذرنا من نسيان أي شيء .
وضعنا متاع الدكتور في
حقيبة ومتاعها في ست حقائب .
كنت أقف بحيث أراها داخلة أو
خارجة . كنت أنظر إلى وجهها
الذي مثل السكر وهي داخلة
وأنظر إلى مؤخرتها التي مثل
الأجاصة وهي خارجة . والله
يا أخوان أنتم لا تستطيعون
معرفة ما كان يحدث لي ، ولا
يمكنكم أن تتصوروا ذلك .
أنتم تضحكون الآن ، وأنا
أضحك أيضاً ، ولكن الست
كاميليا أخذت عقلي ، وكنت
أتصبب عرقاً ويعاودني
الارتجاف وجفاف الفم وأشياء
أخرى و … أستغفر الله
العظيم .
- كلما التقت
عينانا كانت تبتسم لي ، أو
كانت تضحك لارتفاع حرارتي
وارتجاف شفتي وتلعثمي أثناء
الرد على أسئلتها . كانت
تلمس يديّ أو ذراعي أو تحتك
بي حينما تقترب مني لأمر ما
وهي تقول “موش هيك يا أبو
حمود ؟” فأجيبها : “طبعاً !”.
- المهم أن
الدكتور استأجر سيارة
وانطلقنا إلى القرية . كنت
راكباً إلى جانب السائق أما
الست فكانت خلفه . كنت
وبسهولة أنظر إليها ،
أتملىّ جمالها العظيم
وأتلقى بسماتها وغنجها
ودلالها. وكنت أحرص على عدم
لفت انتباه الدكتور أو
السائق . وكنت أخطط لشيء
سأدفع كل ما أملك من أجل أن
ينجح ولو لمرة واحدة فقط .
- وصلنا إلى
القرية قبل الظهر . كان
الفلاحون متبعثرين في
الأراضي خلف النهر . شاهدت
كثيرين منهم مشغولين في
سقاية المساء . توقفت
السيارة في ساحة القرية
أمام أشجار النخيل الأربع
قريباً من بيت الشيخ معتوق و
"الغرفة" معاً . نزلت
مسرعاً من السيارة وفتحت
الباب الخلفي فنزل الدكتور
ثم لحقته كاميليا التي مدت
يدها لأساعدها ، ففعلت ولما
أصبحت خارج السيارة همست لي
بشفتين عجيبتين : شكراً يا
أبو حمود.
- وفي هذه اللحظة
بدأ الناس يخرجون من "الغرفة"
ومن البيوت وبدأ الفلاحون
يتركون رفوشهم ويجتازون
النهر راكضين نحو الساحة ،
فقد عرف الجميع من السيارة
أن الدكتور قد وصل . جاء عبدو
خادم المرحوم راكضاً ثم ركع
أمام الدكتور وقبّل يديه
وهو يبكي ، ثم نهض واستدار
نحو الست فتجمد ودموعه تسيل
على خديه الخشنين الأسمرين .
لم يكن يدري ماذا يفعل . وبكل
حنيّة مدت يدها لتصافحه وهي
تبتسم بحزن . صافحها
كالمسطول . دفعوه فتراجع
كأنه حجر . ثم اقترب أبو
مسعود فقبّل الدكتور وهو
يحدجها بنظرات مستغربة . ثم
جاء الشيخ أدهم والشيخ علي
ومحسن صاحب الخمسة وعبد
المهيمن صاحب العشرة وجاسم
صاحب المائة رأس وغازي صاحب
العشرين وفضة أرملة حسين
صاحب السبعة والآخرون . كلهم
كانوا يسلمون على الدكتور
ثم يقفون كالبلهاء يتطلعون
إلى كاميليا وإلى جمال
كاميليا الذي لا مثيل له (مثلي
أنا عندما شاهدتها أول مرة
في بيت الدكتور) جاءت أيضاً
نساؤهم ووقفن ينظرن إليها .
ثم جاء الفلاحون ، وجاءت
زوجاتهم وأولادهم ثم جاءت
زوجاتي الثلاث زليخة أم
البنات وفطمة (أم حمود)
وسعدية التي لم تلد لي أي
ولد بعد . كانت الست كاميليا
واقفة مكتوفة اليدين وهي
تبتسم بحزن . كانت جميلة
بيضاء ، طويلة أطول من زوجها
بشبر، كانت أجمل مخلوق في
القرية .
- أنزلنا أنا
وعبدو الحقائب من السيارة
ثم حملناها إلى الداخل .
حرصت على أن أحمل حقائب
المرأة فقط . كانت تلاطفني
وتقول لي : “عذبتك معاي يا
أبو حمود” . كنت أشعر بلذة
خدمتها ، وكنت أنتظر أن تطلب
مني لبن العصفور لأجلبه لها
.
- انفض الجميع
بعد أن ترك الدكتور وزوجته
يستريحان من عناء السفر .
أخذوني إلى "الغرفة"
وجعلوا يلاحقونني بالأسئلة
: من هذه المرأة ؟ لماذا
اصطحبها معه ؟ إنها جميلة
جداً . هل كانت عنده في بيت
المدينة ؟ الشيخ معتوق رحمه
الله لم يكن يعرف شيئاً عنها
، فهل تزوجها في السر؟ ما
أسمها؟ هل ستعيش معه في
القرية؟ ثم سأل عبد المهيمن
صاحب العشرة وإصبعه في أنفه
:
- - وهل هذه أيضاً
دكتورة ؟
- فصاح الشيخ
أدهم إمام الجامع :
- - اللهم احفظنا
…
- فقال حميد صاحب
الهكتار وهو يغمز.
- - اللعنة علي ،
كان يجب أن أتعلم
الدكتوراتية .
- فضحك الناس
لأنهم فهموا مراده ثم خبطه
محسن صاحب الخمسة على ظهره
وهو يقول :
- - حظك مثل وجهك
يا حميد ، كنت ستأتي إلى
القرية بواحدة تشبهك .
- فقالت فضة
أرملة حسين صاحب السبعة :
- - حميد مثل
البغل ، لم تعد تكفيه
امرأتان .
- فأجابها حميد
وهو يظهر أسنانه المخلوعة
والمتسوسة :
- - والله يا أختي
فضة ، أعطيك بديعة وأسوم
وفوقهما الهكتار ، إذا
أعطيتني واحدة مثل امرأة
الدكتور .
- فسأله الشيخ
علي :
- - وماذا ستفعل
بها ؟ أنت لا تستطيع أن
تغتسل سوى مرتين في الشهر ،
مثل هذه تحتاج إلى رجل شاب
مثل الدكتور .
- فعلق أبو مسعود
ضاحكا :
- - مرة واحدة في
الشهر حين يكتمل القمر
وأسّوم تقوم بإسقاط جنابته .
- فضحك الجميع
بصوت عالٍ ، فيما كان حميد
صاحب الهكتار يقول غاضباً :
- - خسئتم ،
اسألوا نسائي ، فأنا أغتسل
كل يوم ، مرة عند بديعة ومرة
عند أسّوم .
- فقالت فضة وهي
تجعد وجهها:
- - جاءت إلي
أسّوم تشكو أنك فرطت وأن
بديعة هي المسؤولة عن ذلك .
- فقال الشيخ
أدهم وهو يغصّ من الضحك :
- - بل جاءت إلي
الاثنتان تشكوان من أنه فرط
ولم يعد زلمة .
- فنهض حميد صاحب
الهكتار محمر الوجه وخرج من
"الغرفة" غاضباً .
- انفض اجتماع
"الغرفة" حين نهض الشيخ
أدهم ليؤذن لصلاة العشاء .
عبرت الساحة إلى الجهة
الأخرى باتجاه بيت أبو
مسعود وأنا أتطلع نحو بيت
الشيخ معتوق الذي يقع إلى
يمين "الغرفة" علّي أرى
الست كاميليا . لم أر أي
إنسان خلف النوافذ المضيئة
، فشعرت بالغم وأنا أسير في
الممشى بين بيت الأرملة فضة
وبيت أبو مسعود باتجاه بيتي
الواقع خلفهما .
- استقبلتني
زوجاتي في باحة الدار مع
أولادهن . كنت أشعر وكأنني
غبت سنة كاملة عن البيت. رحن
يسألنني عن المرأة الجميلة
ولكنني لم أجب شيئاً لأنني
كنت تعباً فسألت كل واحدة
ماذا طبخت اليوم ، فقالت
زليخة أم البنات أنها طبخت
برغل وقالت فطمة أم حمود
أنها طبخت فريكة أما سعدية
زوجتي الثالثة والبالغة من
العمر ثمانية عشر عاماً فقد
سلقت بطاطا وفرمت سلطة ،
فوجدت نفسي أميل إلى
البطاطا المسلوقة والسلطة
وإلى المرأة الشابة فسبقتها
إلى غرفتها .
- *****
- كان يا ما كان .
