رواية حالة شـغف
لنهاد سيريس

الفصل الثاني

كيف استقبلت الخوجة بهيرة وداد وكيف قبلتها أول قبلة

توقف الشيخ عن الكلام وطلب ان يرتاح قليلاً. نهضت لأضيف بعض الحطب إلى المدفأة. كنت قد بدأت أحب الشيخ وانتظر أية بادرة كي أهرع لخدمته، حتى أنني كنت أمد يدي لأصلح وضع البطانية التي اعتاد ان يضعها على فخذيه اتقاءً لآلام الروماتيزم. وعندما كان يصمت ليرتاح قليلاً كنت أصمت حتى لا أشجعه على الكلام فيزداد ارهاقاً. وعندما كان يصمت، كان يطرق وهو يرقب يديه (أصابعه بالتحديد) كيف ترتجفان ويحاول تثبيتهما. كنت أدعو الله ألا يكون مصاباً بمرض الباركنسون الذي أصيب به أبي، فأنا أعرف مقدار الآلام الجسدية والنفسية التي يعانيها المصابون بهذا المرض الخطير وقد علمت من الطبيب الذي عالج أبي ان الباركنسون يصيب الرجال الذين كانت حياتهم حافلة بالنشاط وأعلمني ان الملاكم محمد علي كلاي أصيب به فأخذت علماً بمعنى الحياة الحافلة بالنشاط.

هل كانت حياة الشيخ حافلة أيضاً بالنشاط؟ ومن أين يعرف كل هذه الأمور عن أبطال قصتنا؟ هل كان على علاقة بهم، هل عرفهم أو كان قد عايشهم؟ وهل كان الشيخ يسرد علي قصة حياته يا ترى؟.. كانت الأسئلة تتردد في ذهني وأنا أضيف بعض الحطب إلى المدفأة كي أعيد التأجج إلى النار حفاظاً على دفء الشيخ. نظرت إلى الشيخ فرأيته ما يزال مطرقاً ناظراً إلى يديه المرتجفتين فلم أعد للجلوس بل اقتربت من النافذة ورحت استطلع السهول الجرداء الممتدة إلى البعيد والتي تغسلها الأمطار بقسوة. في هذه اللحظة سمعت شيئاً أو حركة أو ربما نفساً من خلف الباب الذي يقع إلى جانب النافذة. كان الشك بدأ يساورني من الخادم خصوصاً وأنه يمتلك وجهاً صارماً وغامضاً وعينين منطفئتين أكثر من عيني سيده الشيخ، ثم إنني وباستمرار كنت أتذكر الحركة التي أظن أنني سمعتها في غرفتي المقفلة من الداخل ولو لم أكن غارقاً في النوم إلى الحد الذي ينفي عقلي وجود احتمالات سيئة لكنت نهضت وأشعلت النور وتفقدت مصدر الصوت. وأريد هنا أيها القارئ ان أعترف بأنني شعرت، في هذه اللحظة وأنا أقف على النافذة، ببعض الخوف خصوصاً وان البيت يكتنفه كثير من الغموض سواء في الفرش أو الاضاءة أو في طريقة تصرف الخادم وطريقته أيضاً في النظر (أكثر الأمور غموضاً في البيت هو في وجود البيت في حد ذاته). اقتربت من الباب بهدوء وانا مستمر في النظر إلى الخارج ثم وبحركة سريعة (ولا أعرف كيفواتتني الشجاعة لفعل ذلك) نظرت إلى الشيخ فوجدته منهمكاً بيديه ثم نظرت إلى الباب وانا أفتحه دون أن أرتكب أي خطأ في حركتي التي جاءت عفوية وعن دون دراسة. لقد صدق حدسي. كان الممر قليل الاضاءة بينما كان الخادم يهم بالابتعاد مديراً ظهره الي بينما كان ينظر في عيني مباشرة. استمر وقوفنا هكذا فترة ثانيتين ثم أدار الخادم رأسه وابتعد دون ان يرتبك أو يبتسم وعندما انعطف وغاب أعدت إغلاق الباب وعدت إلى النافذة.

كنت أريد ان أفكر في الموضوع ولكن الشيخ قطع علي تفكيري. ناداني فعدت إلى مكاني قبالته ثم أصلحت وضع الغطاء على فخذيه وقد قررت ان أفكر بأمر الخادم فيما بعد حين أعود إلى غرفتي لقيلولة بعد الظهر. سألني الشيخ:

- أين وصلنا؟

- قبل ان نعود إلى الحكاية أود أن أسأل، لماذا أرسلت بديعة ابنتها إلى الخوجة بهيرة؟ إنني لم أفهم السبب خصوصاً وان بديعة كانت قد هربت منها.. الخوجة بهيرة امرأة متسلطة وعاشقة للنساء، هذا يعني ان الأم موافقة على ما يمكن ان يحصل للابنة.

- فعلاً.. هذا شيء محير، ولكن يبدو على الأم انها ندمت على ما فعلت في غياب أبلايتها بهيرة. كان عليها ان تصدقها وتحترس من الرجال، هكذا فكرت بديعة على ما يبدو. كانت تعيش معها كأميرة زمانها، وعلى فراش الموت فكرت ان أفضل طريقة لحماية ابنتها هو إرسالها إلى بهيرة عوضاً عن ان تزوجها من رجل ريفي لتمضي باقي حياتها في محطة ميدان اكبس فتتحول إلى امرأة ريفية عادية.

- ألم يخطر في بالها قبل المرض ان تأخذ وداد وترحل إلى أبلايتها؟

- النساء لسن كائنات عجيبة يا بني.. عليك ان تأخذ بالحسبان الكرامة.

- ألا توافقني أيها الشيخ بأنها هربت من قوانين أمها في ظروف الحرب العالمية لأنها تحب الحرية فهربت من قوانين بهيرة أيضاً؟

- أمضت بديعة حياتها متنقلة من سيطرة امرأة إلى سيطرة امرأة أخرى، كان حظها سيئاً وكانت تعتقد انها إن هربت من بيت امها فإنها ستحصل على حقها في أن تعيش حياتها حسب ما تهوى بعيداً عن سيطرة امرأة حتى ولو كانت أمها، ولكن ما إن وصلت المدينة حتى وقعت تحت سلطان امرأة أخرى.

- إذن عندما التقت باليوزباشي جودت حسبت انها ستتخلص من سيطرة النساء إلى الأبد.

- هذا صحيح، ولكن اليوزباشي خذلها.. ربما الرجل لا يتحمل المسؤولية لأنه قد يكون قد قتل في المعارك التي دارت حول دمشق، ولكنه بالمعنى العام خذلها، ولكي تنهي ما ابتدأته استقرت في تلك القرية التي فيها محطة القطارات وقررت ان تعيش فيها وتربي ابنتها.. ولكن يبدو انها تعذبت كثيراً. تحولت إلى امرأة عادية وبسبب اعتزازها بنفسها قررت أن لا تظهر وكأنها هزمت. المهم هو انها لم ترض لابنتها ما رضيته لنفسها فقررت ان توجهها إلى بيت الخوجة بهيرة ولكن بعد ان تكون قد فارقت الحياة.

- هذا يعني انها اقتنعت ان الحياة مع امرأة قد تكون أفضل من الحياة مع رجل، أي انها وصلت إلى نفس القناعة التي حاولت أبلايتها اقناعها بها حول الرجال.

- ثمانية عشر عاماً في القرية جعلتها تندم لأنها سعت وراء رجل، من أجل ذلك حاولت ان تزرع في نفس ابنتها خوفاً مضاعفاً من الرجال ولم تدعها تصادق إلا عبدو السنكة.

كانت معلوماتي عن بنات العِشْرة قليلة، فأنا لم أكن أعرف سوى بعض الأقاويل التي كنا نتناقلها عنهن. كانت مثل هذه الأخبار تتناقل بين الرجال بمتعة، ويبدو ان الرجال يضيفون ما كانوا يشتهون سماعه إلى أخبار هذه أو تلك من بنات العشرة الشهيرات في المدينة. قلت للشيخ:

- حسب معلوماتي فإن بنات العشرة لا يرفضن الزواج من الرجال، حتى أشهرهن في حلب متزوجات ولهن أسر وأطفال.

- هذا صحيح، فالمرأة مهما كانت ميولها تسعى إلى ان تكون محمية، تحب ان تكون تحت رعاية شخص ما كالأب أو الزوج. ثم ان معظم النساء يتزوجن وهن صغيرات.. أو تستطيع ان تقول انهن يزوجن في سن مبكرة حين تكون دون إرادة. وفي معظم الأحيان تنشأ الصداقات في استقبالاتهن النسائية التي تحرص كل نساء المدينة على حضورها على الدوام.

- تقصد "القابول" باللغة العامية الحلبية.

- نعم، يصدف ان تتواجد المرأة في "قابول" مثل هذا وتتعرف على مثل هذه العلاقات.. انها ترى أزواجاً وأزواجاً من النساء اللواتي يحرصن على الجلوس معاً والحديث معاً والضحك والمزاح ولا يخلو الأمر من قبلات ولمسات وشمّات. بعد مدة تتحرش بها احداهن لتتقرب منها أو لتغيظ صديقتها وتثير فيها مشاعر الغيرة. تنشأ الصداقة على هذا المنوال وتتطور بعيداً عن أعين الرجال، فانت تعلم جيداً بان الرجل لا يستطيع اقتحام جلسات النساء.

- نعم.. رجلنا الشرقي يخاف على شرفه من الرجال الآخرين، أما النساء فهن لا يمسسن الشرف.

- في العادة يعود الرجل إلى بيته فيسأل عن امرأته فيقولون له انها بصحبة ضيفة.. واحدة من صاحباتها. هذا شيء طبيعي، بعد دقائق يتأكد من انها امرأة حين يراها تخرج من غرفة الضيوف وزوجته تودعها. أما ما كان قد حصل فالزوج لا يعلم عنه شيئاً.

- سمعت عن بعض الأزواج الذين علموا بعلاقة زوجاتهم مع صاحباتهن.

- يحدث كثيراً ان تتطور علاقة الزوجة بأبلايتها وتحصل أمور دراماتيكية، مثل ان تتحدث كثير من النساء عن هذه العلاقة وما يعتريها من خصام في بعض الأحيان وفراق ثم وصال من جديد فتصل هذه الأخبار إلى الرجال ومن ثم إلى الزوج.

- وماذا يمكن أن يحصل؟

- كثير من الأزواج يصمتون ولكن ما إن تنكشف العلاقة وتصبح كالفضيحة حتى يضغطون على زوجاتهم لإيقافها، ولكنهم على الأغلب لا ينجحون في ايقافها ومنهم من يطلق زوجته بسببها.

- يصل الأمر إلى حد الطلاق؟

- لا يصل الأمر إلى الطلاق إلا إذا كانت المرأة متعلقة بأبلايتها بشكل كبير، أما إذا كانت الأبلاية غنية فإنها تشجع صاحبتها على الطلاق حتى أنها تعرض عليها ان تشتري لها منزلاً لتسكن فيه وتصبحان كأنهما متزوجتان. هناك سبب اًخر لتذمر الزوج وايصاله الأمور إلى الطلاق وهو ان تبدأ زوجته بالتبرم من واجباتها الزوجية وتعتريها البرودة بسبب علاقتها مع أبلايتها.

- هذا اسمه شذوذ.

- نعم شذوذ.