كان الدكتور نجيب عندما جاء
إلى القرية في صيف إحدى
السنوات ، نحيلاً، مصفر
الوجه صموتاً ، لا يتكلم إلا
عند الضرورة ، أو عندما يسأل
عن دراسته وعن المدينة .
احتفل به أبوه كثيراً فقد
أخبره أنه نجح إلى السنة
الخامسة وأن سنتين فقط
باقيتان على دكتوراته ،
فذبح أبوه سبعة رؤوس من
الأغنام فطبخوها ثم قدموها
على صواني معرّمة بالبرغل
فقعدنا نحن أصحاب الهكتارات
نأكل من المناسف في "الغرفة"
أما الفلاحون فقد تركوهم
يأكلون في ساحة القرية
ونساؤهم يزغردن للدكتور ابن
الشيخ معتوق مختار القرية.
- لم يقعد نجيب
في القرية سوى أسبوعين
اثنين . كنا نراه يمشي على
ضفتي "نهر الذهب" متوتر
الأعصاب أصفر الوجه ، سريع
الغضب ، فقلنا أن
الدكتوراتية بدأت توجع رأسه
وتنهك أعصابه فدعونا له
بسريع الخلاص والعودة إلى
القرية ، ولم نعد نسأله
أسئلتنا البائخة وحظرنا على
نسائنا سؤاله عن إسهالات
الأولاد ورمد العيون
والدورات الشهرية .
- عاد نجيب إلى
المدينة بعد أن استأذن
الشيخ والده بأن عليه أن
يعود سريعاً ليدرس العظام
والجماجم وقال له أشياء
عديدة مثل (مبايض النساء) و(الأمعاء
الغليظة) و(البنكرياس ) ،
ففرحنا كثيراً لأنه أصبح
لقريتنا دكتوراً كبيراً
يعرف أشياء كثيرة .
- ما إن وصل نجيب
إلى شقته في تلك العمارة حتى
اكتشف أن الست كاميليا غير
موجودة ، وأنها قد رحلت
نهائياً ، فقد كانت هناك
رسالة منها بخمس كلمات : “لا
تبحث عني فأنا أكرهك”، قعد
يبكي بائساً فقد طردوه من
الجامعة وأضاع مستقبله ،
وهو يكذب على أبيه ويأخذ منه
نقوداً كثيرة ، ليقدمها
إليها ويشتري لها الهدايا
والألبسة والروائح التي
تباع في قناني . وفي اليوم
التالي رأى أنه لا يستطيع
العيش دونها فخرج يبحث عنها
عند أصدقائه ومعارفه ، فقال
له أحدهم إنه وجدها صدفة
راكبة سيارة أحد وجهاء
البلد واسمه "منيف آغا"
فأمضى أسبوعا كاملاً يبحث
عن عنوان ذلك الوجيه حتى
وجده . طرق الباب ففتح له رجل
يزرر بنطاله . نظر الرجل إلى
ذلك الفلاح الذي يلبس طقماً
وقميصاً وسباطاً أصفر وسأله
ماذا تريد ؟ فقال له وهو
خائر القوى إنه يريد أن
يتحدث إلى كاميليا . تردد
الرجل فيما يفعل ، فهو لا
يعرف أي شيء عن علاقة
كاميليا بهذا الفلاح . جاءت
كاميليا . استندت إلى درفة
الباب وهي تنظر إلى سحنة
نجيب التي تظهر مدى التعب
والسهر اللذين عاناهما . كان
شعره أهوج وذقنه طويلة
وعيناه حمراوين . رق قلبها
عليه فأدخلته إلى غرفة
الضيوف . جعلا يبكيان لدقائق
دون أن ينبسا بكلمة . قال لها
بعدئذ ، إنه يحبها ويغفر لها
كل خطاياها وإن عليها أن
تأتي معه وأنه سيتزوجها
غداً ، وأنه سيرث يوماً ما ،
عن أبيه ، مائة وعشرة
هكتارات وخمسمائة رأس غنم
وبيتأ ومالاً ووجاهة فأشارت
له أن ينتظر لحظة ، فخرجت من
الغرفة. كان الوجيه يستمع
إلى الحديث من خلف الباب .
دفعته عنها ، وبعد قليل عادت
وقد ارتدت ثيابها ، تحمل
حقيبة سفر ثقيلة ، فأخذها
منها ثم فتحا الباب وخرجا من
بيت الوجيه "منيف آغا"
الذي عقدت المفاجأة لسانه
فلم يفتح فمه .
- *****
- بعد سبعة أيام
، ترك نجيب أمه القاعدة في
العدة تلازم غرفتها بصحبة
الست كاميليا وخرج من البيت
قاصداً "الغرفة". هناك
أسمعناه رغبتنا في أن يرث
المختارية عن أبيه المتوفى
فوافق على الفور ، فنهضنا
نهلل له ونهنئه بالعناق
والقبلات . ثم حمله عبد
المهيمن صاحب العشرة وخرج
به إلى الساحة فلحقنا بهما
نصفق وننشد الأناشيد
للدكتور فرحين بعودته هو
والست كاميليا وبموافقته أن
يصبح المختار الجديد . طفنا
به حول الساحة عدة مرات ونحن
نهزج له بأغنية ألفها على
الفور فهمي الحلاق شاعر
القرية دون منازع :
- الدكتور نجيب
دايماً بيجيب
- الخير علينا هو
بايدينا
- ما بيصير يغيب
كمان علينا
- الدكتور نجيب
الدكتور نجيب
- كان الدكتور
سعيداً بما نفعل ، يضحك
ويلوح لنا بيديه ، وفي
الدورة الأخيرة شاهدنا الست
كاميليا واقفة على سطح
البيت ، بجمالها الخارق
تنظر ضاحكة إلى ما يحدث
فتوقفنا أمام بيت الشيخ
معتوق فأنزل عبد المهيمن
صاحب العشرة الدكتور ثم
رحنا نلوح بأيدينا ونصفق
ونغني لها جميعاً مقتدين
بفهمي الحلاق :
- شفتها واقفة
على السطوح شعرها الأشقر عم
بيلوح
- والله لاخطفها
واروح إن عشت وربي خلاني
- ثم عملنا حلقة
كبيرة ورحنا نرقص وندبك ،
ورقصت أنا بالذات وفي
الحقيقة يا أخواني كنت أرقص
لها وعندما أقفز كنت أفعل
ذلك رغبة مني بالوصول إليها
، وما أن تعبت ورحت ألهث
وأسعل حتى تناوب على الرقص
كل من محسن صاحب الخمسة وعبد
المسيح صاحب الستة وحميد
صاحب الهكتار وجاسم صاحب
المائة رأس وغازي صاحب
العشرين ، وقد كان غازي
أكثرنا جمالاً وشباباً ،
وقد لاحظت أنهم جميعاً
يرقصون وعيونهم تنظر إلى
الست كاميليا ، يبتسمون لها
ويعرضون أمام عينيها
فحولتهم ، فشعرت بالغيرة
ولكن لبرهة قصيرة ، فقد
سمعنا صوت الشيخ أدهم يرتفع
بالأذان لصلاة الظهر ،
فتفرقنا ونحن نلوح للست
كاميليا وهي تلوح لنا
بيديها الناعمتين
البيضاوين، أما غازي صاحب
العشرين فقد أرسل لها خفية
قبلة في الهواء .
- أما بعد ذلك
فقد أصبح الدكتور نجيب يُرى
بشكل أقل ، فقد أنقطع عن
الناس ، لا يستقبل سوى
الفلاحين والرعاة الذين
كانوا يعملون عند أبيه . أما
السهر في "الغرفة"
والخروج إلى الأراضي
الواقعة خلف النهر لتفقد
محاصيله وقطعان أغنامه
السارحة في سهول الرعي
الشمالية ، فلم يكن يفعل ذلك
إلاّ لماماً. كان يجلس في
غرفته طوال النهار وجزءاً
من الليل . ويخرج إلى حديقة
بيتهم قبل أن ينام . كان يقرأ
في كتب متنوعة أو يجلس
ساهماً في ملكوت الله ، أو
يشرب القهوة الحلوة مرات
عديدة أو يشرب في كأس شراباً
ما لا نعرف كنهه . كان طوال
الوقت يدخن غليونه ، مطلقاً
سحابات من دخان ذي رائحة
عطرة ، وكان بين الحين
والحين ينادي عبدو ويدعوه
كي يخدمه ، وعندما يتأخر
لسبب ما كان الدكتور يشتمه
بأمه.
- كان الدكتور
نجيب متوتر الأعصاب دائماً .
كان يتشاجر باستمرار مع
الست جليلة أمه ، ومع خواته
البنات ، أو مع عبدو . كان
يطرد الضيوف والمرضى وذويهم
، أو يتأفف من تسجيل أسماء
الموتى والمواليد
والمتزوجين الجدد .
- قال الشيخ علي
هامساً : “أي مختار هذا ؟ . .
رحمة الله على أبيه الشيخ
معتوق” . وقال أبو مسعود: “لماذا
إذن تعلم الدكتوراتية ؟”.