- وكيف كانت الخوجة بهيرة..؟ أين هي من هذا كله؟

- بهيرة كانت أبلاية، اي انها كانت قائدة في العلاقات وكانت حتى تبدل صاحباتها حين تمل منهن أو يطرأ أمر ما أو حين تلتقي بفتاة أجمل. فحين جاءت بديعة برفقة ذلك الرجل كانت بهيرة في أوج علاقة حميمة بالشقراء عازفة القانون التي اختطفتها من الخوجة سماح، وبكل برودة أهملتها بهيرة حين وقعت عينيها على حسن وجمال بديعة سكر نبات فعشقتها من النظرة الأولى مما اضطر الشقراء إلى الانسحاب.

كان موضوع بنات العشرة قد تشعب بسبب المعلومات الثمينة التي نقلها إلي. لهذا قررت، في تلك الجلسة، ان أتعمق فيه حالما أعود إلى حلب، وقررت ان أقابل بنفسي بعض النساء اللواتي عرف عنهن انهن منهن أو على الأقل ان أرسل زوجتي نادية لمقابلتهن ومن ثم لتنقل إلي أحاديثهن (معظم النساء يشعرن بالحرج من التكلم في هذه الأمور مع الرجال، للأسف الشديد، ولذلك فإنني أحذرك أيها القارئ بان معلوماتي قد تكون ناقصة وعليك ان تتابع الموضوع بنفسك أو عن طريق زوجتك إذا أردت الغوص فيه مثلي).

المهم.. أردت دفع الشيخ للعودة إلى قصتنا، فهو الوحيد الذي يعلمها، وهو يتعب بسرعة من القص، والزمن المتاح لي قصير، وهناك أيضاً الخادم الذي يتصرف بغموض وقد يتسبب في طردي فلا يتسنى لي سماع الحكاية حتى نهايتها، لذلك فقد قلت للشيخ:

- لقد تركنا وداد في عربة حنتور برفقة السائق الذي كان يتلصص إلى وجهها الجميل وبيدها مظروف كتب فيه عنوان الخوجة بهيرة.. ماذا حصل بعد ذلك؟

نظر إلي مطولاً وفي عينيه امتنان نحوي لأنني ذكرته بوداد (ما كانت علاقته بها؟) هز رأسه مراراً وهو يقبض على يديه ليمنعارتجافهما ثم راح يتكلم بصوته الهادئ والرخيم مستعيداً نبرة القص مبتعداً عن أسلوب الحوار الذي كنا قد استرسلنا فيه قبل قليل.

توقف العربنجي امام بيت ذي جدران عالية وفي واجهته كشك خشبي مسود فيه خمس نوافذ، ثلاث في واجهة الكشك واثنتان في طرفيه. اما الباب الخشبي للبيت فقد غطي بصاج معدني مثبت بمسامير ذات رؤوس كبيرة مثبتة بشكل هندسي أنيق. دفعت وداد لسائق العربة أجره ثم حملت حقيبتها ونزلت. كان ما يزال ينظر اليها تلك النظرة التي رماها بها طوال الطريق. كان الرجل يصلي على النبي في كل مرة فهو لم يصادف فتاة بهذا الجمال من قبل ثم تمنى على الله ان يحميها من الرجال الأشرار وساق عربته مبتعداً أما هي فقد وقفت هناك، امام البيت في تلك الحارة الهادئة من حي الفرافرة الراقي.

تملت واجهة المنزل. كانت هناك شجرة استطاعت ان تنمو وتتسلق جدار المنزل ثم أطلت على الشارع و راحت تنزل إلى الأسفل متشبثة بالجدار الحجري الخشن. فكرت وداد.. هل وقفت أمها بديعة يوماً مثلما تقف هي الآن؟ ماذا كانت تشعر؟ وداد الآن خائفة من المجهول، الذي سيفتح لها ليبتلعها إذا ما قرعت الباب الاسود اللامع. هل خافت أمها أيضاً؟ حزمت أمرها واقتربت منه ثم صعدت درجة صغيرة لتصل إلى المطرقة. هناك توقفت يدها بعد ان قبضت عليها. لقد أتاها من داخل المنزل صوت كمنجة. خمنت بان المنزل واسع جداً لأن صوت الكمنجة كان يأتيها من بعيد. هناك من يتدرب على أغنية أم كلثوم الجديدة "على بلد المحبوب". انها تعرفها آلة الكمنجة، فقد اعتاد بائع جوال ان يوقف عربته المليئة بشتى البضائع الصغيرة الملونة في ساحة القرية ويخرج كمنجته من قلب عربته ثم يشرع في العزف وهو يغني أغانيه الكردية الحزينة. كانت تذهب بصحبة عبدو السنكة للتفرج على المناديل النسائية الملونة. كانت تفرح لمجيء البائع الجوال لا لشيء إلا لتستمع الى عزفه والى أغانيه الحزينة، أما المناديل الملونة فهي تعرفها جيداً وكانت قد ملّتها من كثرة ما تفحصتها.

قرعت الباب بالمطرقة الحديدية المعلقة ثم خطت خطوة إلى الوراء وراحت تنتظر. توقفت الكمنجة. اسفت لذلك وشعرت بالذنب لأنها السبب في هذا الصمت. بعد ثوانٍ سمعت خطوات ثم انفرج الباب الذي أصدر أزيزاً عالياً بسبب وزنه الزائد. امرأة في العشرينات هي التي فتحت الباب. عندما شاهدت ان القادمة فتاة وسّعت فرجة الباب وهي تتساءل بتعابير وجهها بطريقة أنيسة. كانت المرأة هي التي كانت تتمرن على آلة الكمنجة. اسمها سعاد. كانت عادية الجمال جعّدت شعرها الذي يصل إلى كتفيها بواسطة الكوي الحراري وارتدت ثوباً خفيفاً يظهر جيدها وساعديها ويصل إلى ما تحت الركبة. سألت وهي تبتسم لهذه القروية التي تحمل حقيبة سفر قديمة بيد ومظروفاً باليد الأخرى، فقد كان منظرها مسلياً ولطيفاً:

- ماذا تريدين يا حلوة؟

- أريد الخوجة بهيرة.

- ماذا تريدين منها؟ ارتبكت وداد، ماذا يمكن ان تقول لهذه المرأة التي تسأل عن كل شيء؟ قالت وهي تشير إلى يدها التي تحمل المغلف:

- أريد ان أعطيها هذه الرسالة.

- رسالة؟ (يبدو ان سعاد كانت تتسلى، فقد أحبت الأخذ والعطاء مع القروية التي تزداد احراجاً عند كل سؤال اضافي) ممن الرسالة؟

- من أمي. هل الخوجة بهيرة هنا؟

عندها فتحت عازفة الكمنجة الباب جيداً ودعتها للدخول. كانت تراقبها حين تنهدت وداد براحة فقد كانت قد تعرقت بسبب أسئلتها. ارتقت الدرجتين اللتين كان البيت يعلو بهما الشارع ثم اجتازت المرأة صاحبة الاسئلة وتوقفت. أغلقت المرأة الباب ثم لمست وداد بيدها لتطمئنها وطلبت منها ان تلحقها ثم سارت في الدهليز الطويل حتى الحوش.

كان حوش المنزل عبارة عن مربع غير مسقوف تطل عليه نوافذ الغرف من الجهتين الغربية والشرقية وكان هناك درجان في الجهتين الأخريين يقودان إلى المربعات والأسطح بينما احتل ايوان كبير مفروش بعدد كبير من المقاعد والكنبات الجهة القبلية وكأن حفلة موسيقية تجري هناك كل يوم فقد كانت الكمنجة مركونة في احد المقاعد، أما وسط الحوش فقد احتلته بركة ماء بنافورة كانت حينها متوقفة والماء في حالة ركود تسبح فيه بعض الورود وأوراق الشجر التي تحيط بالحوض وقطعة من الموسلين.

قادتها سعاد إلى الايوان ثم طلبت منها ان تجلس وتنتظر. ابتسمت لها ثم لمستها برفق لتطمئنها ثم قالت:

- الخوجة بهيرة في الحمام.

هزت وداد رأسها ثم تابعت سعاد وهي تبتعد ثم تدخل احد الأبواب. وما إن أصبحت بمفردها حتى راحت تتفحص الحوش والنوافذ والاشجار بعينيها. كانت جالسة ورسالة أمها إلى الخوجة في حضنها وهي تعبث بالمغلف دون إرادة منها فقد كانت خائفة. ماذا لو تسلمت الخوجة الرسالة وقرأتها ثم طردتها؟ أين ستذهب في هذه المدينة التي لا تعرف فيها أحد؟ صعدت ببصرها نحو نوافذ المربعات العلوية وفجأة انتفضت، حتى انها سمعت نفسها تصرخ صرخة خافتة لم يسمعها أحد سواها. شاهدت امرأتين تقفان على احدى النوافذ وهما بالشلحة النسائية الداخلية تنظران اليها وهما تبتسمان (لماذا تبتسم لها كل ساكنات المنزل؟). كانتا ملتصقتين وتمسك كل منهما الأخرى من خصرها بينما تلاحمتا بالخدود. أبعدت وداد نظرها بسبب خوفها أولاً ثم بسبب خجلها ثانياً إلا أن فضولاً كبيراً دفعها إلى النظر من جديد ولكنها وجدت هذه المرة امرأة واحدة تنظر اليها وهي مستمرة بالتبسُّم بغنج ويدها ممدودة إلى الداخل ثم غابت لأن الثانية كانت تجرها بعيداً عن النافذة.

نظرت إلى الكمنجة المركونة على المقعد. تذكرت البائع الجوال الكردي وتذكرت أغانيه الحزينة. كل الأكراد حول ميدان اكبس يحبون آلة البذق بينما ذلك البائع يفضل العزف على الكمنجة.. أليس هذا غريباً؟ تذكرت أيضاً عبدو السنكة الذي تركته اليوم صباحاً يبكي لفراقها وهو ينط على رصيف المحطة. شعرت بالحنين اليه. كانت أيضاً حزينة بالاضافة إلى خوفها واستغرابها من هذا البيت المليء بالنساء.

فجأة انتشلها صوت قرقعة قبقاب خشبي فجفلت. كانت هناك امرأتان ملتفتان ببشاكير الحمام خارجتان من الباب الذي غابت به سعاد عازفة الكمنجة التي ما لبثت ان خرجت تلحق بالمرأتين. كانت النساء الثلاث ينظرن اليها، أما المرأة الأولى فقد كانت تشبه الرجال في كل شيء ولكنها كانت امرأة لأن وداد شاهدت البشكير ينفرج عن ثدييها الصغيرين.

وقفت وداد فقد عرفت انها الخوجة بهيرة. اقتربت منها الخوجة وهي تتفحص جمال وجه القروية التي تبدو وكأنها ملاك نزل من السماء. صعدت اليها في الايوان وهي مستمرة في تفحصها لا ترفع عينيها عنها حتى ان رفيقتها التي كانت تشاركها الحمام قبل قليل شعرت بغيرة من تصرف أبلايتها. غيرة لا تبدر إلا عن عاشقة كانت مطمئنة إلى انها محظية لمدى العمر حتى انها لم تقو على مراقبة خوجتها التي تقف امام القروية وكأنها مسحورة فنترت نفسها وأسرعت إلى احدى الغرف. قالت سعاد، المرأة المستترة بثوب عادي وكأنها تحاول ايقاظ بهيرة:

- تقول انها تحمل لك رسالة من أمها.

مدت وداد بالمغلف إلى بهيرة التي أمسكت به دون ان تنظر اليه، بل على العكس، فقد عرفت مضمون الرسالة ومرسلته وهي ما تزال تنظر إلى وداد. قالت:

- أنت ابنة بديعة؟

- نعم.

- اجلسي.

جلست وداد من جديد وجلست بهيرة امامها. لقد عرفتها من الشبه الكبير بأمها. انها لم تنسها، فلم تعشق بهيرة امرأة في حياتها كما عشقت بديعة، وعندما هربت منها عاشت سنين عديدة وهي تحلم بها وهي تعود إليها.. كانت صورتها ماثلة امام عينيها باستمرار. لقد كانت بديعة ألمها العظيم. تساءلت سعاد وقد اكتشفت سر جمال القروية وسر السحر الذي وقع على الخوجة:

- امها بديعة؟

استدارت اليها وداد وهزت برأسها. سمعت بهيرة تسألها:

- اين هي الآن؟

- لقد ماتت.. أعطتك عمرها. قالت ذلك وكأنها تطلب من الخوجة ألا تطرها. زفرت بهيرة ثم هزت رأسها أسفاً على عشيقتها. أطرقت حزناً فوجدت الرسالة بين يديها ففضتها وراحت تقرأ. نست نفسها فبان عريها لوداد التي أبعدت بصرها عنها فالتقت بعيني سعاد التي كانت تبتسم لها بحنان.

- هل أنت جائعة؟ فقالت وداد:

- أكلت في القطار من الزوادة.

- سوف أسخن لكِ.

تركتهما وذهبت إلى المطبخ. تابعتها وداد كي لا تعود للنظر إلى عورة بهيرة. لقد أحبت هذه المرأة. أحبتها منذ ان فتحت لها الباب. كانت وداد تحتاج إلى من يرأف بحالها ويبدو انهن لن يطردنها. اضطرت للعودة للنظر إلى الخوجة المعلمة. قالت وهي تطوي الرسالة ثم تطوي البشكير حول جسدها العاري:

- الله يرحمها.. هل تعرفين ماذا كتبت لي المرحومة؟ هزت وداد رأسها، فهي دائماً تعرف:

- أعرف يا ستي.

- تطلب مني ان استقبلك لتعيشي وتعملي معي.. ان أهتم بكِ. هل انت موافقة؟

- نعم موافقة، لا أعرف أحداً أذهب اليه.

- سوف تبقين.

حولت عينيها فشاهدت وداد المرأة رفيقة الخوجة في الحمام وقد ارتدت شلحة داخلية حمراء وتقف على باب الغرفة وهي تمشط شعرها الرطب. كانت تستمع إلى الحديث غير راضية عما يجري. في هذه اللحظة نهضت بهيرة واقتربت من وداد.

- أمك تقول ان أسمك وداد.

- نعم، اسمي وداد.

- اسم حلو..

رددت بهيرة اسم وداد ثم أمسكت بالمنديل الذي كانت وداد تعقده على رأسها وحلته ثم رفعته. راحت تتملى جمالها. مسحت على شعرها وتبسمت لها. نظرت وداد نحو المرأة بالشلحة الحمراء فوجدتها هناك تنظر بغيرة إلى ما يجري. انحنت بهيرة وقبلت وداد على خدها قبلة لا تشبه قبلات الأمهات.

- تعالي.. سوف أدلك أين ستنامين.

نهضت وداد وحملت حقيبتها ثم تبعت الخوجة. التقت أعين النساء الثلاث، ولكن بهيرة لم تكن تأبه لغيرة ذات الشلحة الحمراء.

* * * * *

ازدادت قوة انهمار المطر فأصبحت حباته تنقر زجاج النافذة بشكل غريب. كان الشيخ قد توقف ليأخذ نفساً فحسبت انه سيستريح فترة فنظرت إلى المطر المنهمر. كان المطر كثيفاً فتعذرت علي رؤية السهول الجرداء خلف سياج الحديقة الأمامية، فتذكرت زميلي الاستاذ تميم وسائق اللاندروفر وتمنيت ان يكونا قد أفلحا في طلب النجدة. لكن الشيخ ما لبث ان عاد إلى الحكاية، فقد كان متشوقاً لسرد القصة بقدر ما كنت أنا نفسي متشوقاً لسماعها. قال:

كانت بهيرة تحب ان تكون محاطة دوماً بأعضاء فرقتها ولذلك فقد اشترت ذلك البيت في حي الفرافرة لاتساعه بحيث تستطيع ان تسكن معها أكثر عدد ممكن من نساء فرقتها، فبالاضافة إلى سعاد عازفة الكمنجة كانت هناك عازفة الايقاع عائشة وعازفة القانون فريدة اللتان شاهدتهما وداد تطلان من نافذة المربع العلوي الذي اتخذتاه غرفة مشتركة لهما. كانتا متفاهمتين كثيراً حتى انهما كانتا تنامان في سرير واحد. كانتا عاشقتين والكل يعرف ذلك ولا أحد يتدخل في شؤونهما أو يحاول فصل احداهما عن الأخرى وباختصار كانتا هانئتين في حياتهما. أما ذات الشلحة الداخلية الحمراء فقد كانت راقصة الفرقة. كان اسمها راحيل (كانت يهودية ذات شعر أحمر) وكانت قد انضمت إلى فرقة بهيرة منذ ثلاثة أعوام بعد ان جاءت بها من احد مسارح المدينة، ويقال انها عشقتها حين رأتها ترقص فعرضت عليها ان تكون راقصة فرقتها وصاحبتها فوافقت ومنذ ذلك الوقت وراحيل تحتل غرفة بهيرة وسريرها وككل العاشقات كانت تشاركها حمامها أيضاً ولا تبتعد عنها على الاطلاق.. كانت ترضخ لقوانين الأبلاية الصارمة. أما آخر عضوات الفرقة فقد كانت بهية السمينة عازفة العود وكانت متزوجة وتعيش مع زوجها الذي كان في الماضي خادماً عند أهلها فتزوجته ورحلت معه إلى المدينة ويقال انه عمل قواداً لها حين اضطرت لبيع جسدها من أجل لقمة العيش حين ضاقت بهما الدنيا.

هذا هو الجو الذي جاءت اليه وداد. لقد صرع حسنها عقل بهيرة وقلبها وجعلها تدوخ، فالخوجة خبيرة في الجمال والعشق وهي سريعة التأثر. خافت عليها منذ اللحظة الأولى فمنعتها من ان تشارك إحداهن في غرفتها. أرادتها ان تستقل في غرفة لوحدها، وحبذا لو كانت إلى جانب غرفة بهيرة فاضطرت سعاد إلى الانتقال إلى غرفة المربع الأخرى كي تحتل وداد غرفتها.

مجيء وداد أزعج راحيل. جعلها تموت من القهر والغيرة، فقد لاحظت مدى اهتمام بهيرة بالقادمة الجديدة وكيف انها لا ترفع عينيها عنها وتهتم بكل صغيرة وكبيرة تخصها. انها تعرف أبلايتها بهيرة جيداً فعندما جاءت بها من المسارح كانت تهتم بها بنفس الطريقة. كانت بهيرة حينها تصاحب امرأة لا تحسن فعل شيء غير الحب. لم تكن موسيقية أو مغنية أو راقصة. كل ما هنالك انها كانت جميلة ومربربة. كانت ممتلئة نوعاً ما ذات بشرة مائلة إلى السمرة ولكنها كانت دلّوعة ومغناجاً ولولا هاتان الصفتان لاستغرب الناس حب الخوجة بهيرة لها. كانت تحبب الناس بها بوساطة غنجها ودلعها. كانت لها صفة أخرى، فقد كانت تجيد اللعب بصوتها وتجعل كل من يحيط بها يطرب حين تتكلم. كانت تخاصم بهيرة كثيراً وكانت تحسب ان ذلك يزيد أبلايتها تعلقاً بها ولكن بهيرة ملتها آخر الأمر وراحت تساوم راحيل على الانتقال إلى فرقتها وكان أهم بند في الاتفاق هو ان تصبح عشيقتها. نعم، فقد كان ذلك جزءاً من الاتفاق ولا أريد أن يستغرب أحد ذلك (والكلام للشيخ) فقد قامت بهيرة بعقد مثل هذه الاتفاقات عدة مرات خلال حياتها. وعندما انتقلت راحيل إلى بيت الفرافرة لم تكن المرأة الدلّوعة والمغناج قد تركت البيت بعد، ولم يكن من عادة الخوجة بهيرة طرد عشيقاتها حين تقرر استبدالهن بل تقوم بالانتقال من واحدة إلى أخرى تحت سمع الجميع وبصرهم. كل ما هنالك انها اعتادت ان تنقل اهتمامها من القديمة إلى الجديدة رغم ان القديمة ما تزال تشاركها غرفتها وحمامها وسريرها. لقد جعلت راحيل تسكن الغرفة التي تتشاركان الآن في العيش فيها بينما كانت الدلّوعة تسكن الغرفة التي احتلتها وداد، وعندما حان الوقت انتقلت بهيرة من هذه الغرفة إلى تلك تاركة الدلّوعة تنام بمفردها وكأن شيئاً لم يكن. وحتى يحين موعد الانتقال كانت تنقل اهتمامها بالتدريج من هذه إلى تلك حفاظاً على المودة القديمة كما اعتادت ان تقول. وفي معظم الأحيان تشعر القديمة بأنها ستهجر فتبدأ بالمقاومة وبالبكاء بفعل الغيرة والخوف من الهجران، وحين تتعارك القديمة مع الجديدة تقف بهيرة مع الجديدة ويحدث الطلاق.

كانت راحيل تعرف كل ذلك بالتفصيل حين جاءت وداد فقد كان قد حصل لها نفس الشيء لأنها كانت قد حلت محل امرأة قديمة. كان عليها الآن ان تتحول إلى قديمة بعد ان كانت جديدة ومحبوبة. جافاها النوم وأصبحت قلقة باستمرار فقد ازدادت حساسيتها وصارت لها عادة جديدة وهي التلصص على وداد وبهيرة حين تقوم هذه الأخيرة بالاعتناء بها. أصبحت بهيرة تسهر حتى الصباح في غرفة وداد. كانت تجلس الى جوارها وهي تحدثها عن أمها بديعة، فقد كانت الأم قاسماً مشتركاً بين المرأتين. أما راحيل فقد أصبحت تكره الليالي وخصوصاً حين كان عليهن المكوث في البيت بسبب عدم ارتباط الفرقة. كانت تجد نفسها وهي تخرج من غرفتها لتتلصص على أبلايتها من خلال النافذة المطلة على الحوش. كانت تراها كيف تحادث وداد أو تستمع اليها تصف حياتها هي وأمها في ميدان اكبس، ولا تمر دقائق إلا وتمد بهيرة يدها لتلمس وداد البريئة أو لتمسح دمعة عن خدها أو حين تتجرأ بهيرة أكثر فتحضن وداد وتقبلها محاولة ان تزيل حالة الحزن على الأم المتوفاة. وعندما كانت بهيرة تعود إلى غرفتها كانت راحيل تتقرب اليها وتجعلها لا تشعر بغيرتها وقهرها. كانت راحيل ذكية، وبذكائها وصبرها أخرت كثيراً انتقال بهيرة من غرفتها إلى غرفة وداد. حتى انها راحت تهتم بوداد أمام عيني بهيرة.

كانت المهمة آنذاك هي اعادة صنع وداد من قروية جميلة إلى امرأة مرحب بها في مجتمع حلب المخملي. كانت قد ورثت عن أمها أموراً كثيرة تجعل هذه المهمة غير مستحيلة. كان عليهن ان يجرين بعض التغييرات على هيئة وداد. قص الشعر وتجعيده، نتف الحواجب واعادة رسمها، وازالة الشعر عن الساعدين والساقين بالعقيدة (معجون السكر) ثم انتقاء الاقمشة وموديلات الأثواب التي تلائم قامة وداد الممشوقة وقلة امتلاء جسدها الجميل والمناسب. كانت بهيرة تقوم بكل ذلك بمساعدة سعاد التي عرضت صداقتها على وداد منذ اللحظة الأولى لدخولها إلى البيت. لم تكن سعاد لتخيف بهيرة فقد كانت امرأة صادقة وودودة ولها اهتمامات بعيدة عن النساء، فهي تنتظر فارس أحلامها ولا تنتظر فرساً أنثى مثل بهيرة. لهذا السبب كانت الخوجة تطلب من سعاد مساعدتها في قضايا تخص جسد وداد دون خوف من ان تنافسها عليه في المستقبل. ولكن راحيل راحت تفرض نفسها حين تتم العناية بوداد. كانت تخترق الحواجز وتفتح الأبواب عليهن لتشارك في نتف الشعر أو انتقاء ملابس داخلية. كانت تعطي رأيها بواقعية ودون وقاحة بشكل يكون ملائماً لبهيرة ومزاجها العشروي. حينها تصمت الأبلاية على تدخلها واقتحامها الأبواب المغلقة ولا تقوم بطردها.