وقال الشيخ أدهم إمام
الجامع: “اللهم أجرنا من
الأعظم!”.
- لأسباب عديدة
قرر أبو غالية صاحب المخزن
افتتاح مقهى في وسط الساحة ،
تحت النخلات الأربع . وقد
عدد هذه الأسباب للحلاق
حينما دخل مخزنه لشراء قميص
لوكس وزهورات لمكافحة إمساك
الأمعاء المزمن . قال له أبو
غالية وهو يعد على أصابعه :
- - أولاً لأن
القرية بدون مقهى و"الغرفة"
لم تعد ترضي الشباب ، ثانياً
لأن أصحاب الهكتارات
وكثيراً من الفلاحين أصبحوا
يمضون ساعات طويلة في
الساحة تحت أشعة الشمس
الحارقة دون أن يكون عندهم
رغبة في الالتجاء إلى"الغرفة"
، ثالثاً لأن الست كاميليا
تقف باستمرار أمام نافذة
غرفتها المطلة على الساحة
أو تخرج لتتمطى في الحديقة
أو لتسير في الساحة دوراً أو
دورين ، رابعاً وأخيراً لأن
هذا الحب للست كاميليا سوف
يدر علي أرباحا محترمة …
- ضحك فهمي
طويلاً ثم تنهد وقال إنه
سيصير زبوناً مداوماً عنده
وأنه يعكف الآن على نظم
قصيدة غزل في الست كاميليا
ورجاه ألاّ يتفوه بشيء قبل
أن تجهز القصيدة ، فوافق أبو
غالية صاحب المخزن سريعاً
ولكن بشرط أن يكون هو أول من
يسمعها . وهكذا كان ، فقد
تلقى ترحيباً عظيماً من
جميع الشباب خصوصاً وأنهم
ملّوا الوقوف أو جلوس
القرفصاء أمام "الغرفة"
أو أمام الجامع أو أمام منزل
الشيخ أدهم ومنزل غازي صاحب
العشرين ، حيث يمكن أن
يشاهدوا الست كاميليا جيداً
في حال وقفت خلف نافذة
غرفتها أو نزلت إلى الحديقة
. ثم أن عليهم أن يهربوا من
نظرات الجبابرة الثلاثة أبو
مسعود والشيخ علي والشيخ
أدهم إمام الجامع .
- أول شيء فعله
أبو غالية هو شراء كمية من
القصب اليابس واستئجار عبدو
البنّا لتسييج دائرة بقطر
عشرين ذراعاً وأوصاه بجعل
المدخل يقابل منزل الشيخ
معتوق وأن يكون القصب
قصيراً في ذلك الاتجاه
وطويلاً جداً في الاتجاهات
الأخرى . ثم أحضر الكراسي
والطاولات وصندوقاً تتوضع
عليه أدوات صنع الشاي
والقهوة وبرميلاً للماء له
صنبور صغير ، ثم اتفق شفوياً
مع فلاح ظريف اسمه "ملزوم"
ليصبح القهوجي لقاء ثلاث
ليرات يومياً ولقاء شرب
الشاي والنظر إلى الست
كاميليا دون مقابل . أعلن أن
مساء الخميس سيكون موعد
افتتاح "مقهى الذهب"
فأنارت ثلاثة لوكسات المقهى
والساحة كلها ، جاء كثير من
الرجال من المالكين
والفلاحين ليحتلوا الكراسي
والطاولات ، ومنهم من بقي
واقفا ومنهم من جلب من بيته
كرسياً ليقعد عليه ، ثم
راحوا يشربون الشاي والقهوة
ووجوههم نحو نافذة الست
كاميليا . ولم يمض وقت طويل
حتى ظهرت الست في إطار
نافذتها المضاءة فاشرأبت
الأعناق وجحظت الأعين وتوقف
الكلام ، ولم يعد يسمع شيء
سوى الأنفاس الثقيلة أو
صفير خافت أطلقه هؤلاء
المتيمين السريين بالست
كاميليا.
- ظلت الست
كاميليا واقفة لدقائق وهي
مندهشة لجلوسنا هكذا وكأننا
جامدون ، ثم راحت تضحك
فضحكنا ، ثم رفعت يدها ولوحت
لنا فرفع كل واحد منا يده
ولوح لها ثم تراجعت وهي
مغشية من الضحك وأسدلت
الستائر .
- حدث مرح عظيم
بيننا ، وراح الجميع يعددون
أوصاف الست كاميليا الساحرة
، ثم طلبنا الشاي والقهوة من
جديد وظللنا نتناقش حول
أجمل شيء في الست حتى وقف
أبو غالية وقال بصوت خافت
إنه سيقدم لنا مفاجأة
افتتاح المقهى ، فسألناه
عنها فقال إن فهمي الحلاق قد
نظم بيتين من الشعر الغزلي
في الست كاميليا ، فرجونا
فهمي أن يلقيهما فنهض خجلان
وملزوم يدفع له بفنجان من
القهوة على حساب المحل . وقف
فهمي الحلاق ثم مد ذراعه
باتجاه النافذة وأنشد بصوت
خافت ومرتجف :
- الست كاميليا
الست كاميليا حلوة حلوة
حلوة كتير
- الست كاميليا
الست كاميليا ناعمة ناعمة
كالحريــر
- وما أن انتهى ،
وقبل أن نهتف له بطول العمر
، سمعنا صوت الشيخ أدهم إمام
الجامع وهو يصيح :
- - أنهضوا يا
كفار ، يجب أن تستيقظوا
باكراً من أجل صلاة الصبح !
… لعنة الله عليكم وعلى أبو
غالية ! .
- *****
- تراجعت الست
كاميليا عن نافذتها وهي
تشعر بالحر . كان الوقت
ظهراً والحرارة شديدة ورغم
ذلك فالمقهى ملآن بالزبائن
الذين جاءوا لشرب الشاي
والنظر إليها . كانت سعيدة
في داخلها فابتسمت ، فقد كنت
قد رفعت لها كأسي ووضع جاسم
يده على قلبه بحركة مفهومة .
وطيّر لها غازي صاحب
العشرين قبلة في الهواء .
وتنهد فلاحان وراحا يمسحان
العرق عن وجهيهما ، أما فهمي
الحلاق فقد غنى لها مقطعاً
من أغنية أسمهان : “إمتى ح
تعرف إمتى ، إني بحبك إمتى
…”. خرجت الست كاميليا من
غرفتها إلى الحوش ثم اتجهت
نحو غرفة استقبال المختار ،
التي يحتلها الدكتور نجيب
وجعلها غرفته الدائمة ما
دام مستيقظاً ، إذ أنه لا
يستطيع أن ينام في سرير لا
تشاركه فيه كاميليا . قابلت
الست جليلة واقفة في الحوش ،
فلم تكلمها ، فهما لا تكلم
إحداهما الأخرى منذ أن
شاهدت الست جليلة ابنها
الدكتور ساجداً أمام
كاميليا وهو يبكي ويتوسل
إليها من أجل أمر لا تعرف ما
هو . دخلت الست كاميليا ثم
أغلقت الباب وراءها . كانت
الغرفة تسبح في غيمة من دخان
الغليون ، وكان الدكتور
مستلق في أريكة خشبية يدخن
ويشرب الخمر . اقتربت منه ،
وكان أشعث الشعر أحمر
العينين ، فشعرت أنها تكرهه
كثيراً وأنه قبيح جداً . نظر
الدكتور إليها فوجدها جميلة
جداً بل رائعة فشعر برغبة في
احتضانها ومضاجعتها إلا
أنها ابتعدت قليلاً عنه
وقالت :
- - لقد سئمت هذه
الحياة .
- اصفر وجه
الدكتور فقال وهو يكره نفسه
على الابتسام أنه لم يمر على
وجودها هنا سوى شهر واحد
وأنها سرعان ما ستعتاد على
حياتها الجديدة وأنه سيشتري
لها من المدينة كل ما تطلبه
من أجل أن تسلي نفسها به ،
إلا أنها قالت بحدة :
- - اتركني أذهب ،
فأنا أكرهك وأكره هذه
القرية القميئة .
- فاصفر وجه
الدكتور أكثر فأكثر فنهض
واقترب منها وهو يقسم لها
أنه يحبها وإذا رحلت فإنه
سيقتل نفسه . وحاول أن
يحتضنها إلا أنها دفعته
بقسوة وهي تشتمه بالفرنسية
، فعاد إلى أريكته وجمع وجهه
في يديه وراح يبكي بصوت يقطع
القلب .
- بعد قليل جلست
كاميليا إلى جانبه ، وراحت ،
بحذر شديد ، تمسح على شعره
الخشن بحنو فأسقط رأسه في
حضنها وهو يبكي فقالت له :
- - أنت شاب لطيف
، وأنا أحبك أيضاً ، ولكنك
تكذب علي . لقد قلت لي إن
الحياة في قريتكم مسلية
وأنك سترث مائة وعشرة
هكتارات وخمسمائة رأس غنم .