هناك شيء استفادت منه راحيل لتؤخر رحلة انتقال بهيرة من سريرها إلى سرير وداد. فلم تكن بديعة قد علمت ابنتها أي شيء يتعلق بمهنتهن. فلم تكن تعرف الرقص ولا العزف على الآلات الموسيقية ولم يكن صوتها جميلاً لتغني. لم تكن وداد سوى قطعة نفيسة، أو دمية يشتهي أي انسان ضمها. لم يستطعن ان يصنعن منها سوى امرأة خارقة الجمال، رقيقة، خجولة وذات نفس طيب وريق عذب. كانت متعة للنظر حين تجلس وأكثر من ذلك حين تسير أو تتحرك أو تتلفت وحين تضحك فيحمر وجهها بشكل خفيف محبب. ولكن الخوجة بحاجة إلى راقصة، وراحيل هي راقصتها التي تخرج الآهات من أفواه الرجال والنساء حين ترقص حتى عدت أفضل راقصة بين فرق الخوجات في المدينة. لذلك كان على بهيرة ان تصبر حتى تجد البديلة لأن راحيل لن ترضى ان تبقى في الفرقة إذا ما هجرت سريرها.

في الليالي التي لم يكنّ على ارتباط في عمل أو عرس أو حفلة في أحد البيوت، كنّ يجتمعن في الايوان ليعزفن ويغنين أحب الألحان إلى قلوبهن مثل دور "الحب ماهوش بالسهل" و "كادني الهوى وصبحت عليل" ويختمن سهراتهن ببعض الطقاطيق مثل "أنا السبب في اللي جرى" و "آه ياحليوه يامسليني". كانت سعاد تلقي النكات فيضحكن ويراقبن وداد كيف تضحك (مجرد مراقبتها وهي تضحك لذة للجميع) كانت سعاد تجيد تقليد النساء والرجال بشكل يثير الضحك، وعندما يجتمعن كانت تقلد حالة العشق المضحكة بين عائشة وفريدة، فقد كانتا لا تنفكان عن بعضهما بعضاً، وكانتا تتلامسان حتى أمام وداد التي أصبحت تجد في ذلك أمراً طبيعياً (وهذا ما كانت تتمناه بهيرة من كل قلبها). كانت وداد تضحك من كل قلبها وهي ترى إلى سعاد كيف تقلد فريدة وهي تقرص خد عائشة أو حين تتخاصمان. كانت تقلد كل واحدة وهي تعمل. تقلد بهيرة وهي تغني أو راحيل وهي ترقص وتقلد عائشة حين تدق على الدربكة أو عازفة العود السمينة وكيف تنام بين ذراعي زوجها القواد التي اعتادت ان تشرح لهن ذلك بنفسها دون حرج فيغشين من الضحك.

في كل مرة، كانت راحيل تنهض لترقص بناءً على إلحاحهن. كانت وداد تحب رقصها فلا ترفع عينيها عنها. كانت تجدها العجب العجاب فلم تكن قد شاهدت امرأة ترقص بهذه الحرفية والفن من قبل فأصبحت تطلب منها ذلك بنفسها. وحين لا يكون مزاجها رائقاً فترفض الرقص، كانت وداد تحزن وتستاء. هذا الأمر ترك عند راحيل أثراً طيباً. أصبحت تخصها برقصات معينة فتميل عليها وتتمايل امامها وتطلبها لتشارك في الرقص. كانت تفعل ذلك لأنها أحبتها فعلاً، وما غيرتها إلا مظهر من مظاهر عدم الاستسلام إلى الاهمال من قبل بهيرة، وإن هجرتها أبلايتها يوماً بسبب وداد فإنها لن تكرهها، بل ستكره الخوجة التي لا تشبع.

وفي احدى المرات كانت بهيرة جالسة وقد التصقت بوداد. التصقت بها على طريقة عائشة وفريدة ولكن بشكل يوحي وكأنه عفوي. كانت راحيل تراقب أبلايتها بطرف عينها بهدوء ولكنها كانت تحترق في داخلها. كانت منزعجة ولكنها تعلمت كيف تخفي استياءها وغيرتها. نهضت وطلبت من عائشة وفريدة وسعاد ان يعزفن لها لترقص. أرادت ان تفهم أبلايتها انها لن تستطيع التخلي عنها بسهولة.. أرادت أن تثبت لبهيرة أن أي عشق آخر تنساق إليه هو تفاهة بالمقارنة مع عشقها.

عزفت النساء لحناً راقصاً لداوود حسني وراحت وداد تصفق مع الايقاع. نهضت راحيل ثم وقفت أمامهن منفرجة الساقين، بعينين مثبتتين نحو بهيرة وراحت ترقص لها رقصة النحلة.

- رقصة النحلة..؟ سألتُ الشيخ باستغراب فأنا لم أكن قد سمعت بهذه الرقصة من قبل فقال الشيخ:

- نعم، رقصة النحلة.. انها رقصة فاجرة غير مستحبة.

- وهل كانت ترقصها راحيل باستمرار لأبلايتها بهيرة؟

- كلا، كانت المرة الأولى التي ترقصها راحيل في بيت بهيرة. حتى ان الخوجة تفاجأت حين بدأت راحيل رقصتها. المهم هو انها كانت تسدد نظراتها نحو بهيرة وهذه الأخيرة كانت مأخوذة بما كانت صاحبتها القديمة تقوم به.

- هذا شيء مشوق.

- نعم، اسمعني أشرح لك كيف جرى الأمر وما نتج عنه.

- تفضل.

كانت راحيل تمثل وكأن نحلة قد دخلت في ثيابها وهي تسعى للبحث عنها وقتلها. كانت تتوجع بسبب قرصات النحلة، وهي اذ تفعل ذلك فانها تتوجه بكليتها نحو بهيرة. وبهيرة صامتة ومستثارة تتابع ما كانت تفعله راحيل. وفجأة بدأت راحيل تخلع ثيابها قطعة قطعة لتبحث عن النحلة الوهمية. كانت تتأوه وكأنها تتألم من القرص، تتلفظ بكلمة النحلة باحثة عنها بين ثنايا كل قطعة من ثيابها ثم تضطر لخلع تلك القطعة حتى تتمكن من التقاط النحلة. كل ذلك وعيون النساء تتابعها بمتعة، وخصوصاً بهيرة وعائشة وفريدة. أما وداد فقد كانت تتابعها متعجبة من قدرة راحيل على التلوي والتمثيل. كانت تحسب ان ما يجري أمر عادي هنا في بيت الخوجة بهيرة. أمر يتكرر يومياً. وما هي إلا لحظات حتى أصبحت راحيل عارية إلا من لباسها الداخلي المصنوع من الدانتيلا. ولكن النحلة قد تختبئ هناك أيضاً فراحت تبحث عنها في ثنايا لباسها وهي تتلوى على الأرض، وعندما قررت نهائياً ان تخلع آخر قطعة تسترها نهضت بهيرة وأمسكت بها وجرتها بعنف إلى غرفتها.

حصل ذلك وسط دهشة النساء. توقفن عن العزف وبسبب هذا الصمت وصل إلى أسماعهن أنين راحيل التي كانت تبكي بينما كانت بهيرة تكلمها بقسوة. لاحظت سعاد قلق وداد بسبب ما يجري في غرفة المرأتين فتابعت العزف على كمنجتها فلحقت بها عائشة ثم فريدة ثم نهضت سعاد وأمسكت بيد وداد تدعوها للرقص. نهضت وداد، وبما انها لم تكن خبيرة بالرقص فقد قررت ان لا ترقص كي لا تخجل امام أعين النساء الخبيرات. قررت ان تتحرك حسب الايقاع فحسب. مدت يداً وراحت تتحرك بخطوات قصيرة وفق نقرات الدربكة. ثم راحت تريح يداً وتمد الأخرى، وتخطو تارة إلى الأمام وتارة إلى الخلف، مطرقة إلى الأرض بخجل، محمرة الوجه، مبتسمة بأناقة. هذا ليس رقصاً برأيها ولكنها كانت حلوة كسكر نبات. تأخذ العقل. تعلمت حركة جديدة وهي ان تلمس صدغها باصابعها بينما تمسك عكس يدها باليد الأخرى وتتحرك جانبياً. كن يشجعنها بمرح فقد كانت تفعل كل ذلك دون تخطيط، بل بغريزة أنثوية ناعمة. وفجأة شد انتباهها شيء ما، هناك بالقرب من مدخل غرفة بهيرة. كانت بهيرة وراحيل واقفتين هناك تراقبانها بينما كانت راحيل قد لفت نفسها بشرشف أبيض والتصقت ببهيرة التي كانت تحضنها بيدها. كان يبدو على راحيل انها بكت بحرقة. خجلت وداد فجلست ثم أخفت وجهها بيديها.

* * * * *

رقصت راحيل رقصة الوداع، فقد كانت قد قررت الرحيل. أرادت برقصة النحلة ان تثبت جدارة منقطعة النظير وان تترك بهيرة وهي في حالة هيام شديد. ظلتا متعانقتين طوال الليل. لم يغمض لهما جفن. كانت راحيل تبكي بينما كانت بهيرة تحضنها وقد عاد اليها ولعها العشقي بصاحبتها التي بسبب وصول وداد افتقدت ذاك الولع. كانتا تتحدثان همساً فقد كانت الأفواه والآذان شديدة القرب.

- ابقي يا راحيل فانا بحاجة إليك.. انت راقصتي وحبيبتي.

- بل سأرحل.. أعرف ما سيحصل لي ولهذا فسأرحل عند الصباح.

- لن يحصل أي شيء، فأنت تتوهمين.. أنا أحبك.

- ستحبين وداد، يجب علي ان أفسح لها المكان طواعية.. أنا لا أحب ان أهجر بعد أن أصبح الحبيبة العتيقة التي مضى زمانها. وأنا أيضاً أحبك يا بهيرة ولكنني أعرف ما سيحصل لي لذلك اتركيني أرحل.

- اكتشفت هذه الليلة انني أحبك يا راحيل، فأنا لم أحب وداد بعد.

- اكتشفتِ..؟ هذا لأنني رقصت لك رقصة النحلة، هل تعلمين لماذا رقصتها؟.. لأنني راقبتك جالسة إلى جانب وداد وملتصقة بها. بدأتِ تحبينها.. شعورك هذا مؤقت فأنا لا أستطيع ان أرقص لك النحلة كل يوم.

- كنت رائعة يا راحيل ولكن لم يكن من المناسب ان ترقصي هكذا امام وداد.. انها لا تفهم شيئاً بعد.

- أعرف، ووداد كانت رائعة في هذا الشيء الذي راقبناها وهي تفعله.. ألم تكن رائعة؟

- لن أتكلم.

- هل تعلمين ان وداد كانت ترقص؟.. رقصها يسلب اللب يا أبلايتي، اجعليها تستمر في رقصها بهذه الطريقة وسترين كيف سيعشقها الناس.