أنت لم ترث شيئاً ، وأنا
أريدك أن ترث يا صغيري
الكذاب ، لأنني أريد أن أؤمن
مستقبلي ، فأنا لم آت معك
لتصير مختاراً بل لتصبح
مالكاً ، وأنا لا يهمني أن
يقولوا لك أنك الوارث
الوحيد لأبيك بل لأرى اسمك
على الورق ، حينها سأتزوجك
وإلا فسأرحل …
- فقال لها وهو
يبكي وبمسح عينيه وأنفه
بثوبها ، بأنه المختار وأنه
يستطيع أن يكتب أي وثيقة ،
وستكون قانونية مائة
بالمائة إن مهرها بختم
المختارية وختم الحكومة ،
ثم سألها إن كان توثيق
ملكيته من بعد أبيه سيرضيها
ويطمئنها . فقالت له وهو
كذلك ، فقام من فوره وكتب
وثيقة ملكيته لجميع أملاك
أبيه المرحوم الشيخ معتوق
ثم وضع الأختام وتوقيعه
الخاص فاحتضنته الست
كاميليا وقبلته ثم سحبته
إلى الأريكة.
- وفي صبيحة
اليوم التالي وبينما كان
الدكتور نجيب يشرب قهوته
نهضت الست كاميليا واقتربت
منه ثم صفعته وبصقت في وجهه
ونعته بأنه أكبر مخادع
عرفته في حياتها ثم خرجت
غاضبة من المنزل، لتقوم
بدورة أو دورتين في الساحة .
دارت الست كاميليا ودارت
رقاب الرجال الجالسين في
المقهى يلاحقونها بعيونهم .
كنت آنذاك في مكاني في "مقهى
الذهب" وكنت أفعل ما
يفعله الرجال، فسمعت
همهماتهم ! "إنها ملاك"
، "الله يأخذني كم هي
جميلة" ، "ليلة واحدة
ثم يشنقوني" ، "الدكتور
محظوظ" ، "يا ترى كيف هي
في الفراش ؟" ، "مثل
زوجتك يا محسن صاحب الخمسة…"
- كادت تحدث
مشاجرة بين محسن وعبد
السميع صاحب الستة ، ولكن
الست كاميليا استدارت إلينا
قبل أن تعود إلى منزل
المختار . تلاقت أعيننا
فابتسمت لي ، وأنا أنهض
واقفاً . حركت شفتيها كأنها
تقول لي شيئاً ثم غابت في
ظلام المدخل . عدت إلى
الجلوس كالمسطول بينما راح
الآخرون يكيلون لي الخبطات
على كوفيتي وظهري إذ كنت في
ذلك اليوم أكثرهم حظاً
فأسقيتهم دوراً جديداً من
الشاي على حسابي .
- وفي صباح اليوم
التالي شاهدنا الست كاميليا
تخرج من منزل المختار ،
ولكنها لم تقم كعادتها
بالدوران في الساحة حول
المقهى بل سارت الهوينى
بمحاذاة سياج المقهى ، ثم
استدارت ونظرت بعينيها
الزرقاوين إلى الداخل وراحت
تبحث عن شخص ما . وما إن
شاهدتني حتى رفعت إصبعها
وحركته تطلب أن أخرج إليها .
نهضت كالملسوع وسط تعليقات
الرجال وآخر شيء سمعته هو
دعاء"ملزوم" بأن
يوفقني الله .
- سرنا بين
البيوت صامتين باتجاه النهر
. وقفت الست كاميليا على ضفة
النهر تتأمل ماءه الغزير.
- كانت الحقول قد
اصفرت وكان الفلاحون
ونساؤنا يقومون بحصاد محصول
الحنطة والشعير . وكان النهر
يهدر متجهاً إلى جنوب
القرية حيث غابة أشجار
الطرفاء وبيوت الفلاحين
الطينية . وكنت أقف إلى
جانبها مسحوراً بجمالها ،
شاعراً بسعادة عظيمة بسبب
مرافقتي لها . وكان قلبي
يخفق بشدة وكنت خائفاً من
الإقدام على شيء خططت له في
الليالي الطوال حين كان
يمتنع علي النوم حينما
استدارت ونظرت إلي بعينيها
الجارحتين .
- سألتني برقة عن
أرض الشيخ معتوق بين أرض أبو
مسعود وأرض عبد المهيمن
فأشرت إلى الجنوب . سرنا
باتجاهها على الضفة نفسها
حتى أصبحنا أمامها . وقفت
تعاين الخمسة والعشرين
هكتاراً المحاذية للنهر على
الضفة الأخرى . ثم سألتني عن
الخمسة والعشرين هكتاراً
الأخرى والتي يملكها أيضاً
المرحوم ، فأشرت لها إلى
الأرض البعيدة عن النهر
والواقعة خلف الأرض الأولى
وأرض عبد المهيمن . سألتني
عن عدد الهكتارات في
الأرضين فقلت لها خمسون
هكتاراً . ابتسمت الست
كاميليا كأنها اطمأنت على
شيء كان يقلقها . جلست
ودعتني للجلوس إلى جانبها .
رحنا نتحدث. سألتني عن
أحوالي وعن بيتي وعن نسائي
وأولادي . ثم سألتني عن أرضي
فأشرت لها إلى الشمال خلف
أرض الشيخ علي . ثم قلت لها
إني أملك هكتارين فضحكت .
نظرت حولنا فلم أجد أحدا
يراقبنا فسألتها عن حالها
وهل هي سعيدة في قريتنا
فقالت أنها تشعر بالملل .
تشجعت وقلت إنها جميلة
ومحبوبة من قبل كل أهل
القرية . أدارت إلي وجهها
الجميل وقالت إنني رجل لطيف
. خفق قلبي مرة أخرى ورحت
أتعرق . قلت في نفسي يا ولد
أكسر الجرة وقل لها مراد
قلبك . أمسكت يدها فلم تمانع
. بل نظرت إلي وهي تبتسم ،
ولكنني نسيت كيف أقول لها
ذلك ، لعنة الله علي ، فقلت
لها أنها تبدو حزينة . هزت
رأسها وقالت أنها مظلومة مع
نجيب . غضبت جداً . كيف يمكن
لذاك الحيوان أن يظلم هذا
الملاك ؟!. من الذهاب إلى
المدينة لزيارة والديها ،
ولا يريد أن تلد ولداً وفوق
ذلك يضربها . ثارت ثائرتي .
كنت ما أزال أمسك يدها وأخاف
أن تفلت من يدي . كنت أقول أن
الدكتور نجيب نذل حينما
شعرت أنها تبكي وتشرق أنفها
. رفعت يدها وقبلتها .
استدارت وقالت والدموع
ننهمر من عينيها إنني رجل
لطيف جداً . فقلت لها وأنا
أقسم بالله أنني على
استعداد لفعل أي شيء من
أجلها . فقالت إنها تشعر
أنني صادق وأنني أعجبها
وأنها ستأتي غداً بعد
العشاء إلى غابة أشجار
الطرفاء وأن علي أن أوافيها
إلى هناك سراً .
- *****
- ما إن ينتهي
المصلون من صلاة العشاء حتى
يخرجوا من الجامع فرادى .
ففي أحسن الأحوال لا يعدون
العشرة . يهرعون إلى بيوتهم
وهم يستعيذون باللهّ من
الشيطان الرجيم ومن أبي
غالية ومن مقهاه ومن الست
كاميليا ومن كفر هذه الأيام
. في ذلك الوقت تكون الست
كاميليا واقفة على نافذتها
تبتسم والرجال في المقهى
يطلقون التنهيدات .
- بعد وقت قصير
تسدل الست كاميليا الستارة
وتغيب فتسمع من المقهى
أصوات التأوهات وصيحات
الاستنكار . ولكن في هذا
اليوم بالذات وبعد أن أسدلت
الست كاميليا الستارة على
النافذة ، تجمع الرجال حولي
وراحوا يسألونني مرة أخرى
عما حدث هذا الصباح حين
استدعتني . قلت لهم لا
تعذبوا أنفسكم فلن أبوح
بشيء ! فطلبوا لي قدحاً من
الشاي الثقيل على حسابهم
وقدم لي حميد صاحب الهكتار
رغيفاً مدهوناً بالزيت
والزعتر وحلفوني بالله أن
أتكلم فتكلمت . قلت لهم أنها
إنسانة رائعة وأن كل شيء
فيها جميل ولكنها معذبة ،
فزوجها وهو الأخ الدكتور
يضربها كل يوم بعد العشاء ،
وبمنع عنها المصروف ولا
يشتري لها أي قطعة ثياب ،
ويمنعها من زيارة أهلها في
المدينة ، قلت لهم باختصار
أنها بكت على كتفي هذا
وأقسمت لي أنها ستقتل نفسها
يوماً ما.
- قال فهمي
الحلاق وهو يشرع في البكاء :
- - سأموت إذا
فعلت بنفسها أي مكروه .
- وقال ملزوم :
- - لا إله إلا
الله .
- وقال جاسم صاحب
المائة رأس :
- - سأقتل هذا
الكلب .
- ثم قالوا :
- - إنه لا
يستحقها .
- - لماذا لا تهرب
؟
- - سأدفع حياتي
ثمناً لسعادتها .
- - لن تتخلص من
سعيد لتعلق بسعدون .
- - إذا كنت
سعدوناً فأنت بغل مخصي .
- - طولوا بالكم
يا شباب نحن لا ينقصنا …
- أطفأ أبو غالية
وملزوم مصابيح اللوكس ثم
قالا :
- - هيا إلى
بيوتكم ، لعنة الله عليكم
جميعا ! …
- خرجنا من
المقهى وتفرقنا كل إلى
منزله . كان كل واحد فينا
يفكر أنه قد حانت أخيراً
فرصته. ها هو الأمل قد أطل
على كل واحد فينا ، ففي
الماضي حسبنا أنها ليست سوى
للفرجة ، أما الآن فقد عرفنا
أنها تعيسة وأنها تكره
زوجها وأنها يمكن أن تقتل
نفسها إن لم ينقذها أحد ،
أقصد إن لم أنقذها أنا بنفسي
. عليّ أن أعرض عليها الهرب
من القرية . سنرحل إلى
المدينة . ساجد عملاً مهما
كان لنعيش معاً . آه … كم
ستكون أيامنا سعيدة ! ! سأقوم
بإسعادها ، لن أتركها تبكي
أبداً عليها أن تضحك دائماً
، أما الدكتور نجيب فإنشاء
الله سيموت من القهر
عندمايعلم مدى سعادتها معي .
- هكذا كنت أفكر
عندما صعدت إلى السطح
واستلقيت في فراش أم البنات
، فقد كان دورها هذا اليوم .
استيقظت المرأة وانتظرت أن
أفعل شيئاً . وجدت نفسي بلا
مزاج ، فظللت أفكر وأضرب
وأطرح فشخرت أم البنات ،
فحمدت الله على ذلك لأن علي
أن أوفر قوتي لمساء الغد .
- عندما غفوت . لم
تكن الست كاميليا والدكتور
قد استلقيا بعد . فالدكتور
نجيب الذي خشنت لحيته بسبب
إضرابه عن حلاقتها لثلاثة
أيام متوالية والذي أضناه
البكاء فأصبح أقبح مما كان
عليه بشعره المنفوش والأجعد
والخشن ، كان في تلك اللحظة
ساجداً على الأرض أمام
الأريكة التي استلقت عليها
الست كاميليا وهو يبكي
ويتوسل إليها ألاّ ترحل .
كانت كاميليا تنظر في مرآة
صغيرة وتنتف حاجبيها بملقاط
معدني صغير . لم تكن تأبه
لنجيب ، فقد أصبح بالنسبة
إليها مثل الكلب . كيف يمكن
أن يغشها بهذا الشكل ؟ لقد
كتب لها ورقة ووضع عليها
ختمه وختم الحكومة ووقع
توقيعاً طويلاً وأعطاها لها
لتنقعها وتشرب ماءها . إنها
ليست غبية إلى هذا الحد ،
ولا يمكن لفلاح أن يخدعها .
- سألها نجيب وهو
يذرف الدموع :
- - ماذا تريدين
أكثر من ذلك ؟ أنا أحبك ولا
أستطيع العيش بدونك سأفعل
كل ما تطلبين ، ولكن بشرط
ألاّ تهجريني .
- نتفت الست
كاميليا شعرة من حاجبها
الأيسر ثم قالت له :
- - أنظر … إذا
كنت تريدني حقاً ، فأنا أطلب
ضمانة لمستقبلي .
- فسألها كيف
يمكن أن يضمن لها مستقبلها
هذا فقالت :
- - اكتب باسمي
الخمسين هكتاراً التي
ورثتها عن أبيك والواقعة
جانب أرض عبد المهيمن صاحب
العشرة وخلفه .
- وافق نجيب على
ذلك فوراً إلا أنه قال :
- - في هذه الحالة
سأكتب كتابي عليك شرعاً .
- هزت الست
كاميليا رأسها وعادت إلى
نتف حواجبها بينما نهض
الدكتور نجيب إلى الطاولة .
كتب وثيقة تقديم الخمسين
هكتاراً كمقدّم صداق
لزواجهما ثم ختمها ووقعها
وقدمها للست . أبعدت كاميليا
المرآة ثم قرأت الوثيقة ،
وما أن انتهت من قراءتها حتى
قذفتها في وجهه .
- قالت له هذه
المرة :
- - انقعها واشرب
ميّتها .
- جلس نجيب على
الأرض بجانب الأريكة وعاد
إلى البكاء . سألها من بين
دموعه :
- - ماذا تريدين
أكثر من ذلك ؟.
- فقالت له وهي
تنظر في عينيه المبللتين :
- - تحتاج هذه
الورقة الحقيرة إلى توثيق
عند الكاتب بالعدل ، عندها
تصبح وثيقة وعندها سأملك
خمسين هكتاراً ، وعندها
سأكون زوجتك .
- لمعت الفكرة في
رأس الدكتور نجيب فوافق
فوراً على عمل ذلك . قذفت
الست كاميليا مرآتها
وملقاطها ثم نهضت . كانت
تبتسم له ، وكانت عيناها
تطفحان بالحب والحنان . مسحت
له دموعه عن عينيه ثم
قبلتهما ،وبهدوء شديد جعلته
يستلقي على الأرض فخلعت له
ثيابه ثم خلعت ثيابها ثم
فعلت له الحب .
- في اليومٍ
التالي ، علم جميع أهل
القرية ، ملاّكاً وفلاحين ،
رجالاً ونساء ، أطفالاً
وشيوخاً وأنصاف شيوخ ، أن
الدكتور نجيب رجل متوحش
لأنه يضرب زوجته الجميلة
والشقراء بعد العشاء
ويتركها تنام بمفردها وهي
تبكي حتى الصباح .
- قالت بديعة
زوجة حميد صاحب الهكتار
لضرّتها أسوم وهي تمسك
المنجل بيد وتمسح عرقها
باليد الأخرى :
- كيف يمكن أن
يضربها ؟ إنه وحش …
- فقالت أسوم :
- - إنه شرير،
انظري في عينيه فتعرفي ذلك .
- فقالت بديعة :
- - يا للمسكينة
… لم أكن أعلم أن نساء المدن
يُضربن أيضاً .
- فقالت أسوم :
- - أليس نجيب ابن
قريتنا ؟ …
- فأجابتها
بديعة :
- - حميد يضربني
كل يوم ولكن الست كاميليا
مسكينة .
- فقالت أسوم :
- - أشعر أنني
سأبكي قهراً عليها .
- وما أن أذّن
الشيخ أدهم لصلاة الظهر حتى
تجمعت النساء تحت شجرة
الجوز الهرمة ورحن يلتهمن
ما تزودن به من أجل الغداء .
أما الفلاحون فقد افترشوا
الأرض تحت سماء شهر تموز إلى
جانب أكوام سنابل القمح
المحصودة وراحوا يعلكون خبز
الصاج وحبات البندورة
الحمراء وقرون الفليفلة
الخضراء . الشيء الوحيد الذي
تحدثت عنه النساء وتحدث عنه
الفلاحون هو قضية الست
كاميليا . وبينما هم كذلك
وإذ بأبي مسعود والشيخ علي
والشيخ أدهم إمام الجامع
يجتازون النهر على الجسر
الخشبي المقام على المضيق
بجانب أرض الشيخ مسعود .
اقترب الشيوخ الثلاثة من
شجرة الجوز فحيتهن النساء .
- سألت قدرية
زوجة محسن صاحب الخمسة :
- - قولوا لنا يا
شيوخ ، ما هي قصة الست
كاميليا ؟ .
- فأيدتها
النساء وقلن .
- - أي نعم قولوا
لنا .
- فقال الشيخ
أدهم يوجه الحديث إليهن
جميعاً :
- - ماذا سنحكي
أيتها البغلات ، هل تعرفن
ماذا يفعل أزواجكن ؟ إنهم
جالسون دائماً في مقهى أبو
زفت يراقبون الست كاميليا .
اسألوهم ، فهم يعرفون أكثر
منا.
- فقالت امرأتي
زليخة أم البنات :
- - كانوا في
الماضي يجلسون في "الغرفة"
، أما الآن فقد تغير الحال
وأصبح للقرية مقهى .
- فقال أبو مسعود
:
- - ضبّوا رجالكن
، إنهم يزنون بأعينهم .
- فقالت امرأة
رشدي الهارب ، أن الست
كاميليا مليحة وطيبة القلب
، أما رجالنا فإنهم أولاد
حرام . فردت عليها أمّونة
زوجة عبد المهيمن صاحب
العشرة بأن الست كاميليا
جميلة وقد أطارت عقول
الرجال وأن غازي صاحب
العشرين يرسل إليها القبلات
في الهواء ، فضربت إفتكار
زوجة غازي صاحب العشرين ،
والتي لم تبلغ الخامسة عشرة
بعد ، ضربت صدرها بيدها
وقالت أنها تعرف غازي فهو
كالكلب لسانه متدل دائماً
ويسيل لعابه . ضحكت النساء ،
فصرخ الشيخ علي :
- - اضحكوا، لقد
جاءت الست كاميليا نحس
علينا .