- الناس لن يحبوا هذه الطريقة في الرقص، انه اللارقص.. كانت تتحرك فحسب.. النساء يحبونك انتِ.

- انت مخطئة، أو تقولين ذلك كي ترضيني وتهدئيني. ما هو الرقص يا أبلايتي؟ انه ليونة الجسد، حركات عفوية، انه الرقص من أجل الرقص.. الرقص الجيد يابهيرة غريزي الطابع، فالراقصة تنسى الناس وترقص لنفسها وهذا ما كانت تفعله وداد قبل قليل. انت تعرفين جيداً ماذا يقولون.. الغزالة تغزل على عود.. الراقصة الجيدة هي التي لا تعرف انها ترقص.

صمتت بهيرة. كانت تعرف صحة كل ما كانت تقوله راحيل. لقد أعادت اشعال نار كادت ان تنطفئ في أحشاء بهيرة. كانت تقترب من عشق وداد ولكن راحيل ضربت ضربتها فجعلتها تحتار ماذا تفعل. انها تتمنى الآن ان تمتلك الاثنتين رغم معرفتها جيداً ان ذلك مستحيل. سمعت راحيل تكرر وهي تدفن وجهها تحت اذن بهيرة:

- سوف أرحل غداً.

في الصباح دخلت راحيل إلى وداد لتودعها. وقفت أمام تلك الإنسانة البريئة التي لا تعرف جيداً كيف تسير الأشياء. كانت وداد مرتبكة، تعبث بأصابعها كأنها طفل صغير. سألتها وداد:

- لماذا ترحلين.. فأنا بدأت أحبكِ، بدأت أحبكن جميعاً.

- يجب علي، وأنا أيضاً بدأت أحبكِ.

- إذن لماذا عليك ان ترحلي، ابقي أرجوكِ، سوف نستمر في سهراتنا. لقد أحببت رقصك البارحة.

ابتسمت لها راحيل، انها لا تعرف ما يجري. اقتربت منها وقبلتها. همست لها:

- انسي ما حصل البارحة.

- كنت أريدك ان تعلميني الرقص.. ليست بالضرورة تلك الرقصة..

- ارقصي كما يحلو لك، راقبتك فأحببتك، تابعي على نفس المنوال. سوف يحبونك الناس. إلى اللقاء.

خرجت راحيل من البيت. وقفت النساء يودعنها، بينما فضلت بهيرة ان تظل في غرفتها. مع ذلك شعرت براحة لأنها تحررت منها، فقد كانت تستعد لمغامرة جديدة ستكون وداد بطلتها.

* * * * *

جلسنا إلى مائدة الغداء الساعة الثالثة والنصف فقد كانت للشيخ عادات أكابر حلب في النوم حتى وقت متأخر. أي انه يفطر في الحادية عشرة والربع ويتناول طعام الغداء متأخراً بينما يكتفي بكأس من الحليب الساخن في العاشرة مساءً في حين يأوي إلى فراشه في الثالثة بعد منتصف الليل. وبما أنني اضطررت للسهر الليلة الماضية استمع إلى الشيخ يسرد علي بداية الحكاية، فقد اضطررت لمسايرته في مواعيد نومه واستيقاظه وتناوله الطعام. ولم أجد في ذلك أدنى صعوبة، وانا الذي اعتدت على الاستيقاظ مبكراً بحكم عملي في المصرف الزراعي لأنني كنت مرهقاً واضطررت للنوم حتى الظهيرة كي استرد قوتي التي فقدتها في أحداث ليلة أول أمس الفظيعة. لقد وجدت نفسي أحمد الله لأنني لم أمرض بعد أن غسلتني الأمطار وأظن ان السبب في ذلك هو انشغالي بالحكاية في حين انني في العادة أصاب بالزكام إن أنا لم أجفف شعري بعد الاستحمام.. أليس ذلك غريباً؟

أعود إلى الفيلا حيث كنا أنا والشيخ جالسين إلى مائدة الغداء ننتظر الخادم كي يقدم لنا الطعام. كان الشيخ صامتاً كعادته عندما يتوقف عن سرد الحكاية، وكنت في هذه الأوقات أحترم صمته فأصمت بدوري. كان المطر يهطل بغزارة في الخارج وكانت غرفة الطعام الملحقة بالصالون مدفأة جيداً، فقد كانت الحرارة المنبعثة من مدفأة الحطب في الصالون تصل الينا. كان الخادم (وقد عرفت قبل قليل انه يدعى اسماعيل) قد جهز المائدة بطبقتين من الصحون الصينية المزهرة وبثلاثة أزواج من الملاعق والشوك والسكاكين حسب الطريقة الأوروبية لتناول عدة أصناف من الأطعمة والشوربة والحلويات. واليوم اكتشفت انه يفضل ان يجلس الشيخ (وضيوفه) إلى المائدة الفارغة إلا من الأدوات وفوط الطعام ثم يقوم بتقديم الأطعمة حسب الترتيب مما يستدعي ذهابه إلى المطبخ وإيابه منه.

عندما دخل أول مرة ليقدم الشوربة (وكانت بالمناسبة شوربة الخضار بدون دسم) رمقني بنظرة لم أرتح لها ثم سكب لي حصتي وهو يقف فوق رأسي ثم انتقل إلى خلف كرسي الشيخ فسكب له وأثنائها رمقني مرة أخرى ثم خرج. تناولت الشوربة وأنا مرتاح وغير خائف دون أن تؤثر في تلك النظرات غير المريحة التي يطالعني بها اسماعيل، ثم تناولنا شيئاً من سلطة الموسم. ولكنني توجست عندما قدم لنا الطبق الرئيسي، ففي حين قدم لي شريحة لحم محمرة ومطفأة بالحمض والثوم قدم للشيخ طبقاً من الخضار المسلوقة.

لقد بدأت أخاف هذا الخادم وأصبحت أكثر حرصاً على تفحص ما يقدمه لي من أطعمة وشراب. كنت لا آبه لما آكل أو أشرب إن قدم لي من نفس الصنف الذي يقدمه لسيده الشيخ، ولكن ان يقدم لي طعاماً محضراً خصيصاً لي فهذا شيء يستحق التوقف من أجله والتفكير فيه فأنا (واقولها للمرة العاشرة) لم أكن مرتاحاً إليه وأشعر أنه يكرهني ويريد ان يؤذيني أو على الأقل ان يطردني دون أن أفهم دوافعه لذلك. ظللت أحدق في شريحة اللحم دون أن ألمسها بينما كان الشيخ يتناول خضاره المسلوقة بتأنٍ مغالباً الآلام التي يسببها له طقم أسنانه الصناعية. وعندما دخل اسماعيل يحمل أطباق الكريم كراميل كحلويات، ويبدو ان سيده كان يفضلها بسبب آلام لثته، لاحظت كيف تفاجأ لأنني لم أتناول الشريحة ولاحظت أيضاً انه استاء بسبب ذلك. كان يود لو أنني التهمت شريحة اللحم. هذا معناه ان هناك احتمالاً كبيراً ان يكون قد دس فيها شيئاً ليجعل مكوثي في الفيلا أقصر ما يمكن، مع هذا فقد التقط الطبق وأبعده ثم وضع مكانه طبق الكراميل دون أن ينبس بأي تساؤل. التهمت الحلويات ثم قشرت برتقالة وحين انتهيت منها حمدت الله وشكرت الشيخ ونهضت إلى المغسلة.

تركت الماء يسيل على يدي مدة أطول من المعتاد ثم نشفتهما وتأملت وجهي في المرآة ثم ابتعدت عنها لأصطدم باسماعيل. لم يكن يحمل أطباقاً من المائدة ولم يكن خارجاً من المطبخ لأن المغسلة في الجانب الآخر من الفيلا. كان ببساطة، يتجسس علي. ظللنا متواجهين لثوان أزفر في وجهه وهو يزفر في وجهي. كنت أسعى إلى اخفاء اضطرابي وخوفي بينما كان يظهر وقاحة في ثوبمن الأناقة والترفع المعروفين عند خدم قصور الأمراء. لاحظت أيضاً انه يميل إلى السخرية مني وبالتحديد إلى إخافتي. اضطررت للتراجع خطوة إلى الوراء ثم إلى اليمين كي اتابع طريقي باتجاه الصالون لأجلس في مكاني بجانب المدفأة، إلا أنه مد يده يمنعني فنظرت إليه باندهاش فوجدته يسدد نحوي نظرة غير مريحة فيها الكثير من القسوة والسادية. وجدت نفسي أسأل:

- عفواً..؟ فقال بشكل أبقى فيه فمه مطبقاً:

- انت لم تأكل شريحة اللحم. قلت له إنني لست على ما يرام، ثم حررت نفسي وتابعت طريقي بينما كنت أحس أنه بقي واقفاً ينظر إلى ظهري وانا أبتعد.

أسقطت نفسي على مقعدي بجانب المدفأة وأنا ألهث. خفت ان يتبعني إلى هنا قبل ان يأتي الشيخ ولكن مضت دقائق خمس وانا مرتبك وخائف دون أن يأتي بل جاء الشيخ فنهضت لأساعده على الجلوس فشكرني ثم قال:

- سوف نشرب الشاي ثم نصعد للقيلولة وبعدها سنتابع قصتنا. قلت له إنني بحاجة إلى القيلولة أنا أيضاً فهز رأسه ثم صمت، ليدخل الخادم بعد ثوانٍ حاملاً صينية الشاي بعدة من الصيني الفاخر. صب الشاي (طلبت منه ألا يضيف السكر إلى فنجاني) ثم ناول كلاً منا فنجانه وخرج دون أن تلتقي عينانا.. شربنا فنجانينا بصمت بينما ظل المطر يهطل بغزارة في الخارج.

صعدت إلى غرفتي وجلست خلف النافذة أطل من علٍ على الحقول الجرداء التي تغسلها الأمطار. كان أقصى ما يمكنني مشاهدته لا يزيد عن ستين متراً من سياج الحديقة الخلفية. لقد رفضت الاستلقاء في السرير رغم كل المغريات التي يقدمها سرير دافئ في غرفة وسط عالم مبلل بالامطار. كان علي ان أفكر بتصرفات الخادم فقد خططت للتفكير في موضوعه مسبقاً. ماذا يريد اسماعيل؟ هل يرغب في رحيلي؟ لو لم يكن يريدني لكان حاول طردي منذ اللحظة الأولى التي وجدني فيها أمام باب الفيلا وقد ساقتني اليه الكلاب البرية المتوحشة. في الساعة الأولى من دخولي للفيلا شعرت بأنه انسان ودود، حتى إنه جهز لي غرفتي وبدل الشراشف ودفأها وترك لي عدة حلاقة جديدة. ماذا حصل ليتبدل إلى انسان يكرهني ويتجسس علي وربما يحاول أذيتي إن لم يكن يحاول قتلي؟

- ماذا يريد هذا الملعون؟ سمعت نفسي أهمس بصوت مسموع، ثم تساءلت بصوت غير مسموع.. هل دخل الى غرفتي أثناء نومي ليلة أمس؟ أما إذا دخل فعلاً، فكيف دخل وقد قمت بتثبيت قفل الباب وتأكدت من رتاج النافذة؟ ثم ماذا كان يفعل في غرفتي وأنا نائم؟ هل حمل معه سكين؟أو مسدس؟.. أسئلة كثيرة لم أجد جواباً على واحد منها.