- فصرخ الشيخ
أدهم :
- - اللهم أجرنا
من الأعظم ! .
- جاء الفلاحون
الأجراء وانضموا إلى النساء
والشيوخ . اختلط الحابل
بالنابل . أصبح كل واحد يقول
ما يخطر بباله :
- - لا تقولوا أن
السبب هو الست كاميليا ،
فزوجها يضربها كل يوم بعد
العشاء.
- - لا يبدو عليها
ذلك ، فهي جميلة دائماً .
- - لقد سحرت
رجالنا .
- - ولماذا لم
تسحر الشيخ أدهم مثلاً ؟ .
- – وهل الشيخ
أدهم …
- – اخرسي وإلاّ
قطعت لسانك .
- – إنها تقف
باستمرار على نافذتها .
- – يقولون أنها
تغوي الرجال .
- – غازي يرسل
لها القبلات .
- – يقولون أنها
جاءت إلى المقهى وأخذت أبو
حمود إلى الغابة .
- – أبو حمود
عينه على الرابعة .
- – اللهم أجرنا
من الأعظم …
- انسل الرجال
الثلاثة من الجمع وهرعوا
مسرعين نحو الجسر . كنا
جالسين في المقهى ننظر إلى
الست كاميليا عندما
شاهدناهم يدخلون إلى "الغرفة"
الخالية من الرجال . أذّن
الشيخ أدهم لصلاة العشاء ،
فتركت الست كاميليا نافذتها
وأسدلت الستارة . لقد حان
موعد لقائي بها في غابة
أشجار الطرفاء . كان قلبي
يدق بعنف ويداي ترتجفان .
أكملت شرب قهوتي وتدخين
سيجارتي . كان فهمي الحلاق
يغني أغنيته عن الست
كاميليا بينما راح الباقون
يتجادلون بعنف حول مستقبل
الست ، فكل واحد يقول أنه هو
من يجب أن يأخذها ويعقد
عليها إذا ما طلقها الدكتور
نجيب . ضحكت في عبي وأنا أنهض
، فأنا الوحيد الذي واعدته
واختارته ، فالست كاميليا
ستكون لي وحدي ، فأنا عندي
ثلاث نساء فقط ويحق لي واحدة
أخرى .
- قلت لهم أنا
ذاهب إلى البيت لأنني مصاب
بالإسهال ثم خرجت . لم
يسمعني أحد لأنهم كانوا
يتصايحون . وعندما كنت أبتعد
عن الساحة وأغوص في الظلام ،
كان غازي صاحب العشرين يقول
لجاسم صاحب المائة رأس أنه
كلب نجس فرد عليه هذا بأنه
ملعوب بمؤخرته .
- انتظرت نصف
ساعة كاملة على حافة الغابة
من جهة النهر ، دخنت خلالها
سيجارتين . كنت متوتر
الأعصاب أحلم بما يمكن أن
يحصل بيني وبينها . وما هي
إلا لحظات حتى سمعت خشخشة
أوراق الشجر والسنابل
المتيبسة فنهضت استعداداً
للقائها . كانت قد لفت نفسها
بعباءة سوداء وأخفت رأسها
بمنديل حريري . أمسكت يدها
وجذبتها إلى داخل الغابة
وعندما أصبحنا في أمان وقفت
أتأمل وجهها الجميل الذي
ينير نفسه في الظلمات . كنت
سأمد يدي إلا أنني كنت
خائفاً ولا أجد كلمة واحدة
لأقولها ، فاقتربت مني
والتصقت بي وراحت تتحسس
رقبتي ووجهي بيديها . قبلتني
على خدي فعصرتها بيدي
فتأوهت فقلت لها أنني أحبها
فقبلتني مرة أخرى عندها رحت
أقبلها بجنون . وأنا كذلك
دفعتني عنها وقالت أجلس يا
أبو حمود . جلسنا متلاصقين .
حاولت أن آخذها مرة أخرى
بيديّ وأقبلها إلا أنها
وضعت أصابعها على فمي وهمست
لي أنها تحبني أيضاً وأنها
لا تستطيع أن تتأخر كل عن
البيت خوفاً من أن يشعر
الدكتور نجيب بغيابها ولكن
لا بأس فالأيام طويلة
وسنلتقي مرة أخرى وأنها
تريد أن تطلب مني طلباً
محدداً ، فقلت لها أنني على
استعداد لأن أفعل أي شيء
وإذا طلبت مني أن أقتل
الدكتور نجيب لأنه يعذبها
فأنا على استعداد ، وحينها
سنتمكن من الهرب معاً .
فقالت لي إن ذلك ليس وقته
وإنها تريدني أن أذهب إلى
البلدة وأحضر الكاتب بالعدل
الخاص بالناحية وذلك لأمر
ستحدثني عنه فيما بعد ، فقلت
حاضر ، غداً بعد صلاة الفجر
سأذهب إلى البلدة .
- شعرت أنها
أصبحت سعيدة فاحتضنتني
وقبلنا بعضنا بعضاً ثم نهضت
وقالت بخاطرك ثم ركضت عائدة
إلى القرية من جهة بيوت
الفلاحين الطينية. أذّن
الشيخ أدهم لصلاة الفجر
فنهضت من فراش سعدية الصبية
المفروش على السطح أيضاً ثم
اغتسلت لأسقط جنابتي وصليت
الفرض وانطلقت على البغل
نحو طريق السيارات وحمود
ابني يلحق بي ركضاً وهو ما
يزال نائماً . أخذت الباص
وتركت البغل لإبني حمود
وتوكّلنا على اللّه وبعد
ساعتين كنت في البلدة .
- كنت فرحاً ، أي
بالله كنت فرحاً لأنني أعشق
الست كاميليا وهي تحبني
وتثق بي وترسلني لأخدمها .
ذهبت إلى المخفر فقالوا لي
إنني يجب أن أنتظر ثلاث
ساعات فالكاتب بالعدل لا
يستقبل الناس إلا في
العاشرة فذهبت ونمت في
المسجد حتى حان الموعد فعدت
إلى المخفر فأدخلوني عليه
وقلت له إن مختار قرية الذهب
يسلم عليه ويقول له أن يتفضل
إلى القرية لأمر هام فسأل عن
السبب فقلت له أنني لا أعلم
فقال : “انتظر في الخارج”
ريثما ينهي أعماله لأنه
مشغول جداً ، فخرجت وجلست في
الظل . خرج الكاتب بالعدل في
الظهيرة وقال إنه مشغول
جداً ونصحني أن أبقى إلى
الغد لنذهب إلى القرية معاً
، وهكذا فذهبت إلى السوق كان
في جيبي مائة وخمسون ليرة
فاشتريت للست كاميليا قرطين
من الذهب هدية مني وعربوناً
لمحبتي لها وفي اليوم
التالي ركبنا معاً في الباص
إلى "قرية الذهب" .
- *****
- يقع بيت غازي
صاحب العشرين مقابل منزل
المختار ولكن من الجهة
الأخرى للساحة . وفي تلك
الليلة حين شتم غازي جاسم
صاحب المائة رأس وقال له إنه
كلب نجس ، رد عليه هذا وقال
له إنه كذا وكذا فنهض
الاثنان وأمسكا ببعضهما
وراحا يكيلان لنفسيهما
اللكمات والشتائم فوقف
الآخرون بينهما وأبعدوهما
عن بعضهما ثم جلس
الشباربيون وهم : غازي صاحب
العشرين ومحسن صاحب الخمسة
وحميد صاحب الهكتار وفهمي
الحلاق في الجهة اليمنى من
المقهى بينما جلس الشايبيون
وهم : جاسم وعبد السميع صاحب
الستة وعبد المهيمن صاحب
العشرة وأبو غالية صاحب
المقهى في الجهة اليسرى منه
.
- قال فهمي
الحلاق لجماعته إن
الشايبيين حقراء بينما قال
عبد السميع صاحب الستة أن
الشباربيين أولاد حرام .
فسمع كل طرف حديث الطرف
الآخر فنهض فهمي الحلاق
وغنى أهزوجة قال فيها :
- الشايب مو
حبايب والله الشايب خرايب
- ولولا حكمة
ملزوم ساقي المقهى ، الذي
نصح الرجال بالانصراف إلى
بيوتهم ، لحدث أمر لا يحمد
عقباه .
- وفي اليوم
التالي فكر غازي صاحب
العشرين ألاّ ينزل إلى
المقهى فقرر ، بعد أن أرسل
زوجته إفتكار للعمل في
الأرض ، المكوث في البيت ،
فصعد إلى السطح ومن هناك
شاهد الست كاميليا جالسة
قرب نافذتها . وما أن رأته
حتى ابتسمت له فأرسل لها
قبلة في الهواء فأمسكت بها
ووضعتها على شفتيها بحركة
أطارت له عقله .