فجأة خطر في بالي ان الأمر يتعلق بالحكاية التي يسردها علي الشيخ، فقد تغير موقفه مني بعد أن استأنس لي الشيخ الجليل وراح يحكي لي القصة.. إذن لقد توضح الأمر لذهني المرتبك. لاسماعيل علاقة ما بالحكاية التي يحكيها لي الشيخ، وانا حتى الآن لا أعرف موقعه من الحكاية ولا علاقته بوداد أو بالخوجة بهيرة، فعلي ان أتابع القصة حتى أفهم علاقة الشيخ بكل الحكاية ومن ثم لأعرف علاقة اسماعيل بالحكاية وبالشيخ معاً. ولكن لماذا يحاول اسماعيل منعي من متابعة القصة؟ ماذا سأكتشف في النهاية؟ قررت ان أصارع من أجل البقاء والاستماع، فالقضية ليست حكاية فحسب، بل هي أكثر من ذلك، إنها كشف للمجهول. في هذه اللحظة لفت انتباهي طيف انسان يسير خارج سور الحديقة تحت وابل المطر دون مظلة. نهضت مسرعاً ومسحت الغبش عن زجاج النافذة ثم قربت وجهي ورحت أنظر. كان الرجل يركض فغاب بسرعة عن ناظري قبل ان أتأكد إن كان هو الخادم اسماعيل أم غيره. ماذا كان يفعل اسماعيل تحت المطر ؟ ابتعدت عن النافذة وكدت أجلس من جديد ولكنني فضلت ان استلقي في السرير. خلعت حذائي وأرحت رأسي على المخدة. شعرت بلذة فائقة فأغمضت عيني، فقد كانت نعمة عظيمة أن أحظى بأغطية نظيفة وغرفة دافئة، في هذا الطقس الماطر إلى حد الغرق، رغم قلقي الشديد من تصرفات اسماعيل.

* * * * *

قال الشيخ بعد القيلولة:

لم تكن الخوجة بهيرة تقبل ان تذهب وداد معهن إلى حفلات الأعراس التي تمتد عادة حتى الساعات الأولى من الصباح. كانت تردد ان الوقت لم يحن بعد لتخرج الفتاة إلى النور وتتعرف عليها نساء المجتمع. وبسبب خوفها من البقاء وحدها في بيت الفرافرة فقد جاءت لها بخادمة اسمها فاطمة لتستأنس بها حين تكون بهيرة والأخريات خارج البيت. كانت فاطمة قد تجاوزت الخامسة والأربعين بقليل، وكانت أرمنية أضاعت عائلتها أثناء الهرب الفظيع من المذابح في الحرب العامة، فوصلت إلى حلب مع مجموعة من الفتيات الصغيرات كانت تبدو وكأنها أمهن(كانت في الخامسة والثلاثين)، وبعد ان تقاسم بعض التجار الفتيات حيث قاموا بتبنيهن، كانت من نصيب بائع خردة الذي عرض ان يتزوجها على امرأته. كان لها أسم صعب وغير مفهوم فسماها بائع الخردة فاطمة، على أسم أمه المتوفاة، وتركها تعيش في البيت في غرفة صغيرة كانت في الماضي مستودعاً لخردوات التاجر. كان يدافع عنها من بطش زوجته التي كانت تعتبرها خادمة لها ولأبنائها. ومن سوء حظ فاطمة فقد مات التاجر وتركها تحت رحمة زوجته فكانت تضربها كل يوم حتى جعلتها تطفش من البيت، وبكل بساطة حملت بقجة حزمت فيها بعض الثياب المهلهلة وبعض الأطعمة ثم فتحت الباب وخرجت لتتحول إلى خادمة محترفة في بيوت الأثرياء. ويبدو ان الحظ بدأ يبتسم لها حين خدمت في بيت احدى الخوجات المرحات فعاشت في جو من المرح والرقص والغناء فتعرفت على معظم خوجات المدينة وعلى الكثيرات من زوجات الوجهاء. كانت تترك بيت مخدومتها حين تهان أو توجه إليها كلمة فظة أو يكفي ان يأتيها عرض أفضل لتنتقل إلى بيت آخر كما حصل لها حين طلبت منها بهيرة ان تأتي لتخدم في بيتها فوافقت على الفور رغم انها لم تكن على خلاف مع السيدة التي كانت تخدم عندها.

لم تكن فاطمة تتقن اللغة العربية مع ذلك كانت تفهم جيداً ما كان يطلب منها. كانت تتحدث بلغة خاصة بها، خليط من العربية والأرمنية والتركية والكردية وهذا ما كان يضحك وداد. كانت تمضي النهار كله في الكنس والمسح والغسيل. كانت أيضاً تشتري الأطعمة من السوق القريب وتقشر الخضار وتطبخها، وبما أنها جاءت إلى بيت بهيرة بسبب وداد فقد وجدت أن عليها ان تعتني بالفتاة أكثر من أي شخص آخر. لقد أخذتها على عاتقها، حتى أنها كانت ترفض خدمة النساء الأخريات بينما كانت تهرع لخدمة وداد في أي أمر تطلبه. كان هذا مدعاة استنكار من قبل سعاد وفريدة وعائشة. كن يجدنها ظريفة رغم رفضها القيام بخدمتهن، أما عندما ترحل النساء لإحياء حفل زواج أو خطوبة أو أية مناسبة مهما كانت، فقد كانت فاطمة تتفرغ لوداد ولا تبتعد عنها مهما كانت الأسباب. كانتا تجلسان بجانب احدى نوافذ الكشك الخشبي المطلة على الشارع بعد ان تكون فاطمة قد ملحت كمية من بزر البطيخ فتقضمانها وهي تقص على وداد قصصاً وحكايات غريبة، بينما تراقبان الناس الذين يمرون في الشارع الذي يضيئه مصباح من الكيروسين كانت البلدية قد علقته على خشبة خاصة امام باب الدار. أما الأغرب من ذلك فهو فهم وداد لهذه الحكايات التي كانت فاطمة تحكيها بخليطها اللغوي العجيب. وبالفعل فقد كانت وداد تفهم الحكايات بتفاصيلها حتى أنها أصبحت مدمنة عليها وكانت تتمنى ان تخرج بهيرة وصاحباتها من البيت لإحياء حفلاتهن كي تنفرد بفاطمة التي لا يحلو لها ان تحكي حكاياتها إلا عندما تصبحان بمفردهما.

كانت فاطمة تختلق تلك الحكايات من أجل وداد. كانت تحسب ان الفتاة تخاف من الظلام أو من الوحدة فتسعى لتسليتها وان الخوجة بهيرة قد جاءت بها لهذا السبب. أجمل تلك القصص كانت عن شاب تعارك يوماً مع ابن القائم مقام فجرحه جرحاً بليغاً ولكنه لم يمت فاضطر الشاب، وكان اسمه كردو الجبل، الهرب إلى الجبال ليتحول إلى قاطع طريق محترف. كان كردو يغير على المسافرين فيقطع عليهم الطريق ليسلبهم أموالهم. الشيء الجميل في كردو الجبل هو انه كان يفرق بين الأغنياء والفقراء. كان يسلب الأغنياء ويترك الفقراء، لهذا الأمر فقد أحبه الناس واعتزوا به حتى إنهم كانوا يساعدونه فيضللون العسكر الذين يرسلون لقتله. في كل مرة كانت فاطمة تقص على وداد حادثة جرت لكردو البطل. كان كردو يحب ويعشق، ينهب ويساعد المحتاجين، يقتل العسكر ويساعد الجرحى منهم الذين يصابون أثناء قتالهم معه. أصبحت لكردو الجبل عصابة من أمثاله من الشجعان وفي احدى المرات أحبته امرأة أرمنية وصعدت الجبل من أجله. كان يطردها لتعود إلى أهلها ولكنها، بسبب عشقها له، ترفض ذلك حتى إنها أنقذت حياته مرة. قصة كردو الجبل وتلك الأرمنية جعلتها فاطمة ملحمة طويلة بعشرات الحكايات المتفرعة التي كان موضوعها الرئيسي هو العشق والبطولة. كان من المفترض أن يكون العسكر قد استطاعوا أخيراً قتل كردو والأرمنية والقاء القبض على أعضاء عصابته الآخرين ولكن فاطمة كانت ترفض ان تصنع لملحمتها نهاية حزينة خوفاً على مشاعر وداد التي أحبت بدورها قاطع الطريق، مما جعلها تستمر في اختلاق أحداث جديدة وقصص أخرى عن كردو الجبل الذي لا يقهر.

أصبح لكردو الجبل هيئة خاصة في ذهن وداد وبنت له في تصوراتها وجهاً جميلاً وجسداً قوياً. كان مهيباً يخافه أعداؤه، حتى أصدقاؤه ورجال عصابته كانوا يهابونه. كانت وداد تطلب من فاطمة ان تصف لها المواقف التي كان يتعرض لها كردو بالتفصيل، كيف كان يقف كردو؟ كيف كان يتكلم؟ هل كان يقاتل منبطحاً أم أنه كان يطلق النار معتلياً فرسه؟

اما الأرمنية الشجاعة فقد اتخذت لها شكلاً شبيهاً بها. لقد أحبت كردو لذلك جعلت نفسها الفتاة الأرمنية. وعندما كانت تحلم بمغامرات كردو وعصابته، كانت ترى نفسها إلى جانب ذلك البطل الذي دوّخ العسكر وسلب النقود من الأغنياء ليمنحها للفقراء. أما قسمات وجهه فلم تكن محددة. كان جميلاً وقوياً ولكنه لم يكن يشبه أحداً من الرجال الذين عرفتهم وداد (لم تعرف وداد رجالاً لهم نفس الصفات) كانت تحب عبدو السنكة ولكنه لا يمكن ان يكون يوماً كردو الجبل، ومحبتها له لا تشبه محبتها لكردو، لهذا لم يكن وجه كردو واضحاً. فكرت انه قد يشبه، إلى حد ما، اليوزباشي جودت الذي عشقته أمها فهربت من أجله من بيت الموسيقى (بيت بهيرة) ولكنها لم تظفر به بل افتقدته إلى الأبد.. وجعلها ذلك تعيش بقية حياتها في تلك المحطة المملة.

تعلق وداد بفاطمة وحكاياتها أقلق الخوجة بهيرة. جعلها تفكر جدياً بطرد الخادمة. لقد أتت بواحدة كبيرة السن ولا تجيد التحدث باللغة العربية كي تمنع أية علاقة قد تنشأ بين وداد وبينها، ولكن فاطمة استطاعت امتلاك قلب وداد ومصادقتها. جعلتها حكاياتها أكثر ميلاً للعزلة والتأمل وأكثر ابتعاداً عن بهيرة. لماذا إذن تقوم بعزلها عن الناس؟ لقد منعتها من الخروج منذ وصولها، فهي تخاف عليها. تخاف ان يراها رجل فيموت فيها فيرغمها على محبته ثم يقوم بخطفها ويرحل بها؟..

تخاف عليها أيضاً من النساء. بسبب شغلها لا تستطيع ان تكون معها ليلاً نهاراً، لهذا الأمر فقد جاءت بفاطمة الأرمنية كي تحرسها وتسليها ولكن لا لتجعلها تتعلق بحكايات وهمية فتصر على الاستماع اليها كل ليلة حتى ولو كانت بهيرة في البيت.