- وقفت الست
كاميليا بشكل لا يراها أحد
سوى غازي ثم راحت تبتسم له
وتتنهد وتبادله القبلات
الهوائية بمثلها وعندما
أشار لها أن تأتى إلى منزله
حركت يدها أمام عنقها
لتعلمه أنها يمكن أن تذبح
إذا ما فعلت ذلك ، إلاّ أنه
وضع يده على قلبه وأخرج
مسدسه من عبّه ليعلمها أنه
سيقاتل من أجل حبه لها . ضمّت
الست كاميليا ذراعيها إلى
صدرها وهي سعيدة ثم أشارت له
أنها ستاتي إليه في الساعة
العاشرة بعد أن ينام الجميع
.
- وبينما هما على
هذه الحال وإذ بصياح وسباب
وشتائم تتعالى من جهة
المقهى ثم تحول الأمر إلى
عراك بالأيدي والعقالات ثم
بالكراسي والطاولات وشاهد
غازي وهو واقف على حافة
السطح كيف حمل عبد السميع
صاحب الستة حميدا صاحب
الهكتار وقذفه فسقط على
صندوق أدوات الشاي فتحطم
الصندوق وتكسرت الكؤوس
وانقلبت الأباريق وانقلب
ملزوم الساقي واحترقت
مؤخرته بالماء الحار ، ولكن
عبد السميع لم يستطع أن
يتمتع بفعلته هذه طويلاً
فقد أسرع محسن صاحب الخمسة
وحمل كرسياً وانهال به على
رأس عبد السميع فتحطم
الكرمي وسقط المضروب على
الأرض فاقد الوعي ، بينما
كان أبو غالية صاحب المقهى
راكباً فوق فهمي الحلاق وهو
يكيل له اللكمات والصفعات
والبصقات في حين كان هذا
الأخير يصرخ مستجيراً
بالناس كي يخلصوه من هذا
الثور الذي يكاد يقتله .
- سمع الشيوخ
الثلاثة الجالسون بمفردهم
في "الغرفة" الضوضاء
الآتية من ساحة القتال ،
فهرعوا يستطلعون الأمر ،
وما أن شاهدهم غازي يخرجون
الواحد خلف الآخر حتى اختبأ
وأغلقت الست كاميليا
نافذتها وأسدلت الستارة
عليها . وما أن وصلوا إلى
المقهى حتى كانت المعركة قد
انتهت وكان فهمي الحلاق
وحميد صاحب الهكتار وعبد
السميع صاحب الستة فاقدي
الوعي وكان ملزوم قابعاً
خلف صندوقه وقد عرّى مؤخرته
وراح يتلمسها وهو يصيح : “يا
بوي … يا بوي …” .
- سمعت النساء في
الحقول بما جرى في المقهى
ولكن بتعديل بسيط فقد وصل
الأطفال راكضين وهم يصيحون
بأن أبا غالية قد قتل حميداً
صاحب الهكتار وأن عبد
السميع قد انقلعت عينه وأن
غازي صاحب العشرين قد
انقرفت رقبته ثم مات وأن
فهمي الحلاق قد قطعوا له
لسانه وأن القائمة قامت بين
الشايب والشبارب حتى أن
الشيخ أبو مسعود والشيخ علي
الشباربيين أبطحا الشيخ
إمام الجامع أرضاً وانهالا
عليه ضرباً لا لشيء إلا لأنه
من الشايب .
- هرعت النساء
راكضات من الحقول حاملات
الفؤوس والمناجل والعصي
وخلفهن الأولاد والأطفال
يحملون الحجارة ، وما أن
وصلوا إلى ساحة القرية حتى
شاهدوا الرجال والفلاحين ،
الذين جاءوا يستطلعون الأمر
، يحملون فهمي الحلاق وحميد
وعبد السميع صاحب الستة
فولولت نساؤهم فتبعتهن
النساء الأخريات وصاحت أسوم
زوجة حميد وهي تقطع شعرها :
“يا حيف عليك يا حميد”
فلحقتها ضرتها الشباربية
وهي تصفع نفسها :“كل الذنب
على الشايب أولاد الكلب” ،
فلم تسكت لهل ضرتها أسوم
فصفعتها على وجهها فسال
الدم من فمها فأقعت بديعة
على الأرض تبكي بصوت عال وهي
تصيح : “ولي على حظي …” .
- وكاد يحدث عراك
بين النساء إلا أن الفلاحين
أبعدوا النساء الشباربيات
وخرج الشيخ أدهم راكضاً من
"الغرفة" حاملاً
كرسياً من القش وضعه بين
النساء ثم اعتلى عليه ورفع
ذراعيه طالباً منهن السكوت
والاستماع إليه فسمع زوجتي
فطمة وهي من الشبارب تقول له
: “أخرس أنت أيها الشايبي
الخرفان !” . فلعن أباها ثم
دعا عليها أن يزهق الله
روحها فردت عليه إفتكار
زوجة غازي صاحب العشرين
التي اطمأنت على زوجها الذي
شاهدته واقفاً بباب منزلهم
“الشايب خرايب ولو عمرت بلد
…” فاقتربت منها فضة
الشباربية أرملة حسين صاحب
العشرة وصفعتها وبصقت في
وجهها وحذرتها من أن تفتح
فمها مرة ثانية ، فتم الهدوء
كما أراد الشيخ أدهم الذي
نظف حنجرته وبصق ثم صاح كما
يفعل كل يوم جمعة :
- - اسمعوا وعوا ،
لم يمت أحد ولله الحمد ،
ولكن علينا أن نسأل أنفسنا
لماذا حصل ما حصل ؟ لقد جاءت
الفتنة إلينا لتفرق شملنا ،
وفي ذلك اليوم الذي هجر فيه
الرجال "الغرفة"
ليجلسوا في ذلك المكان
الموبوء الذي اسمه المقهى
حيث نسوا ذكر الله ، وحيث
يمارس الرجال الزنى بالنظر
إلى الفتنة التي فتنتهم ،
أقول في ذلك اليوم ألهمني
الله أن شيئاً ما سيحدث لنا
وأنا أدعوكم لهدم هذا
المقهى والتحلي بالصبر فإن
الله مع الصابرين ،
واعتصموا بحبلِ الله جميعا
ولا تفرقوا …
- إلا أن النساء
والفلاحين والأطفال ،
وعوضاً من أن يهجموا على
المقهى لهدمه وإزالته ،
ركضوا نحو باب "الغرفة"
دافعات الشيخ أدهم فسقط عن
كرسيه وتمرغ في التراب .
حملوا الرجال الثلاثة إلى
بيوتهم وفي المساء تردد أن
الرجال الثلاثة أحياء ولكن
عبد السميع صاحب الستة قد شل
تماماً وأن زوجته الأولى
التي طلقها تشمت به .
- وفي الساعة
العاشرة تركت الست كاميليا
الدكتور مستلقياً على
الكنبة في غرفة المختارية
بعد أن أخبرته أنها ستخرج
قليلاً إلى الحديقة لأن
روحها قد طقت ولأنها لم تعد
تطيق أحداً ثم خرجت بعد أن
لفت نفسها بعباءتها السوداء
ووضعت شالها على رأسها .
انتظرت قليلاً في حديقة
المنزل قرب شجرة الفستق
التي تعبق برائحة زيتية
طيبة ثم اجتازت الساحة
المعتمة باتجاه بيت غازي
صاحب العشرين . وما أن
اقتربت من الباب حتى فتح
بهدوء وامتدت يد غازي
لتتلقفها في الظلام إلى
حضنه. وهناك في الدهليز
المعتم إلى جانب باب
المرحاض تركته يقبلها
وبتلمسها ، قال لها إنه
يحبها فتأوهت، وقال لها إنه
سيفعل المستحيل من أجلها
فشدته إليها . وعندما راح
يلهث دفعته عنها . قالت له
أنه كاذب فأقسم لها بعرضه
إنه صادق . عندها راحت تبكي .
احتار الرجل ، ماذا يفعل ؟ .
سألها ما بها فقالت له أنها
إنسانة معذبة وأن نجيب
يعذبها وأنها تكرهه وتتمنى
موته . مسح غازي الدموع من
عينيها بيديه الخشنتين ثم
همس في أذنها : “لا تبكي سوت
أخلصك منه الليلة” . ألتمعت
عينا الست كاميليا فالتصقت
به من جديد وقالت له : “لا
ليس الليلة” ، ثم تركته
يفعل ما يريد على الأرض
بجانب المرحاض .
- خرجت الست
كاميليا من بيت غازي عند
منتصف الليل . لم يكن الظلام
دامساً فقد انعكس نور أحمر
خفيف على واجهات المنازل
الغربية . وعندما دلفت إلى
حديقة منزل المختار استدارت
لتعرف مصدر الضوء ، وفجأة
تيبست في مكانها مندهشة .