هناك أمر مخيف أسكنته فاطمة في قلب وداد دون أن تشعر بأنه من الممنوعات في بيت الخوجة بهيرة. انه الحلم بالرجل، هؤلاء الكائنات المخيفة، أعداء الخوجة الألداء. لقد منعتهم من دخول بيتها منذ وصول وداد خوفاً عليها، وإذ بفاطمة تحضرهم بحكاياتها عن كردو الجبل. أخطأت وداد مرة فذكرته بحب بينما كن جالسات إلى مائدة الغداء. قالت وداد ضاحكة بأنها تتمنى ان تتزوج يوماً من قاطع طريق وتهرب معه الى الجبال. تجمدت الحياة وتوقفت النساء عن تناول الطعام والمضغ. استدارت سعاد وعائشة وفريدة ليعرفن رد فعل بهيرة. كن يعلمن بأنها تنتظر الوقت الملائم لتبدأ بتهيئة الصبية حسب مزاجها ولتجعلها فتاتها. كانت بهيرة تمضغ طعامها بصمت. كانت ترمق فاطمة التي تجمدت من الخوف، فقد كانت تعرف السبب. كانت تعرف انها أوصلت وداد إلى حالة المستحيل بحكاياتها. أوصلتها إلى حالة الحلم بالرجل.. فقد كانت قد سمعت كثيراً عن بهيرة وعن حبها للنساء، وكان حسها كامرأة قد قادها للاعتقاد بان وداد تجهز لأن تصبح عشيقة للأبلاية الكبيرة، ولهذا الأمر فقد طلبت من وداد ألا تأتي على ذكر موضوع حكاياتها إلى أيٍ كان.

انتهين من تناول طعام الغداء وقبل ان تغسل فاطمة الصحون استدعتها إلى غرفتها. أغلقت الباب وراحت تستنطقها:

- ماذا فعلت يا فاطمة؟.. أنا لم آت بك إلى هنا لتسيئي إلي. فأجابتها فاطمة بخليط لغتها العجيب:

- فعلت..؟ أنت قلت لي .. أخدم وداد.. فاطمة وسلي بنت.

- أنا لم أطلب منك أن تحدثيها عن قطاع الطرق.

- حكى أنا مرة.. هو حب مرة ثانية.

- جعلتها تحب قطاع الطرق.. والأسوأ من ذلك ان تحب الرجال، هذا الشيء الممنوع في بيتي.. لا أريدها أن تثق بالرجال.

- هو بنت..

- نعم يا فاطمة، وداد بنت (اضافت بعصبية) أنا لم آتِ بك إلى هنا لتفهميني ذلك.. اريد منك أن ترحلي فوراً.

- يا ويلي..!!

- لم أعد أريد خادمة.. سوف أهتم بوداد بنفسي.

صمتت فاطمة. لقد تعلقت بوداد. جاءت لتخدمها وتسليها فتعلقت بها إلى الحد الذي بامكانها ان ترجو الخوجة وتقبل يديها ورجليها لتبقيها. لأول مرة في حياتها يمكنها ان تتوسل الست لتبقيها.

- ماذا حصل لها.. هل عشقتها؟ سألتُ الشيخ فقال:

- لا.. فاطمة ليست من هذا النوع. تستطيع ان تقول إنها شعرت وكأنها أصبحت أماً. هل تدري ان فاطمة لم تلد ولداً لبائع الخردة الطيب؟ لم تهتم لذلك حينها لأنها شاهدت بأم عينها كيف يذبح الأطفال ويموتون جوعاً.. يمرضون ويتقيئون ويسحقون تحت الأقدام. شاهدت كيف تموت الأم وهي تبكي على صغيرها الذي ستتركه وحيداً في هذا العالم المجنون. حينها تمنت ألا تلد أبداً وألا تصبح أماً. لم تعرف ذلك الشعور الخاص بالأمهات تجاه أولادهن وبناتهن. وعندما استخدمتها الخوجة بهيرة للاعتناء بوداد، ومنذ اليوم الأول، تملكتها مشاعر الأمومة. كانت تخدم وداد كما تخدم الأم ابنتها.

- هذا شيء طيب.. ووداد، كيف كان شعورها؟ فقال الشيخ:

- لقد أحبت الصبية خادمتها لأنها عوضتها أمها المدفونة في ميدان اكبس. كانت تستمع إلى حكاياتها وتشتاق إليها. كانت في كثير من الأوقات تستمع وهي تسند رأسها إلى كتف فاطمة وذهنها سارح في العوالم التي تبنيها في مخيلتها. عوالم الحكايات وكردو والأرمنية. كل قصة من الحكاية وكل جملة كانت تتحول فوراً إلى صور تتتابع في رأسها. في كثير من المرات كانت تغفو وهي تستنشق رائحة خادمتها. بعد مدة أصبحت تلك الرائحة أكثر إلفة فاختلطت الروائح على وداد فلم تعد تفرق بين رائحة أمها بديعة وبين رائحة فاطمة. تطابقت الرائحتان وتحولتا إلى شيء واحد.

سألت الشيخ وأنا أريد أن أعرف ماذا حصل بعد أن طردتها بهيرة:

- وهل رحلت فاطمة؟

- رحلت..

كانت وداد قابعة في احدى الزوايا تبكي حينما دخلت عليها فاطمة لتودعها. كانت تحمل أغراضها وقد ارتدت ثياب الخروج وربطت رأسها بمنديل. توقفت وداد عن البكاء ثم نهضت واحتضنتها. صارت تبكي على صدرها غير آبهة لدموعها التي تشربها قماش الثوب. ظلتا على هذه الحال مدة ثم همدت وداد. راحت تنتفض فحسب وهي تتأوه. همست في اذن فاطمة التي كانت تربت عليها برفق:

- إنني أكره الخوجة بهيرة.

- لا تكره خوجة.. هو يعرف مصلحة انتَ.. هو يخاف عليك.

- خذيني معك يا فاطمة.

- صعب وداد حبيبي.. أنا خدام بيوت.. انت ست ستات.

- قولي لي إذن، أين ستذهبين، سوف أحاول جعل الخوجة بهيرة تعيدك إلى هنا؟.

- خوجة بهيرة عنيد.. انت ما تحسن عليه.

- بل سأحاول .. قولي أرجوكِ.

- فاطمة ما يعرف.

- عديني أن تتصلي بي وتخبريني عن مكانك حالما تسكنين في أحد البيوت.. أريد أن أعرف ما سيحصل لكِ.

- جوك غوزال.

حينها أبعدت وداد رأسها عن فاطمة. أمسكت بها ثم قبلتها وهي تبتسم ولكن أية ابتسامة هذه بين الدموع وبعينين حمراوين وانف رطب؟ كانت لذيذة فابتسمت لها فاطمة أيضاً. وجدت وداد نفسها تعترف لها:

- أنت الآن أمي.. دعيني أناديك يا أمي..

أحبت فاطمة ذلك. شعرت بسعادة عوضتها اقتلاعها من البيت. ودعتها ثم خرجت. لحقت بها وداد إلى الحوش. كانت هناك عائشة وفريدة تقفان إلى جانب بركة الماء. كانتا ملتصقتين بينما وقفت سعاد قرب الدهليز. شاهدت ألم وداد التي كانت تلحق بخادمتها وهي تدور حولها بقلق. بعد قليل انصفق الباب. حاولت سعاد لمس وداد لتظهر لها تفهمها وعطفها ولكن الصبية هرعت فوراً إلى غرفتها وأغلقت بابها خلفها. كل ذلك شاهدته الخوجة بهيرة من نافذتها المطلة على الحوش.

كانت قد أحبتها.. عشقتها.. كم هي لذيذة وهي باكية، تعيسة، محمرة العينين والأنف. كانت قد أطلقت على أمها اسم " سكر نبات ". إنها تستأهل الاسم مثل أمها، بل أكثر.

شعرت بالسعادة لأن الله رزقها بوداد. شعرت بالسعادة على الرغم من احساسها بأنها أصبحت تكرهها بعد أن قامت بطرد فاطمة. من أجل ذلك عليها ان تفعل شيئاً، ان تهتم بها حتى ولو كان ذلك على حساب حفلاتها التي تقيمها للناس. لتذهب حفلات النساء إلى الجحيم. إلى الجحيم هن وأعراسهن. سوف تتفرغ لحبيبتها. لقد تعلقت وداد بفاطمة لأنها بحاجة إلى حنان. أحبت قصص قطاع الطرق الأبطال لأنها تريد أن تحب وان تكون محبوبة.

شعرت بهيرة بالغيرة من أبطال فاطمة الخياليين. هي تعرف ان هؤلاء لن يلبثوا ان يتحولوا إلى رجال حقيقيين ولكن بأسماء وهيئات أخرى. تركتها تعيش هنا دون أن تعرض عليها حنانها خوفاً من ان تجفل. تركتها تعتاد جو البيت وطرق عيشه ومن ثم كانت ستعرض عليها رغبتها. كانت تفرح حين كانت وداد تراقب عائشة وفريدة وهما تلتصقان الواحدة بالأخرى، تتبادلان القبلات والملامسات دون حرج. كانت وداد تضحك بسبب رؤيتها لما تفعلان. كانت تتسلى بالنظر اليهما بينما بهيرة تراقبها خلسة لتعرف ردود فعلها.. تراقب تنفسها ولحظات عينيها ورطوبة شفتيها لتتأكد إذا ما كانت قد نضجت أم لا..

لقد جاء حرصها الشديد في التعامل مع كل صبية بعد تلك الحادثة مع صبيحة التي ضمتها إلى فرقتها كمغنية مبتدئة. كانت قد هربت من بيت أهلها لتصبح مغنية وعندما دعتها بهيرة هرعت إليها على الفور. كانت سمراء بشعر أسود كالليل إلا أنها كانت رقيقة التقاطيع لا يوجد فيها شيء خشن (هناك كثير من النساء اللواتي لهن أشكال خشنة وطباع رقيقة مثل الخوجة بهيرة بالذات) دقيقة الفم والأنف والعينين. كانت مرحة تضحك باستمرار حتى وهي تغني. أحبتها بهيرة منذ اللحظة الأولى وزاد عشقها لها مع استمرار تدريبها لها على الغناء. وفي أحد الأيام تحرشت بها بهيرة فمدت يديها إليها فضمتها ثم راحت تقبلها. كانت المفاجأة عظيمة على صبيحة، فقد انتفضت بقوة ثم خلصت نفسها من حضن خوجتها. شعرت بريبة شديدة واحمر وجهها وارتبكت على الرغم من ضحكها الذي جاءت به لتتوازن وتتماسك. أما بهيرة فقد شعرت منذ تلك اللحظة أنها ليست لها وان صبيحة ستهرب وتعود إلى بيت أهلها، وهذا ما حدث فخسرت حبها مما أثر في حالتها، وكان على صديقاتها وأعضاء فرقتها أن يواسينها طويلاً لكي تنسى المغنية المبتدئة.

كانت بهيرة في تلك اللحظة، تقف خلف نافذتها بشكل موارب كي لا تراها النساء من الحوش. كانت تقف دامعة العينين، فهي تعرف انها قد ظلمت وداد وظلمت فاطمة بسبب عشقها الذي لم تجد، حتى الآن، المناسبة اللازمة لكي تعلنه.

هل هو حرام ان تعشق؟ ان تحب؟ يقولون عنها انها ليست طبيعية، وانها ابنة عشرة وكان عليها ان تتزوج من رجل يسمح لها بالعمل في الافراح كما فعلت الكثيرات من صاحبات المهنة. هذا ليس صحيحاً. انها تكره الرجال.. على كل انسان ان يحب كما يحلو له، والمهم ان يكون المحبوب جميل الروح والطلة والله جميل ويحب الجمال. أما ان يكون المحبوب رجلاً أو امرأة فهذا غير مهم. المهم هو المحبة.

بالنسبة لها فهي لا ترتاح مع الرجال. لا يثيرها الرجل ببشرته الخشنة المشعرة وبشاربيه ونحنحاته وصوته الجهوري. خلقها الله هكذا تحب النساء. تحب البشرة الناعمة والصدور الناضجة. إنها تحب رائحة المرأة وتكره رائحة الرجل. بسبب ذلك أحبت الكثيرات، واحدة منهن كانت بديعة أما الآن فوداد.

من مكانها خلف زجاج نافذتها راقبت عائشة وفريدة. كانتا متعانقتين وهما تخطوان نحو الإيوان بحزن. كانتا قد تأثرتا بانفطار قلب وداد على خادمتها. جلستا هناك على الأريكة. أسندت عائشة ظهرها إلى المسند واحتفظت برأس فريدة مرتاحاً على صدرها وهي تلاعب شعرها. ظلتا ساكنتين علىهذه الحال فملَّت بهيرة الوقوف إلى جانب نافذتها فتركتها واستلقت على السرير. مسحت الدموع التي رطبت وجنتيها النحيلتين ثم تنهدت. إنها عاشقة هذه المرأة التي تشبه الرجال..

تركتها ذلك اليوم حابسة نفسها في غرفتها. لم تكن الليلة ليلة عمل فبقين في البيت. ران صمت ثقيل على الحوش إذا استثنينا وقع أقدامهن وهن يمرقن إلى هنا وهناك، ثم حاولت سعاد الدخول إلى غرفة وداد لإطعامها ولكنها اضطرت لترك الصحون والخروج، فمن الأفضل عدم التحرش بها اليوم. لكنها وجدت طريقة مبتكرة لتغيير الجو ومخاطبة وداد. أمسكت كمنجتها ثم وقفت خارج باب غرفتها وراحت تعزف لها.عزفت لها مقاطعاً طويلة من أغان لمحمد عثمان وداوود حسني ومحمد عبد الوهاب.

استمعت وداد إلى صوت الكمان الشجي. كانت سعاد بارعة في العزف فجعلتها تنسى مؤقتاً كراهيتها لبهيرة. ابتسمت لمقطع مرح، عندها شعرت بالجوع فاقتربت من الصحون التي أتت بها سعاد وراحت تأكل. ظلت سعاد تعزف ساعة كاملة وحين انتهت، دفعت الباب وأطلت إلى الداخل. رأتها جالسة في سريرها وقد أسندت رأسها إلى قبضتها. كانت قد تناولت شيئاً من الصحون فابتسمت لها مشجعة ثم أغلقت الباب من جديد.

* * * * *

في الصباح الباكر، تسللت بهيرة إلى غرفة وداد. كانت نائمة فوقفت بجانب السرير تتمعن جمالها الغافي. كانت قد ثنت ركبتيها ووضعت يدها على المخدة كأنها تنظر اليها. شعرها الأشقر الذي جعدته لها بهيرة تناثر بلا انتظام بينما ارتاحت خصلة صغيرة باستسلام على عنقها الأبيض كالثلج. كم كانت لذيذة وهي نائمة. لو لم تكن خائفة عليها ان تستيقظ مذعورة لمدت يدها وتلمستها.

كان بياض بشرتها أكثر مما توقعت الخوجة المجربة. يبدو ان النائمات يبدون أكثر جمالاً وبياضاً مما نراهن وهن صاحيات. كانت طريقة نومها هي التي جعلت بهيرة تستنتج نظريتها الجديدة فقد كان ثوبها قد ارتفع الى منتصف فخذها بينما لم يكن ملتصقاً على صدرها بسبب ارتخاء ثدييها.

قرفصت الخوجة واستندت بمرفقيها على السرير ثم أراحت رأسها على يديها وجعلت تراقب وداد النائمة بلذة. تمعنت جبهتها ثم انسياب انفها حتى الارنبة لينكسر بعد ذلك باستدارة خفيفة نحو الشفة. الشفتان ممتلئتان ومتجعدتان، ثم يستدير الذقن ويلتف إلى عنقها.

هنا لاحظت سر تشابهها مع أمها بديعة، في طريقة استدارة الذقن وانسياب الأنف، ولكن زاوية العين المغمضة تبدو غريبة على بهيرة. هل ورثت ذلك عن أبيها اليوزباشي جودت؟ هل كان جميلاً إلى هذا الحد؟ إذا كان ذلك صحيحاً فهذا معناه انها ورثت عنه أيضاً تلك الحركات الموزونة والهادئة التي تأخذ العقل، تلك الحركات التي لا تسمى ولا توصف، والتي قالت عنها راحيل إنها رقص بديع.

تحركت وداد لتزيل الخدر عن يدها المركونة أمامها على المخدة ففتحت عينيها. شاهدت وجه بهيرة يطل عليها قريباً منها وهي مقرفصة بجانب السرير.كانت في الحالة المترجحة بين النوم والصحو. ارتجفت من الخوف وقد توسعت عيناها. لاحظت بهيرة رعبها فابتسمت لها ومدت يدها تلمس وجهها عند الخد والعنق. ارتاحت وداد فقد عرفت انها بهيرة فأغمضت عينيها دون أن تعود للنوم. قالت بهيرة بصوت خافت ورقيق:

- صباح الخير.. دخلت لأطمئن عليك. أعرف أنك تكرهينني ولكنني فعلت ذلك لأنني لا أريد أن أخسرك مثلما خسرت أمك قبلك. كنت أحبها ولكن رجلاً جاء وخطفها مني. جعلها تعيش كالفلاحات في احدى القرى على الحدود. لقد أرسلتك إلي بنفسها لتطمئن عليكِ قبل أن تموت. رحمة الله عليها فقد عرفت كم أخطأت وهي لا تريدك أن تصدقي الرجال والعسكر وقطاع الطرق. أنا أحبك ولا أريد ان أخسرك. أنت تكرهينني الآن ولكنك ستفهمين فيما بعد لماذا فعلت ذلك.. السبب هو حرصي عليكِ.

كانت وداد تنظر مباشرة في عيني بهيرة وهي تستمع إلى ما تقول. لم تكن تحب كلامها ولم تكن تكرهه. كانت تستمع فحسب. تابعت بهيرة:

- لن اترككِ بعد الآن أمانة عند أحد. سوف ترافقينني إلى حيث أذهب.. إلى الأفراح والأعراس التي نقيمها. انت حبيبتي وسوف تظلين إلى جانبي.

راحت تمسح بيدها على شعرها ثم أذنها نزولاً إلى عنقها، ولكن حنق وداد ظل يفرض نفسه رغم رقة بهيرة التي تبديها لها. قالت وداد معاتبة:

- كنت قد بدأت أشعر بميل كبير نحو فاطمة. كانت تحبني مثل أمي فناديتها ماما.

صمتت بهيرة لهذا الوصف وشعرت برجفة. تابعت وداد:

- أنا لن أهرب مع قاطع طريق كما هربت أمي مع اليوزباشي جودت.

- لا أريدك أن تحبي الرجال.

- لماذا؟ كان هناك، في ميدان اكبس الكثير من الرجال. لم أحب سوى عبدو السنكة، ولكنني لم أفكر بالهرب معه. انه مسكين..

- لا تثقي بالرجال، إنهم أنانيون. نحن النسوان نفهم بعضنا بعضا أكثر وبشكل أفضل. أنا لا أريدك أن تصبحي خادمة لرجل في بيته إذا ما خرجت من بيتي ولحقت به.

- بالعكس، أحب ان أبقى، فأنا أحبك وأحب سعاد وعائشة وفريدة.

- إذن فأنت لا تكرهينني..

- أنا لا أكرهك وأريدك أن لا تكرهي فاطمة.. أعيديها وسوف أتوقف عن طلب الحكايات.

- انسيها .. سوف أكون مثل أمك أنا أيضاً.

عبست وداد. انها تريد فاطمة وإن عادت فإنها ستحب بهيرة. استدارت وجعلت بهيرة خلف ظهرها. زفرت الخوجة. إنها لا تريد فاطمة لأنها تحاول صنع مخيلة لوداد تجعلها تسرح بعيداً عنها. انها تريدها ملكاً لها بشكل كامل. تريدها كائناً لم يدنسه الرجال حتى ولو في المخيلة.

لمست فخذها برفق تطلب منها ان تستدير ولكن الفتاة لم تتحرك. سوف تصبر عليها بهيرة كما يصبر حبيب على حبيبته. ظلتا على هذا المنوال.. وداد تعطيها ظهرها ومؤخرتها وبهيرة مقرفصة بجانب السرير ويدها ممدودة تتحسس فخذها ثم تصعد بها إلى وركها.لاحظت بهيرة بأنها لا تمانع ولا تزيح لها يدها. إنها تتقبل ملامساتها ويبدو انها تعودت على هذه الأشياء لكثرة مشاهدتها عائشة وفريدة وهما تتلامسان. نهضت وجلست على السرير فالتصقت بها واستندت بكوعها على المخدة بحيث يدغدغ شعر وداد يدها. أصبحت الآن تتلمس ذراع الفتاة ثم كتفها نزولاً حتى عنقها. كم هو ممتع دلال وداد وملمس بشرتها. كان رأس بهيرة فوق رأسها مباشرة فلاحظت انها مفتوحة العينين تنظر بثبات إلى حشرة نائمة على الجدار. تابعت تحادثها:

- هل تعلمين ما هو الحب؟ أصبحت بسن يسمح لك ان تعرفي شيئاً عن الحب. انه مثل ان تتعلقي بشخص ولا تستطيعين الابتعاد عنه. انه مثل ان تحب الفتاة أمها ولا يشبه ذلك أيضاً. عائشة وفريدة تحبان بعضهما بعضا. لقد وهبنا الله هذا الامتياز بان يحب الانسان انساناً آخر.. انه النقيض للكراهية. ان تحب امرأة هذا معناه انها تتفانى فيمن تحب. بلا سبب وبلا هدف أو مصلحة. الرجال يحبون المرأة لأنهم أنانيون، أما المرأة فهي تحب لتعطي.. الرجل يأخذ ويرهن مستقبل المرأة له فقط. انه يجعلها تحبل لتلد له الأطفال، يجعلها تخدمه في البيت، فتطبخ له وتكنس وتسهر على راحته. أما راحتها هي فلا قيمة لها. عندما تحب المرأة امرأة أخرى فالهدف هو الحب، وفقط الحب.. بلا أطفال والاثنتان تتعاونان وتخدمان بعضهما بعضا. إنه الحب الصافي.. حبنا يشبه حب المتصوفة.

كانت وداد تستمع اليها جيداً، فلم تعد تنظر إلى الحشرة فحسب. كانت دقات قلبها تنتقل إلى جسد بهيرة بفعل تماسهما. قررت بهيرة ان تعترف لها. لقد آن الأوان. اقتربت أكثر وهمست:

- ذات مشاعر الحب الصافي بدأت أشعر بها نحوك. أنا أحبك.. طردت فاطمة لأنني خفت أن تحبي رجلاً ولا تحبيني.. خفت أن تكرهيني بسبب ذلك، ولكن أعذريني، فالتي تحب تصبح مقاتلة دفاعاً عن حبها. تتصرف في بعض الأحيان بدناءة.

صمتت الخوجة بهيرة. كانت وداد تنتظرها لتكمل، فقد أحبت ما قالته، وعندما طال سكوتها استدارت لتواجهها. كان وجهها يبعد عن وجه بهيرة بمقدار شعرة فتلقت كل واحدة أنفاس الأخرى. كانت تبحث في عيني الخوجة عن تلك الكلمات التي انتظرتها لتقولها فوجدتها تنظر في عينيها نظرة غريبة على وداد. كانت بهيرة ضعيفة، متوسلة وصادقة. كان هناك شيء آخر عرفته صدفة في عيون عائشة وفريدة ولم تعرف كيف تسميه. شيء يذبل العينين ويجعل النفس حاراً والشفاه رطبة ومنفرجة.

أغمضت بهيرة عينيها ثم أنزلت شفتيها مقدار الشعرة فأطبقت على شفتي وداد.

* * * * *

  • الفصل الثالث

  • TOP

    Copyright © 1999 - 2001 Nihad Sirees All rights reserved