كانت بعض المحاصيل المتكومة
في ساحات الدرس تحترق بلهب
يصعد إلى السماء .
- ما إن ألقت
الست كاميليا جسدها المنتشي
واللاّمبالي على الفراش حتى
بدأت تسمع أصوات الجري
والصياح ، كانت هناك أصوات
ذعر وجنون وصرخات رجال
وعويل نساء . وآخر صوت سمعته
قبل أن تغفو هو طرقات
متلاحقة على باب منزل الشيخ
مسعود . صرخ الطارق بكل ما
أوتي من قوة :
- - يا أبو مسعود
… يا أبو مسعود … انهض ،
محصولك يحترق يا أبو مسعود
…!
- خرج أبو مسعود
باللباس الداخلي الطويل
وخرجت زوجاته الأربعة ،
ركضوا باتجاه الجسر الخشبي
كانت زوجته الأولى أم مسعود
المصابة بالقلب تحجل ببطء
خلف زوجها وزوجاته الأخريات.
كانت تصفع فخذيها تارة
وتقطع شعرها تارة أخرى ، وما
أن وصلت إلى طرف الجسر حتى
شاهدت جبلاً من اللهب يضيء
أرض زوجها . كان أبو مسعود
يدور حول الجبل الملتهب وهو
يصفع وجهه ويبكي وكان يطأ
على السنابل المشتعلة حافي
القدمين دون أن تلسعه . وكان
هناك حشد من الناس كل واحد
منهم يصرخ ويقول شيئاً .
وكانت النساء تبكي بعويل
طويل ، ونساء أبو مسعود
واقفات ببلاهة . وكان غازي
صاحب العشرين يحاول إطفاء
محصوله المحترق دون أن
يستطيع الاقتراب منه .
- استندت أم
مسعود إلى إفريز الجسر
الخشبي . كان قلبها ينتفض
كالأرنب وتشعر بقواها تفلت
منها . جالت بنظرها في
الحقول الأخرى . كانت أيضاً
أرض حميد صاحب الهكتار
ومحسن صاحب الخمسة تحترقان
، وفجأة أحست أنها فهمت شيئا
محدداً . كل الأراضي
المحترقة تعود إلى
الشباربيين . أحست بغصة في
حلقها وبدأت ترتعش ، تمسكت
بالإفريز بقوة وصاحت : “فعلوها
الشايبيين أولاد الكلب …”
لم تستطع أن تنهي صيحتها ،
فقد توقف قلبها وسقطت في "نهر
الذهب" ميتة . لم يسمع أحد
صيحة أم مسعود ولم يرها أحد
تسقط في النهر . وبينما كان
النهر يسحب جثتها نحو
الجنوب كانت أصوات الرجال
والنساء والفلاحين تختلط
ببعضها بصخب عظيم . كانت
النيران تضيء الوجوه
المتوترة والصارخة
والقبضات والعصي . صرخوا : “هذه
فعلة الشايب” “الموت لهم
…” “تعالوا نثأر !” “أولاد
الكلب …” “لا تظلمونا …
نحن أبرياء” “ماذا يفعل
غازي … سوف يقتل نفسه” “أين
هي أم مسعود ؟” “اللهم
أجرنا من الأعظم …” “أحرقوا
محاصيل الشايب” “العين
بالعين والسن بالسن” “ألا
يوجد عاقل واحد هنا ؟ …” “اصبروا
يا جماعة حتى الصباح لنعرف
الفاعل !” “انظروا لقد جن
أبو مسعود ؟” .
- كان أبو مسعود
قد خلع قميصه الداخلي وغرف
بالشوكة شيئاً من السنابل
المتوهجة وسار بها نحو أرض
جاره عبد السميع وما أن وصل
إلى حزم السنابل المتكومة
التي تنتظر نقلها لدرسها
حتى فهم الناس الغاضبون
والخائفون أنه يريد أن يثأر
لمحصوله فيحرق محصول عبد
السميع صاحب الستة المستلقي
مشلولاً في فراشه . تصايح
الناس بين مؤيد ومعارض . وضع
أبو مسعود الجمرات على حزمة
ثم راح ينفخ فيها كي تشتعل ،
ولم يمر وقت طويل حتى اشتعلت
وفجأة سمع صوت طلقة بندقية
وتبعتها أخرى ، وبدأ الناس
يتراكضون ، منهم من راح يحمل
الجمرات ويركض باتجاه حقل
ما لينتقم ومنهم من حاول منع
ذلك ، ومنهم من ركض باتجاه
القرية ليعود بسكين أو
بندقية أو عصا غليظة . كانت
طلقات البندقية تدوي من آن
لآخر ، فقد أردت أبا مسعود
بعد أن أشعل محصول عبد
السميع حتى أن إحدى زوجاته
شاهدته يحترق . صرخت المرأة
بذعر ولكن من يسمعها ،
فالجمِيع كانوا قد جنّوا .
كانوا يحرقون المحاصيل
والبيوت ويقتلون بعضهم
بعضاً . الشايب والشبارب
يتقاتلون ، يتذابحون في
الحقول وفي ساحة القرية
التي أضاءتها النيران
المتصاعدة من البيوت
المحترقة . آه يا أخوان …
ماذا أقول لكم أيضاً ؟ لقد
اكتشفت الناس أن كل واحد
فيهم إما شايبي وإما شباربي
، وأن كل واحد فيهم أما أن
يقتل أو أن يُقتل .
- *****
- سرنا على
الأقدام ، أنا والكاتب
بالعدل من طريق السيارات
وحتى القرية . كانت الساعة
تقترب من التاسعة فقد كانت
أشعة الشمس تلسع . وبينما
كنت أحدثه عن شطارة إبني
حمود اشتممنا رائحة احتراق
غريبة تنفذ إلى خياشمنا .
كانت الرائحة تشتد كلما
اقتربنا من القرية ، ثم
شاهدنا أدخنة تنبعث من
أماكن عديدة من القرية
والحقول ، ثم عرفنا أن كارثة
قد وقعت في "قرية الذهب"
.
- ركضنا . ماذا
حدث يا ترى ؟ هكذا تساءلنا .
وقد سال دمعي وأنا أركض بصمت
. وشاهدت السواد والدخان في
أرضي أيضاً الواقعة خلف أرض
الشيخ علي . وما أن وصلنا إلى
الساحة حتى عرفنا مقدار
الكارثة . كانت كل البيوت قد
احترقت ما عدا الجامع وبيت
المختار . حتى أن "الغرفة"
كانت قد احترقت وسقط سقفها .
وكان هناك عديد من الجثث
ملقاة في الساحة رجال ونساء
وأطفال . هرعت إلى بيتي
الواقع خلف بيت الشيخ مسعود
، كان الدخان ما زال يتصاعد
بكثافة من داخله أردت
الدخول لمعرفة مصير أهلي .
دفعت بقدمي حطام الباب
المحترق ودلفت إلى الدهليز
ومنه إلى صحن الدار ، وهناك
كانت زوجتي الثانية فطمة
وابنها حمود مذبوحين من
الوريد إلى الوريد . ولكن
لماذا ؟ ركضت من جديد إلى
الساحة لأعرف لماذا حصل ما
حصل . كانت الست كاميليا
واقفة في حديقة منزل الشيخ
معتوق بينما وقف الكاتب
بالعدل ينظر إليها صامتاً .
اقتربت منها وأنا أبكي .
كانت هي الشخص الوحيد الذي
يمكن أن يشرح لنا وكانت هي
الشيء الوحيد الذي لم يصبه
الحريق .
- أدخلتنا إلى
بيتها . قالت لنا أن أهل
القرية جنّوا ليلاً ، وأنها
لا تعرف السبب وأنها قد
ارتعبت كثيراً وأن أرملة
الشيخ معتوق القاعدة في
العدة خرجت لتعرف ما يجري
فقتلوها وأن غازي صاحب
العشرين دخل إلى غرفة
المختارية وأطلق الرصاص على
الدكتور نجيب وقتله ، وأنها
الآن وحيدة وخائفة وأنها لم
تكن تعرف أن الناس قساة
ومرعبون إلى هذا الحد .
- راح الكاتب
بالعدل يهدئ من روعها
ويلاطفها . سألها عن السبب
الذي استدعاه المختار من
أجله فقالت لكي يقوم بتسجيل
عقود البيع فسألها أن كان
ذلك ضرورياً الآن فقالت نعم
. ثم نهضت وأحضرت كمية من
الأوراق من غرفة المختارية .
التقطها الكاتب بالعدل وراح
يتصفحها . رفع رأسه ونظر إلى
الست كاميليا متعجباً . كانت
عينا الست تعدان بأشياء
كثيرة . فتح الكاتب دفتره ثم
راح يسجل العقود ويضع عليها
أختامه . لقد أصبحت ابنة
الكلب مالكة لكل أراضي
الشيخ معتوق وأبو مسعود
والشيخ علي ومحسن صاحب
الخمسة وعبد السميع صاحب
الستة وعبد المهيمن صاحب
العشرة رحمه الله عليهم
أجمعين.